تأملات منتصف الطريق .. دخل عيف وخرج زين

تأملات منتصف الطريق

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(9)

مسارات إلى الذات

(دخل عيف وخرج زين)

يقول العرب: (الذي أوله شرط آخره نور)، ويردد الحضارمة ما يقوله العرب، لكنهم في ثقافتهم الشفاهية الشعبية لهم تخريجاتهم الخاصة لهذا المثل كما ورد في العنوان المتسنم هذا المقال، وبمقارنة يسيرة بين النصين يلاحظ استبدالهم لفظتي (شرط - نور) بــ(عيف - زين)، صحيح اختلفت الكلمات لكن المعنى واحد.

ربما يبرز تساؤل: لماذا آثر الحضارمة في النسخة الحضرمية من هذا المثل الصيغة الحادة (دخل عيف) عوضًا عن الصيغة الملطّفة (شرط - نور)؟ من الصعوبة بمكان إيجاد حلول جاهزة لمثل هذه التساؤلات، ولكن لفهم شخصية شعب من الشعوب، أو جماعة من الجماعات البشرية لا بد من دراسة الكثير من التفاصيل، من أهمها الجغرافيا، والتاريخ، والثقافة الشعبية الشفاهية، والمكتوبة والمعتقدات.. إلخ، وقد تتشابه الشعوب في توصيل فكرة ما، أو توضيح مغزى معين من مثل، أو قول مأثور، أو حكمة بالغة، ولكن في ثنايا ذلك توجد مساحة عند الجميع، تترك فيها البصمات المعجونة بالخصوصية أو المحلية. كما أنه ومن الأهمية بمكان معرفة دلالة لفظة (عيف) كما يقصدها الحضارمة، وليس من حيث الاشتقاق اللغوي، الذي يعني كما في بعض المعاجم: (عافَ الرجل الطعام والشراب يعَافُه عِيَافَةً إذا كرهه فلم يشربه، فهو عَائِفٌ)، والشخص العيف في اللهجة العامية الحضرمية هو: سيء الخلق، والمكروه اجتماعيًا، وما شابه ذلك، والعيف في الجماد: الرديء البالي، وما شابه ذلك، ولهذا فإن إسقاطهم أو اشتقاقهم للفظة (العيف) قريبة من قريب.

وعودة إلى التساؤل الذي ما يزال محلقًا، ويبحث عن مستقر، فإن تأكيد الحضارمة على أن تكون البداية سليمة مهما كانت تفسيرات الطرف المقابل ينبع من حرصهم القوي على أن لا تحدث مشاكل، أو منازعات؛ لتنتهي الأمور والقلوب معمورة بالحب والتفاهم والجمال، وهي نهاية تؤكدها الكلمتان الأخيرتان في النصين (نور - زين)، وربما هذا مما يقربنا لفهم محدودية حالات التنازع والمشاجرات المسجلة رسميًا في بلادهم، وحيث ما حلوا وارتحلوا، ونستنتج من ذلك أن الشخصية الحضرمية تميل إلى المهادنة إلى الحد الذي قد يفهمها الآخر بأنساق متنوعة، ومما يؤكد ذلك قولهم: (إذا جاء إلى تحت الدار ما شي منه تعذّار)، أي أنه من أراد الاعتداء عليك، ووصل إلى عتبات منزلك، فلا مناص من المواجهة، وهي إشارة تدل على تحليهم بالنَّفَسِ الطويل، وتوضح أن قواعد الاشتباك عندهم اضطرارية ليست مزمنة. لهذا حدد المثل خط الدفاع الاستراتيجي تحت باب الدار، وهو خط -من الناحية العسكرية- محفوف بالمهالك.

ولا تخلو المجتمعات البشرية من النزاعات البينية مهما وثّقت العهود، وسجلت الشروط، فهناك تفاصيل يدخل منها الشيطان كما يقولون، وإذا دخل الشيطان، وتمكّنت قواعده اشتعلت الأطماع، وتزيَّن الباطل، وغابت فضيلة التسامح، وتقدمت الأنانية بكل أشكالها القبيحة، والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن غالبًا ما تكون آثارها محدودة؛ إذ لا تتعدى محيط الأفراد المتنازعين. لكن المصيبة، أو قل: الطامة الكبرى عندما تُؤسَّس العلاقات بين الدول على أرضية غير سليمة تغلب عليها العاطفة وتغيب الخبرة السياسية، ويحضرني عادة المثل (دخل عيف..) عندما تأتي مناسبة ذكر الترتيبات الأولية لنموذجين سياسيين للوحدة والاتحاد لدولتين معاصرتين، ونقصد الوحدة اليمنية والاتحاد الألماني. ربما كانت المقارنة ليست في محلها، ولكن لا بأس من الإدلاء بدلونا من وجهة نظر متابع، وليس بمنظور المؤرخ، الذي لا ريب سيلهث وراء الأبعاد والحيثيات؛ ففي اليمن تم الدخول إلى الوحدة بناءً على اتفاقٍ، كُتب على صفحتين، دبّج في ظاهره بأفكار عامة ممتازة، وفي باطنه فخخ بعوامل دفع سريعة، وليس بعوامل تمكين آمنة، ولهذا وفي وسط صخب مهرجان الفرح الآني غابت الحكمة اليمانية وغير اليمانية. أما الألمان فقد دخلوا إلى مشروع دولتهم الاتحادية بثقافة (العيافة) حسب الصيغة في نسخة المثل الحضرمية، ولهذا وثيقة الاتحاد الألماني وصلت إلى بضع آلاف من الأوراق، دوّنت بهدوء تفاصيل التفاصيل، بما يمكّن من الدخول المستنير والآمن، ويحفظ مصالح الجميع، وبهذا يمكن القول: (إن الحكمة هنا ألمانية). والحديث ذو شجون، وحيز المقال لا يتسع للمزيد.

بقي القول إن الألمان (الكفار) دخلوا إلى اتحادهم الوطني بخطوات واقعية، وبنوايا وطنية صادقة، ومخلصة، بينما هرول الحكام (المسلمون) إلى الوحدة اليمنية في غفلة من التاريخ، وبمخزون من العداء، والشك، والأطماع، والنوايا السيئة، والنتيجة كما يقول الحضارمة بلهجتهم العامية: (دخلوا عياف وخرجوا عياف).

التعليقات (0)