تأملات منتصف الطريق .. رزق جالس

تأملات منتصف الطريق

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(12)

مسارات إلى الذات

(رزق جالس)

يحلم الناس في كل المجتمعات البشرية بالجاه، والمناصب، والمال والمكانة الاجتماعية العليا، ويسعون إلى الوصول إليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولكن هذا الحلم الجمعي يمضي بالسنن الكونية التي تتوزع بموجبها الأرزاق المكتوبة عند الرزاق ولايخلو مجتمع إنساني من تمايز ودرجات اجتماعية ترتفع أو تهبط في السلم الاجتماعي لاعتبارات غالبا خارجة عن إرادتهم لكنها محكومة بعناصر كثيرة متحركة بتحرك حركة التاريخ وتنوع المجتمعات واقتصادياتها واختلاف قيم المجتمع وأعرافه وعاداته، وثقافته.

وفي حضرموت عزز من النظام التراتبي عاملان هما النسب والوظيفة الاجتماعية ولهذا انقسم المجتمع إلى ثلاث مجموعات رئيسة لها تفرعاتها وتراتبها الداخلي. المرتبة الأولى العليا وهم فئة السادة والمشايخ واحتل رجال القبائل المرتبة الثانية أما المرتبة الثالثة فهم الحضر (المساكين والضعفاء) بحسب الوصف المحلي.

وبين حاجة المجتمع لتنوع الوظيفة الاجتماعية وتبادل الأدوار لتحقيق المنفعة العامة، وتبادل المصالح والأرزاق (كرها أو طوعا ) وبين ثبات  التراتب الاجتماعي عبر مسافات التاريخ  كان للميثولوجيا كلمتها في المتخيل الشعبي الذي أرجع أسباب الانقسام الاجتماعي وحظوظ الناس في الرزق  إلى حكاية موغلة في القدم  عندما تسابق ثلاثة من  أجداد الحضارمة  للوصول إلى نهاية متفق عليها تحدد بموجبها مصير كل منهم ، و مصير أحفاده وبحسب السباق والتنافس يكون نصيب الواصل الأول ( كتاباً)  ونصيب الثاني (سيفاً ) والثالث (مسحاة)  وهذه ترمز إلى العلم والقوة والعمل فالذي وصل الأول هو جد المجموعة الأولى الذي يمثلها السادة والمشايخ والثاني  صاحب السيف صار جد القبائل .أما نصيب الثالث فهو المسحاة (من أدوات الفلاحة) وهي علامة على فئة العمال (الضعفاء و المساكين) وكما حدد هذا التسابق الأسطوري المكانة الاجتماعية فإنه حدد طريقة الحصول على الحاجات الضرورية للإنسان (الرزق)

وجعلت هذه الأسطورة الساخرة من هذا التمايز كأنه قدر غير قابل للتحريك، وعزز من ذلك صرامة الزواج الأفقي فتعالى الناس بعضهم على بعض وكل يرى فئته من زاويته الأفضل، والأعز، ولله في خلقه شؤون. وإذا أسهم أصحاب (الكتاب) في خلق نوع من التوازن المجتمعي بضبط حركة السيوف (عمل القوة) وتخفيف معاناة المساحي (قوة العمل) فإن (الكتب) ينالها أحيانا نصيبها من أذى السيوف عندما تنفلت من أغمادها لأسباب معظمها اقتصادية.

وخارج لعبة الاحتكاك فإن الغالب على المجتمعات تكاملية المصالح بين الحواضر والأرياف من خلال تعدد الوظائف الاجتماعية وتقسيم العمل والنظام التراتبي الذي حافظ على ديمومة بنية المجتمع التقليدية، وساعدت حرية تحرك (الكتب) على ترسيخ قيم ثقافية مشتركة، قبلها الناس وصارت عنوانا لهم، وعلامة دالة على كتلة مجتمعية بحدود جغرافية محددة. أما عن الكيفية العامة في الحصول على الرزق فكان الجميع - بنسب متفاوتة - يسعى ويشقى.

وفي مرحلة  حضرموت الحديثة ظهرت  فئة  الموظفين المدنيين من كتبة ومدرسين وإداريين هؤلاء صار (رزقهم) يصلهم نهاية كل شهر بمبلغ معلوم ومن هنا جاءت المقولة المشهورة :  ( ما تسهل رزق جالس إلا لأهل الكتب والمدارس)ولاشك أنها  ليست موغلة في القدم فهي مرتبطة بالمدارس ومخرجاتها وهو أمر شهدته حضرموت بصورة لافتة منذ بدايات  النصف الأخير من القرن العشرين ولمعاناة العمل المهني والحرفي  الذي يعتمد الجهد العضلي  نُظر للموظف الجالس على كرسي في مكتبه في الظل أو تحت  المروحة الكهربائية  بعين الاندهاش، والغبطة ،وربما الحسد

وفي مراحل لاحقة أصبحت الوظيفة المكتبية (رزق جالس) الهدف الأسمى الذي جعل القلوب تهفو إليها (وخليك مع المضمون) وعزز من ذلك قول إخواننا المصريين: "إن فاتك الميري تمرغ بترابه"  .وهكذا تغيرت لعبة التسابق  من حيث الشروط  والآليات والغايات وصار التنافس على كرسي الوظيفة الحكومية هو السائد ، و من جلس عليه  يناله نوع من الوقار ، ويصير رزقه مضمونا، وبهذا اهتزت بعض دلالات الميثولوجيا القديمة في الوجدان الجمعي، وبرزت  أساطير جديدة عند حفدة أجداد الحضارمة  تطلعوا بموجبها إلى حياة الخمول، وتنكروا لخيرات بلادهم وبحثوا عن أرزاقهم في بلاد الناس ، وهذه التحولات ظهرت في وقت كانت فيه  الدول المتطورة والشعوب الحية تعلي من قيمة التفكير المبدع والعمل المنتج  سواء كان فيه  الإنسان  جالسا أو قائما وعلى نقيض من ذلك  أدمن العرب على  ثقافة الجلوس في الكراسي لغرض النميمة على بعضهم البعض  وتمترسوا وراء أساطير التاريخ ، وغابت النوايا الصادقة ، وتعالى بعضهم  البعض حد التكبر، ولهذا توارثوا  كراسي لا بركة فيها ولا رزق .

التعليقات (0)