تأملات منتصف الطريق .. السناوة ولا جاوة

تأملات منتصف الطريق

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(8)

مسارات إلى الذات

(السناوة ولا جاوة )

يغادرون الوطن مكرهين، يحملون معهم وطنًا يسكن في دواخلهم، يبدو لهم أنه في صدورهم أكبر ممن في الوطن يسكنون، لا يخامرهم الشك في أنهم سيعودون عندما يتغير الحال غير الحال أو هكذا هم يحلمون. ويتطلع الذين في الوطن إلى الاستقرار والأمان والازدهار أو هكذا يتمنون. لقرون عديدة كان هذا حال حضرموت والحضارمة فهم بين مهاجرين يسيحون في أرض الله، وبين مشاريع مهاجرين، المشروع الشخصي هو الطاغي، وسط تلك الحالة الغير مستقرة توجد مساحة سحيقة تحكي قصة درامية طويلة معجونة بالدموع وبالآهات والألم والمسكنة والفشل والنجاح. فهل عجزت بلاد الحضارمة أن تكون ملاذًا آمنًا لأهلها؟ وهل قدر لحضرموت أن تكون أقرب إلى الأمنية والحلم، ومحطة للرحيل؟

وعوضًا عن البحث عن إجابات للتساؤلات الملحة زخرت ثقافة الهجرة الحضرمية بالأمثلة والأشعار والمقولات التي تدافع عن الهجرة أو تلك التي ترفضها وعلى سبيل المثال يقول الرافضون للهجرة: (السناوة ولا جاوة) والسناوة: هي طريقة رفع الماء من الآبار بوساطة الحيوان وأحيانًا الإنسان وذلك لري الأرض. ويقصد أصحاب هذا المثل أن البقاء في الوطن تحت الظروف الصعبة أفضل من الهجرة إلى جاوة حيث الخضرة، والمطر. وهناك من يعطي للمثل بعدًا آخر بإضافة كلمة البحر: (السناوة ولا بحر جاوة) فتغيرت الدلالة وصار وكأنه خطاب من الآخر بالتشجيع بالبقاء في الوطن بفوبيا مخاطر البحار حتى لا يغادر الفلاحون مزارعهم.

وفي المقابل يرفع المهاجرون من روحهم المعنوية ويرددون من الأشعار والأمثلة ما يشجع على الهجرة وما يؤكد صحة قرار مغادرتهم الوطن من ذلك المثل الرمزي (ما يبقى في السوق إلا خس [الرديء] الجلب [الغنم])، فيرون أنفسهم أصحاب الروح الكبيرة والهمة العالية وغيرهم: خاملون، قليلو الحيلة، وبلا طموح، وفي النصين (السناوة - الجلب) إشارات تعّبر عن وجهتي نظر متضادتين وعلى ما يبدو من القسوة في طرح أصحاب (الجلب) اتجاه أصحاب (السناوة) فإن في باطن هذا المثل خطابًا داخليًا أكثر منه خارجيًا يعوض به المهاجر حالة الخنوع في بلاد الناس التي يواجهها (فالجلب) تدرك قبل المغادرة، وبعدها إنها لن تجد في بلاد الناس السهول المفتوحة ولن تكون الطريق مفروشة بالورود، وهنا يتفق الطرفان على أن: (من خرج من داره قل مقداره).

ويبدو لنا أن ثقافة الهجرة تقوم على ثلاثة مفاهيم أساسية هي: الرزق، والأمان، والكرامة. والترتيب هنا متعمد من حيث الأولويات ولهذا تجد الأغلبية منهم تقول (بلادك حيث ترزق فيها وليس حيث تولد)، والمقابل لذلك وليس في الضد منه تلك النصيحة الشهيرة: (مال ما هو في بلادك لا لك ولا لعيالك). وهناك من يكون عامل الأمان الذي فقده في بلاده مقدمًا على عامل الرزق، وقد تجتمع أو تتداخل هذا العناصر بوصفها عوامل دافعة للهجرة لكن بنسب متفاوتة من حيث الأولويات ربما مفهوم الكرامة بمعنى البحث عن وطن تسود فيه الحرية وسيادة القانون تمثل حالات نادرة لا تتسق مع عوامل الهجرة التقليدية الطاغية (الرزق - الأمان). ومعروف أن مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان تعد في بلدان العالم الثالث من الترف غير المباح إلا ما رحم ربي، وحتى الأمان الذي قد ينشده المهاجرون بعيدًا عن أراضيهم فهو يغيب بالهواجس والتوجسات الدائمة من توقع تغير قوانين الهجرة والإقامة فهم طال الزمن أو قصر مصنفون أجانب مع الشعور المباشر وغير المباشر بالنظرة المتأرجحة تجاههم بوصفهم مزاحمين لأهل البلاد الأصليين في الرزق والوظيفة والمدرسة والطريق، لهذا هم يتحركون باستراتيجية المسكنة (يا غريب قع [كن] أديب).

لقد كانت أرض الله واسعة ومفتوحة أمام الحضارمة فهاجروا إليها بحثًا عن الرزق والأمان والكرامة وغيرها. كان موسم الهجرة القديم يتجه جنوبًا في بلدان حوض المحيط الهندي، ثم تتفرع مسارات تحركاتهم شرقًا وغربًا وشمالًا عبر البحر الأحمر إلى الحجاز وما بعدها، وإلى منتصف القرن العشرين كانوا يجدون في تلك المساحة الكبيرة مجالًا خصبًا للحركة والاستقرار، وبعد الحرب العالمية الثانية ومع ظهور الدول القومية انتهى عصر البحار والمحيطات المفتوحة وتقلصت خيارات الهجرة باستثناء بلدان الجزيرة العربية الفتية فاطمأنوا بها وصارت وجهتهم والأقرب لهم من حيث وحدة الدين واللغة والتداخل القبلي والجغرافي والتاريخي بل المصير المشترك، وهنا حطوا عصا الترحال حيث الخيار الوحيد أو المحطة الأخيرة.

قد يعتب البعض على إخواننا العرب وقد يلومونهم على إجراءاتهم التي تتعلق بقوانين الهجرة الأخيرة التي أزاحت غير المواطنين من مهن معينة وتطالب برسوم إقامة تصاعدية لكن هذا ليس الغرض من موضوعنا ثم هي بلدانهم وهم أحرار فيها كما قد يقول البعض الآخر، وعلى أية حال فإن آخر معاقل الهجرة وخياراتها صارت محدودة جدًا، والأهم من ذلك لا بدَّ من مغادرة دهاليز الجدل العقيم الذي استنزفته قرون التاريخ السحيقة فالأمر صار اليوم أكبر وأعمق من مجرد وجهات نظر لهذا علينا مواجهة استحقاقات الحاضر الملحة، ورسم تطلعات المستقبل المنشود، بالأعمال الصادقة المخلصة، والتخطيط العلمي السليم، لا مجال لثقافة اللوم، ولطم الخدود (ولعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها....).

التعليقات (0)