تأملات منتصف الطريق .. كُل قرصك وادخل خُلْصك

تأملات منتصف الطريق

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(7)

مسارات إلى الذات

(كُل قرصك وادخل خُلْصك)

عزيزي القارئ.. العنوان لا يدخل في باب فعل الأمر عليك إنما هو من الأمثلة الحضرمية (النصائحية) ربما كان المعادل الموضوعي أو المقارب له ما يتردد عند الكثير من الشعوب العربية في قولهم: (كُن نملة  تأكل سكر) وبلهجة الحضارمة: (قع ذرة تأكل سكر) ، ورغم أن هذه المقاربة قد تؤدي الغرض منها لكن لا بأس من فك شفرات لفظتي (قرصك- خلصك) أما قرصك فهو رغيف الخبز المعروف ، ويقصد بـ (خلْصك) ؛جحرك أي مكان سكنك ، ولأن لفظة (خلصك) تحيل عادة في الثقافة الشعبية إلى الفتحات الصغيرة ، والتشققات في الجدران والسطوح حيث مأوى الحشرات ، فإن العنوان (النصيحة) أقرب إلى الشتيمة منه إلى النصيحة لقوم يتفكرون.

سيقول البلغاء من أصحاب هذه النصيحة (قرصك - خلْصك) إن الحكمة تقتضي في أوقات معينة أن يضرب الإنسان على نفسه الذلة والمسكنة حتى يسلم من الشر والأشرار وأن النجاة والخلاص في (الخلوص) وبمنطق هؤلاء البلغاء غير المعلن وامتداداً للنصيحة فإنه يجب على المنصوح التعامل مع ما يجري خارج (خلْصه) وكأنها أحداث في مجرة فضائية بعيدة أو في دولة شقيقة في أحسن الأحوال.

وتسود هذه الثقافة التي تدعو للخنوع غالبًا في المجتمعات المستبدة والمتخلفة حيث تلقي الفوضى فيها بأطنابها، ويضعف الأمن العام، ويختل  ميزان العدالة أو يغيب ، وفي حضرموت كبقية البلدان التي مرت بمراحل التخلف والاستبداد ظهرت ثقافة (الخلوص) وبخاصة عند صنف منهم لا يستطيعون ضربًا في الحياة، ولا يذودون عن أنفسهم اعتداءات المعتدين ومع هذا نجد أن ثقافة الخلاص الفردي حاضرة في العقلية الجمعية لهذا  يُسمع على سبيل الحكمة وفي مناسبات معينة القول : (من خاف سلِم) بيد أن لفظة الخوف هنا أقرب من حيث الدلالة إلى  لفظة الحذر الإيجابية، وقد تتداخل اللفظتان (الخوف - الحذر) من حيث الفهم والفعل لكن الإفراط في الخوف يسحب صاحبه إلى (الخلوص) بينما الحذر يدفع إلى الأخذ بالأسباب وعناصر الحيطة التي تؤدي إلى السلامة أو تقليل نسبة المخاطر، وعلى العموم فإن الاستجابة للمواقف ترتبط بتركيبة الشخص نفسه وبالثقافة الخاصة بالتراتب الاجتماعي ففي داخل هذه التراتب توجد ثقافة تدعو إلى الدفاع عن النفس والأهل والمال بل أحيانًا تشجع على الاعتداء والعدوان.

(والخلوص) أو الجحور ليست بالضرورة مساحتها ضيقة بل قد تصل مسافاتها إلى آلاف الكيلومترات وقد تضم دولًا وشعوبًا، وبإطلالة سريعة على وطننا العربي وأمتنا الإسلامية سنجد أن منهم من مكثوا في (خلوصهم) أو كهوفهم قرونًا عديدة من السنين من غير أن يتقلبوا ذات اليمين أو ذات الشمال إلا قليلًا، حتى جاءتهم جحافل المستعمرين الأوروبيين، وسيطروا على الوصيد ثم قاموا لهم ناصحين أن أبقوا على (خلوصكم) ففيها خلاصكم لو كنتم تعلمون، وحقيقة الأمر فإن المستعمرين لم يخدعوهم بل كانوا أنفسهم يخدعون.

يا قوم: إن العدالة هي الحرية والكرامة والأمان، وإن التخلف يدمر المستقبل ولا يصنع الحاضر ولا يبني الإنسان. يا قوم: غيروا ما بأنفسكم حتى يغير الله ما بكم، يا قوم: متى سنكون ضمن الفعل الحضاري الإنساني؟ ومتى سنفرح في أوطاننا ولا نخاف؟ يا ناس: خلاصكم ليس في (خلوصكم) يا ناس: (خلوصكم) هي قبوركم.

التعليقات (0)