تأملات منتصف الطريق .. فتبينوا

تأملات منتصف الطريق

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(10)

مسارات إلى الذات

(فتبينوا)

في الثقافة الشعبية الحضرمية ومما يدخل في باب التأكيد على تمحيص الأمور تستحضر عادة النصيحة الفورية (مصمص العجم) وذلك لمن أراد أن يتخذ قرارا مهما في حياته مثل مصاهرة عائلة أو كسب شريك في العمل أو اختيار صديق أو التحقق من نبأ ..إلخ ، والمعنى الحرفي لتلك المقولة (مصمص العجم) هو : التوجيه بتخليص نواة البلح من بقايا مذاقها الحلو أي التنظيف بالمص تنظيفا تاما. أما المعنى الاصطلاحي المشحون بالنصيحة فيقوم على الدعوة بأخذ الحيطة والحذر واستيعاب المسألة من كل جوانبها ولهذا هم يقولون في معنى مقارب (قايس عشر وأقطع مرة) فلا ضير مادام هناك متسع من الوقت في تقليب الأمور قبل عملية القطع والفصل وهو قرار تنفيذ وليس قرار تدبير .

وتحيلنا لفظة (فتبينوا) عند سماعها في سياق مقارب إلى الآية الكريمة [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] والتبيّن هنا بمعنى التحقق والتأكد من صحة الأخبار، والإشارات الربانية العظيمة في هذه الآية تعطينا دروسا عميقة تتعلق بأهمية التروي قبل الحكم على الأمور أو تنميطها بكيفيات لا تساعد على اتخاذ القرار المناسب.

في العلاقات البينية تجد معظم الخلافات والخصومات تقوم على أساس الظن والوهم من زاوية نظر خاصة بأصحابها وليس على أساس الفهم والمصارحة الهادئة وأحياناً تبلغ بالبعض الأوهام والظنون مبلغ التصديق بها وجعلها مسلمات تبنى عليها مواقف مغلفة بالظلام وبثقافة لا تعترف بفضيلة التبيّن وغالبا تعشش هذه السلوكيات عند الشعوب الفارغة حيث يدمن أفرادها التفاصيل التافهة ويتركون ما ينفعهم في دنياهم ، وهكذا وفي غياب ثقافة الحوار، وسطحية نظرة الناس إلى خُلق التسامح والمسامحة - رغم ما يرددون من أن المسامح كريم - تتلبد الغيوم بالمشاعر السلبية البعيدة عن روح الإسلام السامية وقد تتهيأ فرص عند المتخاصمين المحظوظين وهم على قيد الحياة في تبيان الحقيقة التي تتفكك بمعرفتها الأزمات وتتغير الأحوال إلى المحبة التي تأتي بعد العداوة ، وهناك من يغيب في اللحود وفد حملوا مع ما حملوا أوزار الظنون الآثمة وتداعياتها.

وبين مفردتي (فتبينوا) القرآنية و(مصمص العجم) الشعبية تقفز من العقل الباطني بين فينة وأخرى طرفه سمعتها في طفولتي من رجل مسن لا يبدو عند عرضها رغبته في الفكاهة رغم ذلك كما كان ظاهر الأمر، المهم تدرج فهمي لها بتقادم السنين، كما سنوضحه، وجاء في الطرفة:

"وقف أحدهم وسط حلقة من الرجال المكفوفين وهز بكيس به نقود معدنية ويردد وهو يلوح بالكيس في أكثر من اتجاه أمسك هذا الكيس ووزعه على زملائك دون أن يسلّم النقود لأي أحد من الجالسين وغادر الحلقة والنتيجة عراك وخصومة بين (المبصرين) كل يتهم زميله بالاستحواذ على الأموال" وقد مررت مع هذه الطرفة أو لعلها الحكمة من حيث الفهم والاستيعاب بثلاث مراحل الأولى يمكن وصفها بمرحلة (النكتة) التي تستدعى في أجواء السمر والفرح دون الإدراك لمعانيها البعيدة. أما المرحلة الثانية فقد عددتها في باب الحكايات التي تهدف إلى (الموعظة) التي ترمي إلى نبذ السخرية والاستهزاء بمصائب الناس، وتحث على الإحساس بنعمة البصر، والدعاء للعميان بالشفاء والعافية وعظيم الأجر عند الله، والمرحلة الثالثة هي مرحلة (الحكمة) التي تدعو إلى عدم الانخداع بظواهر الأمور وتنبّه إلى أن ليس كل ما يلمع ذهبًا، وأن الراضة من الرحمن والعجلة من الشيطان، وأن الحقيقة بنت البحث والتقصي والتأني.

التعليقات (0)