تأملات منتصف الطريق - النهقة

تأملات منتصف الطريق

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(1)

مسارات إلى الذات

النهقة

 تسارعت بهم الخطى، إلى نقطة التقى. لا أدري كم عددهم؛ فهناك احتمال أنهم سبعة ثامنهم حمارهم أو تسعة عاشرهم حمارهم، فغرابة الحكاية جعلتني أغفل عن تحديد عددهم، ومعرفة أصنافهم، ولكن من خلال حكاية (أحدهم) عرفت أنهم متقاربون في الفصيلة والقامة.

ومضى يحكي....... لم يكترث بما ينتابني -أحيانا - من غفلة وشرود:

في ساحة كبيرة من المخاطر والغموض، ولدت حاجتنا ومصلحتنا في النهوض. وبعد شدة وصبر ضحك لنا القدر. ووجدنا أنفسنا في مكان أمين بعيد عن الأنظار. كانت المراعي وفيرة، وآبار الماء متدفقة غزيرة. عززت سنين الشدة والفرج صداقتنا وتطورت هذه الصداقة إلى قريب من مرحلة الأخوة بمعانيها الأصيلة الصادقة، وانطلقنا نحو المراعي المفتوحة والجبال المنصوبة. لم يكن هناك ما يدعو للخوف. كان تماسكنا يغمر قلوبنا بالطمأنينة، وشبابنا يملأ عالمنا، وحتى حمارنا لم يستطع تعكير صفاء مخدعنا.

لكن دوام الحال من المحال ..... فقد تمايلت أبصار البعض منا، حتى ظهر منا من أراد وحده أن يرسم خطواتنا، ثم بدأنا نشعر باحتكاك أجسامنا، وفي الظلام تفرغ بعضنا لعض بعضنا، وبهذا اضطرب أمننا.

وهكذا شاخت قلوبنا وكانت شباباً، وصار ما نبنيه بأيدينا تهدمه أرجلنا. وفرح الحمار، وظن الوقت حان لينهق نهقته، ولكن ما تبقى من صوت العقل ألجمه.

ومضت السنون، فقدنا بعض هيبتنا ولكن لم يجرؤ أحد من خارج مجموعتنا على نهش لحمنا. وقبل نهقة الحمار الكبرى كان زميلنا مصدر تماسكنا، وعنوان حكمتنا يتقدمنا باحترام، وقبول، وبدأت بوادر جديدة تنعش الآمال وتجدد الأحلام، وهكذا لاحت أيام الصفاء القديمة، وكادت أن تلتئم جميع الجراح ولكن الحمار اللعين عاد إلى أصله وكاد أن يخل باتفاق خطير كنا قد عقدناه، وهو أن نلتزم جميعا بالهدوء لكي لا نلفت إلى أنفسنا الأنظار، كانت ضغوطاتنا بعد التكرار، تنفع مع الحمار. ولكن شوق الحمار للنهيق تجاوز قدراته على الصبر، وسماع صوت العقل.. وأخذ يطالب بالعودة إلى أصله وطبيعته مهما كان الثمن.

تراوحت شكوك البعض منا تجاه الحمار، لكنها لم ترتق إلى مرحلة الاتهام بالخيانة والغدر. إنها سلوكيات خبيثة ماكرة فوق قدراته، ولكن جنوحه الغريب المخل بالاتفاق العظيم أدهشنا وأثار تساؤلاتنا! كيف يقذف بنفسه ومن معه إلى مزالق مجهولة خطرة! إن الأعداء والمتربصين كثيرون، وكان صمتنا يذعرهم، وغموضنا يبعدهم. أكثرنا تفاؤلاً قال: إن الخيرات التي نطقت بها الأرض بعد الأمطار الغزيرة جعلت الحمار يشعر بالطمأنينة والسعادة ولا وسيلة أمامه في التعبير عن ذلك إلا النهيق، وهناك من شطح به التحليل إلى بعيد، وقال: إن اضطراب حركة السحاب في السماء أصاب الحمار بالذعر، فهي نهقة خوف وليست نهقة سعادة.

ولهنيئة سكت الراوي حتى يشدني إلى المشهد الحزين، أو لعله شعر ببعض الاضطراب في روايته! ..........وقال:

اعتلى الحمار ربوة قصية، كان قد حسم أمره، توسلنا تحت الحمار ألا يفعلها... قيل له: إن تصرفك سيهدد حياتنا ومستقبلنا فلا تجعل شهوة لحظات تهوي بنا إلى الظلمات، ثم قيل له بنهره: إن النهقة تعني الموت ... ولكنه قرر ألا يسمع هذه المرة، إلا صوته النكرة ...... وبتصميم (بليد) تراجع الحمار خطوتين إلى الوراء ثم رفع يديه استعداداً لإطلاق قذائفه المكبوتة......

ملحوظة: هذه حكاية خيالية مستمدة (بتصرف) من الثقافة الشفاهية الشعبية الحضرمية، فمن وجد في شخصه تشابه مع بعض شخوصها فهذا شأن يخص شخصه الكريم، ولا يخص الحكاية الخيالية وشخوصها.

التعليقات (0)