العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط .. من خلال كتاب " العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية" لعلي بن الحسن الخزرجي (2)

العلم والذهنيات العامة في تاريخ اليمن الوسيط

من خلال كتاب " العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية" لعلي بن الحسن الخزرجي.

أ.د. أحمد السري

8 . علماء المذهب الحنفي:

ومن بين علماء اليمن لهذه الفترة من كان على المذهب الحنفي رغم غلبة المذهب الشافعي، إلا أن المذهب الحنفي احتفظ بوجوده في زبيد تحديدا في هذه الفترة وكان في المرتبة الثانية بعد المذهب الشافعي[1]. ومن ممثلي المذهب الحنفي لهذه الفترة الفقيه الإمام البارع أبو العتيق أبو بكر بن عيسى بن عثمان الأشعري الحنفي المعروف بابن حِنكاس (ت:663هـ)، فقد كان عالما في المذهبين.. ومن صدور الفقهاء..، أوحد أهل عصره اجتهادا في طلب العلم ونشر المذهب حتى قيل لو لم يوجد لمات مذهب أبي الحنيفة في اليمن، وله مع السلطان الرسولي نور الدين عمر بن علي حكاية تشهد على حرصه على مذهب أبي حنيفة وعلى تسامح السلطان الرسولي أيضا، فقد لقي ابن حنكاس السلطان الرسولي عمر بعد أن ابتنى الأخير مدرسة في زبيد وجعل عليها فقيها لتدريس الفقه الشافعي، فقال له: "يا عمر ما فعل بك أبو حنيفة إذ لم تبن لأصحابه مدرسة كما بنيت لغيرهم، فأمر ببناء مدرسة ثانية وجعل فيها موضعا لأصحاب الإمام أبي حنيفة وموضعا لأصحاب الحديث النبوي"[2].

ومع هذا التعايش المذهبي الجميل فلم يخلُ الأمر من جُهَّال في أوساط العامة يرون في مخالفة المعتقد سببا للشقاق والتكفير، يرد ذلك في سيرة الفقيه الحنفي الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي (ت:681هـ)، الموصوف بالزهد والورع، فقد أصابه دين عظيم هرب بسببه إلى الجبال فأقام في مصنعة "سَيْر"،[3] وهي من مراكز العلم المشهورة لذلك الوقت، فسأله بعضهم ذات يوم عن المعتقد: " فأجابه بما لم يرض عنه السائل فأفضى ذلك إلى شقاق وتكفير فخرج الفقيه هاربا وبلغ القضاة ذلك فلم يعجبهم وأمروا برده".

هذه الحادثة مثل شبيهاتها قديما وحديثا تكشف علاقة الجهل بالتعصب والتكفير، بينما العلماء والفقهاء يحتملون بعضهم بعضا طالما صدروا عن الكتاب والسنة، وتبين باقي القصة أن الفقيه الحنفي أكرم بعد ذلك من وزير الدولة الرسولية بهاء الدين العِمراني وقضي دينه واعتذر له من فعل ذلك المجادل[4].

9. التنافس على طلب العلم والمناظرات:

ومن مكونات الصورة العلمية أيضا التنافس على طلب العلم ثم حصول المناظرات بين العلماء والفقهاء لقياس مستويات المعرفة، ولا ضير في التنافس والمناظرات المشجعة على العلم لولا أن بعضهم وجد في المناظرات مدخلا للغرور المذموم والاعتقاد بأنه الأعلم في البلاد، كما تظهر ذلك سيرة الفقيه المصبري، الذي تعلم وصار فقيها وظن أنه أعلم أهل زمانه، ثم قصد زبيد فناظر فقهاءها وغلبهم فوصف نفسه شعرا بأنه الأفقه، فأراد مقابلة الفقيه علي بن مسعود للمناظرة وكان ابن مسعود، كما تفيد الرواية: " كبير القدر معظما عند أهل العصر"، يسكن محلة "بيت حسين" في تهامة ويدرس في مدرستها، وكان له تلميذ هو (كما صار إليه بعد ذلك) الفقيه العالم أبو محمد عمرو بن علي السباعي الذي تنقل بين مراكز علمية كثيرة وحصّل معرفة في فنون كثيرة ومنها الفقه والقضاء وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل الذي يرد ذكره هنا لأول مرة ليشير إلى وجود أتباع للمذهب الحنبلي أيضا[5]، وحط أخيرا عند الفقيه ابن مسعود دارسا في مدرسته. وصل الفقيه المصبري، الذي لا تكرمه الرواية بغير لقبه الشخصي هذا، دلالة على التبرم من سيرته، وصل إلى محلة "بيت حسين" ولقي عمرو بن علي السباعي تلميذ الفقيه علي بن مسعود فظنه الفقيه المقصود، فأخذ يلقي عليه أسئلته وتلميذ ابن مسعود يجيب عنها ولم يتعثر في سؤال أو مسألة، ثم أخذ التلميذ يلقي على المصبري أسئلته ومسائله فأجاب عن بعضها وعجز عن البعض الآخر، فاعتذر عن جهله وغروره لتلميذ ابن مسعود ظنا منه أنه الفقيه ابن مسعود، ثم أخبره التلميذ بأنه ليس الفقيه ابن مسعود وإنما تلميذه، وأن الفقيه علي يجلس في محراب المسجد إن أراد رؤيته، فازداد المصبري تعجبا وقال " إن كان هذا دَرَسِيٌّ من دَرَسَتِه فكيف يكون المدرس"[6].

10. الحذر في تلقي العلم:

ورغم الشغف الكبير بالعلم إلا أن بعض الفقهاء أظهر حذرا في أخذه إلا مِمَّن تم التحقق أنه أهل لأخذ العلم منه. يرد هذا الحذر في سيرة الفقيه أبي العباس أحمد بن محمد بن أسعد (ت: 667هـ) الذي وصف بالرصانة وبأنه صاحب كرامات وآثار وأنه " لا يأخذ العلم إلا عمن خَبِره ". ثم قَدِم عليه رجل غريب تصفه الرواية بأنه تظاهر بالعلم والمعرفة وعرض على الفقيه أبي العباس أن يُقرِئه وأصحابه فرفض أبو العباس العرض محتجا بأنه لا يأخذ العلم إلا ممن تحقق من دينه وأمانته، وأن هذا الرجل غريب وربما أوقعه في محظور من حيث لا يشعر. لكن آخرين قبلوا التتلمذ على يديه ولم يظهر منه سوى الورع والزهد. وتضيف الرواية أن الملك المظفر زاره إلى منزله لما تحقق صلاحه وأكل عنده خبزا رآه خيرا وبركة[7]. ولم ترد سوى هذه الحادثة متصلة بالحذر من أهل العلم، كما لم يرد أي تعليل لذلك الحذر، ومع ذلك ربما كان لهذا الحذر، وقد ورد ذكر الملك الرسولي المظفر في هذه الرواية، صلة بالتنافس المذهبي بين الرسوليين والأئمة الزيدية، أو له علاقة بالتنافس في المقامات والقرب والبعد من السلطان، وأن الحذر كان طريقا للتشكيك في علوم الآخرين أو إثارة الريبة حولهم. فهذه أحوال بشرية لا يخلو منها زمان ولا مجتمع.

11. سيادة عقلية الاستيعاب والجمود على كتاب واحد:

ومن الكتب ذات الشهرة إلى جانب "التنبيه" الذي مر ذكره، كتاب: "البيان في الفقه الشافعي" ليحيى ابن أبي الخير العِمْراني، وهو من شروح "المهذب" كما أشرنا إلى ذلك. وكان الفقيه العلامة عبد الله بن يحيى الهمداني (ت: 676هـ) أبرز حفاظه فاستدعاه الملك الرسولي المظفر ليأخذه عنه، إذ كان قد أتقن حفظه لأنه كان تخصصه في التدريس، وقد كرر سماعه وإسماعه خمسا وعشرين سنة وكان مادة التدريس في المدارس التي رُتِّب فيها مُدرسا[8]. وهي رواية تشهد على جمود في الفكر وسيادة عقلية الاستيعاب والتلقين. وهما كافيتان للاعتراف للرجل بالعلم والتفقه وفقا للنعوت التي مرت بنا.

12 .علوم دنيوية غير شرعية:

ومن الفقهاء الذين تظهر سيرُهم وجود تخصصات علمية غير شرعية، على ندرتها، الفقيه البارع أبو عبدالله محمد بن أبي بكر الفارسي بلدا التيمي نسبا (ت:677هـ)، فقد أخذ بعض العلوم الشرعية عن شيوخ عصره في هذه الفنون، وأخذ عن الشريف (ولم يذكر له اسما كاملا) الطب والمنطق والموسيقى وعلم الفلك، وأنه شُهِر بعلم الفلك والموسيقى وله فيهما مصنفات مثل كتاب " دائرة الطرب" وكتاب في "وضع الألحان"، وكتاب "التبصرة في علم البيطرة" و"آيات الآفاق في خواص الأوفاق" وكتاب "في معرفة السموم"[9]. ومن الذين ذكرت لهم صلة بالطب الفقيه الفاضل أبو بكر بن يوسف المكي الحنفي (ت:677هـ) وأنه كان عالما مشهورا نحويا لغويا متأدبا مترسلا عارفا بالطب. وأنه كان يُقَرِّي أهل المذهبين كما كان شيخه أبو سوادة.[10] وترد بعض المصنفات الجديدة مقرونة باسم الفقيه الإمام الفاضل أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الأصبحي (ت:691هـ) ومنها "المصباح"، وهو مختصر في الفقه، و: "الفتوح في غرائب الشروح "، و:"الإيضاح في مذاكرة التنبيه، و:"الترجيح"، و:"فضائل الأعمال" و:"الإشراف في تصحيح الخلاف".

وتُضْفَى صفات حميدة متميزة على هذا الفقيه الذي دَرَّس في "مصنعة سير" قبل أن ينتقل إلى إب، فهو العالم العارف المحقق العابد الزاهد المتورع الكثير التلاوة، وله تلامذة كثر نبغ بعضهم ومنهم الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الأصبحي، صاحب كتاب "معين أهل التقوى.."، فأقبل عليه الطلبة إقبالا كبيرا وصار أحد كتب التدارس الأساسية الذي يكثر ذكره والإشارة إليه[11].

13. بين جودة العلم وكثرة التأليف:

 ومن المصنفات الجديدة التي ترد في عقود الخزرجي ما أخرجه الفقيه الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الله العِمْراني (ت:695هـ)، وهو فقيه فاضل مع ميل للتصوف كما تشير إلى ذلك مؤلفاته ومنها: " جامع أسباب الخيرات، ومثير عزم أهل الكسل والفترات"، وقد وصف بأنه من أحسن كتب المتعبدين، كما ألف مختصرا سماه: "البضاعة في فضل صلاة الجماعة"، وكتاب: "البضاعة"، و"إيضاح الأصبحي"، و:"التبصرة في علم الكلام"، وهو ما يشهد بأن الاشتغال بعلم الكلام لم يكن حاضرا بقوة، ولذلك يقِل ذكر المصنفات ذات الصلة بهذا العلم[12].

ويستفاد من ملاحظة ترد على لسان الفقيه أبي العباس المساميري (ت:699هـ)، أن تأليف الكتب لم تكن قرينة على كثرة العلم وتجويده بل على الجد في ذلك، فقد كان الفقيه المذكور من أقران الفقيه أبي الخير بن منصور، المُحدّث بزبيد، وكان كثيرا ما يقول: " أبو الخير أكثر كتبا مني وأنا أكثر علما منه"[13]، وهو قول يسمع في أيامنا هذه بالمعنى نفسه.

14. في ألقاب العلماء:

في ختام هذا الاستعراض عن الصورة العلمية للقرن السابع في اليمن تجدر الإشارة إلى تعدد الألقاب التي مُنِحت لمن ذُكرت وفياتهم وسيرهم، وهي متباينة، والأغلب ذكر لقب الفقيه دلالةً على اشتغال المذكور بالفقه والعلوم الدينية، كما يرد لقب الشيخ أحيانا بدلا عن الفقيه، ويفهم من بعض السير أنه لقب يختص برجال الصوفية المتقدمين في مراتب العلم، كأن يذكر مثلا: وفي هذه السنة توفي الشيخ أبو موسى عمران الصوفي ويوصف بأنه: "كان من أعيان مشايخ الصوفية، صحب الشيخ علي الحداد بحق صحبته للشيخ عبد القادر الجيلاني وكان لزوما للسنة نفورا عن البدعة متعلقا بأذيال العلم وله كرامات كثيرة"[14].

لكننا مع ذلك لا نستطيع تبين نسق محدد في منح الألقاب للتعريف بالمذكورين، ففي التعريف بوفاة أبي الربيع الأشعري، يرد أنه الشيخ الإمام أبو الربيع سليمان بن علي الأشعري، الفقيه الحنفي، وتجتمع في التعريف به كما نرى ألقاب عدة، فهو الشيخ والإمام والفقيه الحنفي، لكن لا ذكر للتصوف في سيرته، كما أعطيت ألقاب مثل الفقيه والشيخ والعارف بالله لتعريف شخص واحد من غير رجال الصوفية، هو الشيخ والفقيه الإمام العارف بالله أبو الفداء إسماعيل الحميري اليزني (ت:677هـ)، والتي تظهر باقي سيرته أن تضلُّعه كان في ميداني الفقه والقضاء، وله في الفقه مصنفات مثل " شرح المهذب"، وكان أحد أساتذة السلطان المظفر في علم الحديث، فأقرأه البخاري، وولي القضاء الأكبر في تهامة، ثم صارت له بعض أحوال قربته من الصوفية، ولم تصيره صوفيا. ولعل هذه الأحوال القليلة هي مأتى نعته بالعارف بالله بحكم سعة فقهه وطيب سيرته[15].

وربما كان تقلب الأحوال سببا في غلبة لقب على آخر، فقد ذكر في بعض السير غلبة التصوف على بعض الفقهاء في مرحلة ما من مراحل حياتهم، ومن أولئك الفقيه عثمان بن علي بن سعيد (ت:689هـ) " تفقه ثم تصوف" واشتهرت له كرامات كثيرة مأثورة"[16]. ومنهم أيضا الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الجنيد (ت:680هـ)، والذي وصف بالتقي والخيّر وأنه امتحن بقضاء "ذي أشرق"، فقال ذات يوم بينما كان جالسا في حلقة التدريس: " اليوم نحن فقهاء وغدا نكون صوفية"، ثم أصبح بعد ذلك شيخا من شيوخ الصوفية مُحَكما ويجوز له تحكيم غيره، ومع ذلك لا يرد في سيرته غير لقب الفقيه[17]. ومثله الفقيه الصالح أبو عفان عبد الله بن أحمد الخطابي (ت:683هـ)، الذي تفقه على أيدي شيوخ كبار: " ثم غلب عليه التصوف والعبادة ويقال إنه أوتي اسم الله الأعظم، وكانت له كرامات عظيمة"[18]. ومثله الفقيه موسى بن عمر بن المبارك الجُعفي (ت:689هـ)، وصف بأنه كان فقيها صوفيا عارفا سالكا، وأنه أخذ الفقه أولا عن شيوخه، ثم صحب الشيخ محمد بن الفصيح فرباه تربية صوفية.. فكان فقيها صوفيا وظهرت له كرامات كثيرة[19].

وإجمالا نقول إنه لا يمكن تبين فوارق حاسمة في منح الألقاب، ومع ذلك فيمكن القول إن منها ما منح للتمييز بين الفقه والتصوف كما في المثال السابق، ومنها ما منح للتمييز في المقامات وفق درجة العلم التي وصل إليها شخص ما، حيث يستحق الشخص لقب الشيخ والإمام لتقدمه في فنون العلم على معاصريه من العلماء والفقهاء. ومع ذلك يلاحظ استخدام لقب الشيخ فقط لمن اشتهر عنه التصوف منذ البداية، يعزز ذلك ما نجده من ألقاب لتعريف أحمد بن علوان، أحد أشهر رجال الصوفية في القرن السابع، ولا تزال شهرته حية حتى اليوم، فهو الشيخ الصالح العارف بالله أبو الحسن أحمد بن علوان الصوفي صاحب يفرس[20]. ومثل ذلك يرد في تعريف أبي الحسن علي بن عمر المعروف بالأهدل (ت:689هـ)، فهو الشيخ الأهدل.. كبير القدر شهير الذكر ينسب إليه الجذب وأنه أخذ التصوف عن جده وقيل إنه رأى أبا بكر الصديق في المنام فصافحه وأخذ عنه يد التصوف وقيل صحب الخضر عليه السلام"[21].

ثانيا- الذهنيات العامة:

نقصد بالذهنيات العامة مجموعة التصورات المعتمدة اجتماعيا حول الذات والبيئة المحيطة، وطرق التعامل مع الظواهر الاجتماعية باحتسابها انعكاسا لرؤى ومعتقدات شائعة، وهي من ثَم جزء أساس من ثقافة عامة تتجسد في الشروح المقدمة لبعض الأحداث والظواهر الاجتماعية غير المنضبطة بمنطق يقبله العقل المعاصر، والتي تدخل اليوم مدخل الخرافة، كما تتجسد في الموقف من عالم الغيب وعالم الأحلام والرؤى وعالم الجن والتبرك بالقبور والأشخاص. وقد اشتمل كتاب الخزرجي أخبارا ثَرَّةً تتعلق بالصورة الاجتماعية وبالذهنيات العامة، وهي أخبار ترد في سير مشاهير وأعيان العصر ومن اتصل بهم من بقية الناس (الرعية).

  1. إشارات وبشارات حول ملك الرسوليين لليمن:

وما دمنا في معية الدولة الرسولية، فلا بأس من افتتاح الحديث عن الذهنيات العامة بما ورد في عقود الخزرجي من بشارات وإشارات كاشفة لصفحة الغيب وما فيها من أقدار تهيئ للرسوليين مُلك اليمن حين قدموا أول مرة في معية المك المسعود الأيوبي عام 612هـ إلى زبيد، وقد ارتبطت تلك البشارات والإشارات بعمر بن علي بن رسول، أول سلاطين بني رسول في اليمن، ومنها أن شيخا من مشايخ الصالحين نظر إلى جموع العسكر فرآها تحف بعمر الرسولي دون الملك الأيوبي صاحب الأمر، فتنبأ له بالملك وببقائه في عقبه إلى آخر الدهر، وعزز هذا التنبؤ برواية أخرى تصف رجلا مجهولا كان يراقب موكب الملك الأيوبي القادم بعسكره وطبوله، فسمع الرجل هاتفا يهتف ببيت من الشعر فيه إن الملك المسعود ليس له من الملك في اليمن إلا هذا السفر، وقد قصد الرجل مصدر الصوت فلم ير أحدًا، فتيقن أن الصوت للجِن وأن مُلك الملك المسعود لسواه[22]. والوضع ظاهر في هذه الرواية، فهي إسقاط خُرافي على وقائع حية حدثت فعلا بعد ذلك باستثناء بقاء الملك إلى آخر الدهر، فقد خرج الملك المسعود من اليمن خروجه الأخير باتجاه الشام ومات في مكة عام 626هـ، بعد أن استناب على اليمن عمر بن علي بن رسول الذي أخذ يرتب الأمر لنفسه ويعقد التحالفات للاستقلال باليمن عن الأيوبيين[23]، لاسيما وقد اعتقل الملك المسعود إخوة عمر وأرسلهم إلى مصر عام 624هـ بعد شكه بنوايا الرسوليين الاستقلال باليمن[24]. لكنه أبقى على الأخ الأكبر عمر فتمكن من الاستقلال باليمن لنفسه، وهي وقائع تاريخية لا تحتاج إلى أي سند خرافي، لكن الخرافة باستنادها إلى الجن تشير إلى الوظيفة الاجتماعية المراد منها، فهي تبشر بقدوم دولة جديدة وتهيئ النفوس لذلك بالإحالة إلى حكم الأقدار التي عقدت للرسوليين حكم اليمن ليتم قبول ذلك والإذعان له شعبيا. وهكذا تسهم هذه الرواية في دعم شرعية الرسوليين في الحكم، فقد كانت أزمة الشرعية مما أقض مضاجع الرسوليين في أول أمرهم على الأقل. وفي هذا السياق تقع أيضا بشارة العفريت، فقد نقل عن السلطان الرسولي عمر، أول سلاطين بني رسول، أنه أرق ذات ليلة فسمع دويا في الهواء فرفع رأسه وإذا عفريت هارب من الشواظ يحط عنده وهو يلهث، فقام عمر وسقاه ماء وهدأ روعه ثم أبلغه العفريت البشارة شعرا:

أسْفِر وأبشر يا أبا الخطاب.. بالملك من عدن إلى عيذاب.[25].

وعندما تكون العفاريت هي الباحثة عن الأمان عند عمر بن علي بن رسول، والمبشرات بالإمارة بشعر عربي فصيح، فلنتصور وقع هذه الروايات على العامة الغارقة في بحر الخرافات، إنها تذعن فقط وتستسلم لما يجري من تحولات سياسية دون سؤال عن شؤون السياسة وتعقيداتها.

وبعد هذه الافتتاحية التي تربط بين نشأة دولة بني رسول وإشارات الغيب نود رصد الذهنيات العامة للقرن السابع الهجري باليمن، كما وردت في العقود تحت عناوين محددة، هي الرؤى والأحلام، الكرامات الخارقة والتبرك بالناس والقبور، الهواتف الصوتية وتغيير المصائر، المسح على الصدر والبصاق في الفم، الزَّوَاجر، العلاقة بالجن.

  1. الأحلام والرؤى:

لا نريد هنا الدخول في جدل حول مصادر الرؤى والأحلام وأن الأولى من الله والثانية من الشيطان، الغاية من استعراض ما ورد من رؤى وأحلام هو كشف مشاهد اجتماعية في زمن معين ليس إلا، فقد شكلت الأحلام والرؤى حيزا واسعا من محتوى الذهنيات العامة لهذا العصر، فتعامل معها الناس بوصفها إشارات من عالم الغيب واجبة الإتباع أو إفادات حاسمة في مسائل خلافية في الفكر الديني لذلك العصر، أو كرامة من الكرامات خاصة حين يكون موضوعها رؤيا يرى فيها الرائي النبي صلى الله عليه وسلم، كما كانت الأحلام أيضا بريدا سريعا وفوريا يتم عبرها التثبت من الأخبار التي ترد من بلاد بعيدة، أو معرفة مصائر الموتى أفي جنة هم أم في نار، إلى غير ذلك من الأمور التي تبين سلطة الحلم والرؤيا في حياة الناس، ففيها المعرفة وفيها الأمر وفيها الإخبار بالغيب وغير ذلك مما ستوضحه الأمثلة الآتية:

  1. الأحلام وتغيير المذهب:

ولنبدأ بعرض رؤيا قدمت سببا لتغيير مذهب بني رسول من الحنفي إلى الشافعي، فقد كان آل رسول في الأصل أحنافًا، وهو المذهب الذي قدموا به إلى اليمن، ثم نقل عن السلطان الرسولي عمر بن علي أنه رأى النبي في المنام فأمره بالتحول إلى المذهب الشافعي قائلا: " يا عمر صِرْ إلى المذهب الشافعي"[26]، فاستجاب للأمر وغير مذهبه، ولم تتحدث الرواية قط عن شيوع المذهب الشافعي في معظم اليمن، وأن السلطان الرسولي ربما قدّر بذكاء أن من غير اللائق أن يكون، وهو رأس القوم، بمذهب يخالف شعبه، وأن تحوله إلى مذهب الجمهور يقربه منهم ويجعله في غير خلاف معهم، فكان أمر النبي في المنام أفضل عذر يمكن تقديمه لتغيير المذهب. وبغض النظر عن حصول الرؤيا من عدمه، إلا أن إشاعة مثل هذه الرؤيا عذرا للتحول إلى المذهب الشافعي لا يعني فقط أنه عذر غير مردود بل يشير أيضا إلى درجة صلاح السلطان الرسولي، إذ لا تتأتى رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام إلا لمن كان على درجة من الصلاح والتقوى.

  1. الأحلام والتحقق من الأخبار:

ومن الأحلام ما كان يعمل عمل البرقيات للتحقق السريع من خبر ما. يرد ذلك متصلا بأخبار الفقيه علي بن أحمد الرُّميمة الموصوف بأنه صاحب: " مكاشفات وكرامات ظاهرة " وكان قد علم أن السلطان الرسولي بعث إلى صاحب مصر رسولين هما ابن عباس والأمير ابن الدَّاية، فجاءه رجل ذات يوم وأخبره بأن دار ابن عباس في تعز يملؤه البكاء، لورود أخبار من مصر تفيد بموته هناك. ثم إن الفقيه بعد سماع الخبر أغفى إغفاءة قصيرة قام بعدها ليبلغ الخبر اليقين، وأن الذي مات هو الأمير ابن الداية وليس ابن عباس، ثم أرسل الفقيه إلى دار ابن عباس الحزين من يخبرهم بجلية الأمر، ليرفعوا الحزن، وليبدأ البكاء في بيت ابن الداية، ثم تضيف الرواية أن الخبر كان بعدئذ كما أخبر الفقيه.[27]

واعتقد الفقهاء بالرؤى التي كانت تخبر عن مصائر الموتى، فهذه رواية عن الفقيه عمر بن صباح وأنه رأى والده في المنام وكان قد توفي في طريق الحج فسأله عن أحواله وأحوال غيره من الفقهاء المتوفين فأخبر أنهم في نعيم الجنة، وأنه في كل مرة كان يكرر " ويل للمتقشفين ويل للمتقشفين" ولم يتمكن الرائي من سماع تفسير شافٍ لهذا التكرار الذي يبدو أنه يُعَرِّض بالمتقشفين من أهل اليسار ليشير إلى ملمح اجتماعي لتلك الفترة[28]. وهناك منامٌ آخر يخبر عن مصائر موتى من عامة الناس ثم ما يحدث لهذه المصائر من تغير عندما يموت شخص جليل القدر كالفقيه الحنفي أبي بكر بن حنكاس، ولا تتصل الرؤيا هذه المرة بفقيه أو بشيخ صالح بل بشخص من عامة الناس أيضا نُقل عنه أنه رأى قريبا له في المنام، كان قد توفي قبل سنين، والمهم أن هذه الرؤيا تنقل عن الرجل بعد موت الفقيه ابن حنكاس، وفيها أنه سأل قريبه عما فعل الله به بعد موته فقال: " حُبست منذ مت مع جماعة فلما توفي الفقيه أبو بكر بن حنكاس شَفَع فينا فأطْلِقنا وغُفِر لجميع من في المقابر ببركة قدومه رحمه الله تعالى"[29]. وهكذا تنتقل إلى الآخرة صور الدنيا حيث الحبس والشفاعة والإطلاق.

وبما أن الأحلام قد منحت سلطة معرفية على النحو الذي مر وعُدَّت واسطة بين الأحياء والأموات، فكيف الحال إذا تعلق الأمر برؤيا يرى فيه الشخص الله سبحانه وتعالى ذاته، ويرى في ذلك نذير من الله بالابتلاء، والرواية تتعلق بمحمد ابن الخطاب، أحد الفقهاء المشهورين، وأنه كان قد حصّل من العلم الكثير وهو ما يزال يافعا فركبه غرور فدعا عليه شيخه قائلا:" شغله الله"، لكن أحوال الرجل لم تنقلب إلا حين بلغ الخامسة والعشرين، إذ استدعى ابن الخطاب أخاه أبا الخير بن الخطاب يوما وأخبره بأنه رأى ربه في المنام، وأن الله قال له "يا محمد أنا أحبك فقلت يا رب من أحببته ابتليته فقال لي استعد للبلاء وأنت يا أخي فكن على أهبة من أمري"، وخلاصة الابتلاء أن الرجل أصابته لوثة عقلية، جعلته يتقلب بين العقل والجنون، ولم يسترسل الخزرجي كثيرا في وصف أحواله لكنه ربط تبدل الأحوال بتلك الرؤيا التي رآها وهو ما يعنينا هنا لبيان السلطة المُعطاة للأحلام والإذعان لتنفيذ إشاراتها[30].

  1. الأحلام مبشرات بتغير الأحوال:

ومما يدل أيضا على الخضوع للأحلام ما رُوي عن الفقيه الصالح محمد بن معطن، وأنه كان يعاني صعوبة في فهم النحو، فرأى في المنام قائلا يخبره أن اذهب إلى الفقيه إسماعيل الحضرمي واقرأ عليه النحو. فلما أفاق استغرب الأمر لعلمه أن الفقيه الحضرمي لم يشتهر بالدراية الكافية في هذا الفن، لكنه مع ذلك استسلم لزائر الليل وذهب إلى الفقيه الحضرمي ولم يزد الأخير على أن رحب به وقال له: "قد أجزتك في جميع كتب النحو"، ثم عاد إلى بلده، وكان لا يطالع شيئا من كتب النحو إلا عرف مضمونه ببركة الفقيه الحضرمي كما قال.[31]

  1. الأحلام وحسم القضايا الخلافية:

ولا غرابة، والأمر على هذا النحو في العلاقة بالأحلام، أن تعد رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام من الكرامات الخاصة التي تعزز وضع صاحبها اجتماعيا، إذ لا تتهيأ هذه الكرامة إلا لمن يستحقها ولذلك أخبر الفقهاء عن رؤاهم واستحقت التدوين في هوامش كتبهم خاصة وأن منها ما قام بفعل الحسم في الخصومات الفكرية والمذهبية القائمة ومنها الموقف من خلق القرآن، وتارك الصلاة، وطلاق التنافي، وكل هذا يرد في رؤيا وجدها المؤرخ الجندي مدونة في بعض ورقات كتاب البيان، دونها الفقيه الصالح أبو عفان عبد الله بن أحمد الخطابي عن فقيه آخر أخبره بالرؤيا، هو، كما جاء في تعريفه، السيد الأجل الفاضل الكامل يحيى بن أحمد الهمداني وأنه في منتصف جمادي الآخرة، في نصف الليل الآخر سنة ست وستمئة رأى في المنام أنه: " كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القبة التي على قبره وقبر صاحبه رضي الله عنهما منكشفة من غير تخريب وقد بقي منها ما يغطي القاعدة ومن القائم إلى مقعد الإزار فدنا منها فوجد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما قاعدين متوجهين إلى القبلة قال فاستقبلتهم من وراء الجدار الباقي وجعلت القبلة إلى ظهري ثم أعطيت نورا في قلبي وطلاقة في لساني وقلت يا رسول الله القرآن كلام الله غير مخلوق؟ قال نعم قلت بحرف وصوت يسمع ومعنى يفهم؟ قال نعم، فقلت فمن قال إن القرآن مخلوق كافر؟ قال نعم، قلت وإن صلى وصام وآتى الزكاة وحج البيت هل ترجى له الشفاعة؟ قال لا، قلت يا رسول الله طلاق التنافي[32] باطل أو صحيح فقال صلى الله عليه وسلم باطل باطل وأنا أشك في الثالثة. وغالب ظني أنه قالها، ثم قلت يا رسول الله تارك الصلاة كافر، قال نعم، قلت يا رسول الله فهؤلاء يرعون البقر والغنم ويحيعلون وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويؤتون الزكاة متى وجدوا ويحجون البيت إذا استطاعوا ويصومون شهر رمضان ويحبون الصلاة ولكن يقولون هذه الدواب تنجسنا وإذا اجتعلنا أيضا تنجسنا أهم كفار أم مسلمون؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطعت عن الكلام، فقال أبو بكر وعمر نكتب لك بهذا كتابا لا ينسى فسكت ولم أدر ما شغلني عن القول لهما يكتبان لي ذلك"[33].

  1. الأحلام وتعدد المذاهب:

وأكثر هذه الرؤى غرابة مما له صلة بالتعدد المذهبي، ما نسب إلى فقيه حنفي جليل القدر هو أبو بكر بن يوسف المكي، وأنه رأى يوما كأن القيامة قامت فحضر الأئمة الأربعة بين يدي الله، أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، فخاطبهم الله سبحانه وتعالى قائلا: " إني أرسلت إليكم رسولا واحدا بشريعة واحدة فجعلتموها أربعا، رددها عليهم ثلاث مرات فلم يجبه أحد. فقال أحمد بن حنبل يا رب أنت قلت وقولك الحق لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا. فقال له تكلم فقال يا رب من شهودك علينا؟ قال الملائكة، قال يا رب لنا فيهم القدح، وذلك أنك قلت وقولك الحق" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " فشهدوا علينا قبل وجودنا، فقال الباري جلودكم تشهد عليكم، فقال يا رب كانت جلودنا لا تنطق في الدنيا وهي تنطق اليوم مغصوبة، وشهادة المغصوب لا تصح، فقال الباري جل جلاله أنا اشهد عليكم، فقال يا رب حاكم وشاهد، فقال الله تعالى اذهبوا فقد غفرت لكم"[34].

هذه رؤيا عجيبة من حيث طبيعة الحجاج من قبل البشر في حضرة الباري عز وجل، وهي تعكس ما كان يدور في خَلَد الفقهاء من تساؤلات أصلا ولا سبيل إلى الإعلان عنها إلا بعرض رؤيا على هذا النحو، كما أن الغفران الوارد في نهاية الحجاج يمنح الاختلاف شرعية وإن فضل عليه الاتفاق لا الخلاف. ومن العجب أن يكون الإمام أحمد بن حنبل هو المتصدر لهذا الحجاج مع الله سبحانه، بينما كان الإمام أبو حنيفة أليق بهذا الدور، ولعل في هذا غمز بأن الجدل أصل في الفكر كله وأن الادعاء بالنصية ليست سوى استراتيجية لدحض حجج الخصم.

ومن الرؤى المتعلقة بالمذاهب والتي تكشف جدلا حول الموقف منها وتقييمها، ما روي من رؤيا متصلة بالفقيه الصالح عبيد بن أحمد الترخمي (ت:694هـ) وأنه كان ذات ليلة يسير في طريق فورد على مفترق طرق فيه ثلاثة اتجاهات، فتحير أي الطرق يسلك ثم اختار الوسطى فلما صار فيها لقيه رجل فقال: " أتدري ما الطريق قلت لا، قال أما الكبيرة فطريق ابن حنبل والوسطى طريق الشافعي والثالثة طريق مالك"، وقد توقفت الرؤيا هنا دون الإبانة عن سبب إهمال طريق أبي حنيفة، رغم أنه كان حاضرا في اليمن بمدارسه وعلمائه. والأكيد أن الرؤيا دعمت المذهب الشافعي باعتباره وسطا بين الوسع والضيق، وهو المذهب الغالب في اليمن، وهذه الرؤيا تعززه وتدعم رؤاه، وهكذا تم التعامل معها وإلا لما استحقت التواتر والتدوين.

وبعض الرؤى كان حاسما للشك في الأمور المشكلة مثل الصلاة على منتحر، فقد أفقر الجود رجلا وأتلف جميع ماله، ثم أخذ في الاستدانة ليواصل كرمه مع الناس فركبه من ذلك دين كبير، عجز عن سداده، فسمع من بعض الدائنين كلاما فاحشا كان سببا لشنق نفسه، ثم ثار سؤال حول جواز الصلاة عليه بوصفه منتحرا. وقد حُل الإشكال بما نقل عن بعض أخيار مدينة عدن وأنهم رأوا في المنام النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة من أصحابه أقبلوا للصلاة عليه، وقد شك أحدهم في هذه الرؤيا واستبعد أن يأتي النبي للصلاة على مثل هذا المنتحر، لكنه بعد ذلك أغفى قليلا فسمع صوتا يقول له: " لا تَفُتْكَ هذه الجنازة"، فقام وشيع وصلى[35]. ومع ذلك فإن النقاش حول غفران الله سبحانه لهذا المنتحر ظل قائما حتى حسم برؤيا أخرى رأتها أخت للمنتحر، وصفت بالصلاح، فرأت أباها المتوفى قبل أخيها في المنام، فسألته عن سبب زيارته لها فأجاب: " منذ وصلنا أخوك نحن في ملازمة الله تعالى أن يغفر له جنايته على نفسه فلم يفعل ذلك إلا بعد مشقة شديدة وإشراف على اليأس من ذلك"[36]. وبهذه الرؤيا التي أخبرت عن المصير الأُخْرَوي للمنتحر المذكور هدأت النفوس طابت الخواطر.

  1. الأحلام وصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم:

ولا سبيل لنكران وقوع الرؤى على هذا النحو أو ذاك، ومنها رؤية النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المنام، إلا أن رؤيته في حال اليقظة من الغرائب التي وردت في عقود الخزرجي، والرواية متصلة بفقيه مغمور عُرِّفَ فقط بالفقيه صالح، كان يقرأ كتاب "تفسير النقاش" في حلقة علم خاصة بالفقيه أبي عبد الله محمد الجِعْميم المتولي لشرح ما يقرأ الفقيه صالح، ورُوي على لسان صالح هذا أن الفقيه الشارح (الجعميم) كان ينعس في أثناء القراءة، ويغلب الظن أنه لا يسمع، فأراد صالح مرة أن يتوقف عن القراءة ليختبر حضور الفقيه معه في حالة النعاس تلك، وإذا به يرى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع الفقيه الجعميم، ثم التفت إليه النبي يأمره: " اقرأ يا صالح"، ثم أخذ يقرأ ولم يسكت بعد ذلك. وللرواية بقية وهي أن الفقيه الجعميم فتح عينيه إثر ذلك وتبسم له، ولم يفهم معنى تلك البسمة[37]. وبما أن هذه ليست رؤيا في المنام، بل مشاهدة للرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة، فإنها - بغض النظر عن الدخول في مناقشة صدقية المشاهدة للرسول صلى الله عليه وسلم - تفيد أن الفقهاء كانوا ينعسون في أثناء القراءات، وهي أحوال بشرية مفهومة تحدث دائما، لكن كيف يُعْتَذَر للنعاس يحدث وقت الدرس، إلا إذا قيل إنه ليس نعاسا وأنه غيبة قصيرة للاستمتاع بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، عند ذاك لا يكون هناك سبب لا للوم الفقيه على نعاسه ولا لاختبار حضور وعيه مع الدارسين، وهي كما نرى أحوال تكشف عن عقلية مستعدة لشرح كل شيء على نحو خرافي مؤسس باسم الدين.

(الجزء الثالث)


[1] كان للمذهب الحنفي وجود ظاهر في زبيد في هذا القرن وله فقهاؤه وأتباعه، وكان يأتي في المرتبة الثانية بعد المذهب الشافعي. انظر،: ابن المجاور الشيباني الدمشقي: تاريخ المستبصر، ليدن، مطبعة بريل، 1951م. ج1، ص88.

[2] الخزرجي، ج1، ص 141.

[3] واد مشهور في مخلاف صهبان من أعمال إب، كان فيه قرية سير ومصنعة سير وهما اليوم خراب ومكانهما شمال شرق الجند. الأكوع، البلدان اليمانية عند ياقوت الحموي. ص 157.

[4] الخزرجي، ج1، ص 206.

[5] ذكر ابن المجاور وجود اتباع للمذهب الحنبلي في نواحي الجبال، تاريخ المستبصر، ج1، ص88.

[6] الخزرجي، ج1، ص 150- 151.

[7] الخزرجي، ج1، مطبعة الهلال، مصر، 1911م، ص 173

[8] الخزرجي، ج1، ص 156.

[9] الخزرجي، ج1، ص 178.

[10] الخزرجي، ج1، ص 179.

[11] الخزرجي، ج1، ص 224.

[12] الخزرجي، ج1، ص 248.

[13] الخزرجي، ج1، ص 271.

[14] الخزرجي، ج1، ص 81.

[15] الخزرجي، ج1، ص 176.

[16] الخزرجي، ج1، ص 218.

[17] الخزرجي، ج1، ص 191

 [18]الخزرجي، ج1، ص 203.

[19] الخزرجي، ج1، ص 218.

[20] قرية من نواحي جبأ في بلاد المعافر- جنوب تعز.

[21] الخزرجي، ج1، ص 223.

[22] الخزرجي، ج1، ص 52.

[23] الخزرجي، ج1، ص 52-53.

[24] مؤلف مجهول من القرن السابع: تاريخ الدولة الرسولية، تحقيق عبد الله الحبشي، صنعاء، دار الجيل، 1984م. ص18.

[25] الخزرجي، ج1، ص 51.

[26] الخزرجي، ج1، ص 85.

[27] الخزرجي، ج1، ص 136.

[28] الخزرجي، ج1، ص 137.

[29] الخزرجي، ج1، ص 142.

[30] الخزرجي، ج1، ص 148.

[31] الخزرجي، ج1، ص 177.

[32] طلاق التنافي نوع من الطلاق دار حوله جدل بين الفقهاء، وهو ربط الرجل لطلاقه زوجته على طلاق قبله بالثلاث، كأن يقول الرجل لامرأته " متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها أنت طالق"، هذا هو الذي سمي طلاق التنافي وقد اختلف فيه. انظر: العمراني، يحيى بن أبي الخير: البيان في المذهب الشافعي، ج10، جدة، دار المنهاج للطباعة والنشر، 2000م، ص2019. ويمتلئ الجزء العاشر من كتاب البيان بمناقشة أنواع من الطلاق، وكلها تعكس الأحوال الاجتماعية وعلاقة الرجل والمرأة، وتوقف الفقهاء عند أنواع من الطلاق المشروط، أو أقوال تعسفيه يتفوه بها الرجال أمام زوجاتهم ثم يطلبون رأيا فقهيا حول ما قالوه، وهو ما يعني شغل الفقهاء لإيجاد رأي شرعي إزاء هذه الحالات الاجتماعية التي تطرأ.

[33] الخزرجي، ج1، ص 204.

[34] الخزرجي، ج1، ص 180.

[35] الخزرجي، ج1، ص 209.

[36] الخزرجي، ج1، ص 209.

[37] الخزرجي، ج1، مطبعة الهلال، مصر، 1911. ص 288.

التعليقات (0)