التاريخ .. "ذات الرجع"

التاريخ .. "ذات الرجع"

د. عبد الله سعيد الجعيدي

التاريخ فكرة تفاعلية، تتشكل في أحشائه الهويات المجتمعية أو الوطنية بما لها وما عليها، وفي حركة البشر مع الزمان تختفي مراحل وتمتد أخرى بتراجعات معينة، بعضها تلقي بأثقالها في غير سياقها الزمني، في حين أن هناك امتدادات ثقافية عابرة للعصور تحتل مكانها بالقبول الجمعي بمفهوم (التاريخ الصديق)، وبين ثنائية الثابت، والمتحول، وفي خضم تزاحم الهويات، وصراع البقاء، تستمر ملحمة التاريخ.

وتداخل مراحل التاريخ وتدافعها حقيقة، تؤكدها واحدية الزمان، وتشابك حلقاته. وعادةً تبرز الأزمات، والمعضلات عندما يفشل الناس في إدارة ارتجاعات التاريخ، وأصدائه، فيتحول إلى عبء يعوق حركة التطور، وفي أحسن الأحوال تتأرجح الشعوب في وضع (محلك سر) فلا الماضي يتراجع، ولا الحاضر يتقدم، ولهذا عندما تبرز الحاجة لدراسة أبعاد الصراعات المجتمعية المعقدة - ولاسيما عند الشعوب المتأخرة أو التي تصنف في خانة الدول الفاشلة - يكون التاريخ من المداخل الأساسية لفهم جوهر المشكلات، وداعمًا لتفكيك أسرارها.

في هذا المقال سنعمل مقاربة بانورامية من المنظور التاريخي الثقافي لثنائية الدور (السياسي- الثقافي) لتراتبية السادة أو الأشراف في (اليمن الزيدية) والسادة في (حضرموت الشافعية)؛ بهدف معرفة تأثير ارتجاعات التاريخ، ومآلتاها في عصرنا الراهن. ومشهور أن شريحة السادة (الأشراف) في الأدبيات العربية الإسلامية هم الذين يرفعون أنسابهم إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من ابنته فاطمة الزهراء ، وزوجها علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، وبظهور الإسلام في جزيرة العرب، وحيثما انتشر في بقاع الأرض، تشكل مفهوم (ديار الإسلام) بمعنى واحدية بلاد المسلمين، وهذا أتاح فرصًا لتحرُّك الأفراد من مجاهدين، ودعاة، وتجار، وطامحين، وطامعين، وهاربين، ومصلحين، وطلاب علم ... إلخ، من بين هؤلاء وفي زمن غير متباعد دخل اليمن  الجد الجامع للأسر الهاشمية  وهو الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي 282هـ/895م، ودخل حضرموت عام 318هـ/ 930م، الإمام أحمد بن عيسى الملقب بالمهاجر وهو الجد الجامع لهم،، الأول جاء من مقرِّه في جبل الرس بالحجاز  بدعوة من قبيلة (فطيمة) في سحار صعدة، والثاني قدم هاربًا من الفتن في البصرة والحجاز.

وكان لهذه الأسر الهاشمية - بحسب الاعتراف الاجتماعي لها - أدوار مجتمعية، وسياسية عظيمة الأثر في تاريخ اليمن الوسيط، والحديث والمعاصر، يمتد لما ينيف عن ألف عام، وهناك أوجه شبه واختلاف في دور كل منهما السياسي والثقافي في مناطق استقرارهم، ولو حاولنا التقريب والتركيز - وبتحييد الجغرافيا السياسية الراهنة – سنلاحظ -  أن (سادة اليمن الزيود) يتقدم السياسي عندهم على الثقافي (المذهبي) وإن كانت المسافة بينهما رفيعة أو لا ترى، في حين أن (سادة حضرموت الشوافع) الثقافي يتقدم عندهم على السياسي بخط واضح المعالم.

لهذا فإن مصطلح الهاشمية السياسية يتسق أكثر مع مرحلة حكم الأئمة الزيديين، واللافت  حسب المذهب الزيدي أن الإمام ليس معصومًا، وأتاح ذلك مجالًا لاحتدام التنافس على منصب الإمامة من داخل أفراد الأسر الهاشمية، يدعم ذلك شروط الدعوة للإمام، التي منها الحق لمن وجد في نفسه القدرة، والأهلية للدعوة لنفسه حتى في وجود إمام قائم، وهذا الشرط أدى إلى أن تظل دورات الصراع، والاقتتال الداخلي قابلة للاشتعال، ومن ناحية أخرى جعلهم في قلب المعارك، بعكس السادة في حضرموت الذين تخلَّوا لقرون عدَّة طواعية عن حمل السلاح، وفضَّلوا دور المصلحين الاجتماعيين، واشتغلوا بترسيخ مكانتهم الاجتماعية بتعزيز القبول المجتمعي لهم في الحواضر والأرياف، ولهذا تجدهم بعيدين عن ميادين الحرب، لكنهم مارسوا السياسة من خلف الستار أو من باب الاستشارة أو التقريب بين المتصارعين.

وبعيدًا عن تفاصيل التاريخ ... فإن التحدي القوي الذي واجهه نظام الإمامة الزيدية (والسادة) جاء بعد ثورة 26 سبتمبر عام 1962م، وقيام (الجمهورية العربية اليمنية)، التي أزاحتهم عن هرم السلطة، وهمَّشت مكانتهم الاجتماعية التاريخية؛ بوصفهم طبقة سياسية حاكمة ومتحكمة، أما (سادة حضرموت) فكان سبب اهتزاز مكانتهم قيام (جمهورية اليمن الجنوبية - الشعبية - الديمقراطية) عام 1967م، التي أعلنت انحيازها للطبقات الكادحة، وبهذا أُجبِرَ (السادة) في عصر الجمهوريتين على الدخول في مرحلة بيات شتوي،  وفي أثناء ذلك طاردت سادة (الجمهورية العربية) تهمة السلالية، والعنصرية، وسادة (الجمهورية الشعبية) تهمة الكهنوت، والخرافة.

وهكذا مضت حركة التاريخ في غير صالح (الهاشميين) إلى أن ظهر حدثان سياسيان كبيران، هما: قيام الجمهورية الإيرانية الإسلامية عام 1979م، التي حملت شعار تصدير الثورة، والحدث الثاني هو إعلان الوحدة اليمنية، وقيام (الجمهورية اليمنية) عام 1990م. لقد مثَّلت الثورة الإيرانية الحلقة المفقودة عند (سادة اليمن)؛ لإحياء حلم العودة لدولتهم العميقة. أما (سادة حضرموت) فقد ظلوا على خصومتهم التاريخية من السلطة بمفهوم (التحكم)، لكنهم ما أن تنفسوا الصعداء من نظام الجنوب، وتطلعوا لما هو أفضل حالًا، اصطدموا بالفكر السلفي بتفرعاته، وهو خصمهم التاريخي اللدود، خاصة بعد أن صار له حضور مجتمعي قوي بعد الوحدة اليمنية، لهذا عندما جرت الانتخابات الرئاسية عام 2006م، والتي تنافس فيها الرئيس (علي عبدالله صالح)، والأستاذ (فيصل بن شملان) ممثلًا عن أحزاب اللقاء المشترك، انحاز السيد الداعية (عمر بن  سالم بن حفيظ) للرئيس علي عبدالله صالح في حملته الانتخابية ضد بلدياته الحضرمي المشهود له بالنزاهة، والسبب في ذلك أن (سادة حضرموت) نظروا (لفيصل بن شملان) بوصفه رمزًا سياسيًا لحزب الإصلاح الإسلامي، الذي لا تتفق توجهات معظم أنصاره مع أطروحاتهم، بمعنى آخر قدموا الثقافي على السياسي.

وعمومًا فإن الهامش السياسي المتاح بحسب دستور الجمهورية اليمنية كان البداية لانطلاق مشروع الهاشمية السياسية في إطار (حركة الشباب المؤمن) التي لاقت اصطفافًا كبيرًا من شباب الأسر الهاشمية؛ بهدف العودة لمجد آبائهم، يدعم ذلك ارتجاعات التاريخ الممتدة لما يقارب عشرة قرون من التحامهم بالحكم والتحكم، يقابلها زهاء نصف قرن أُزِيحُوا عن تلك المكانة، وبحساب السنين فإن الثقل التاريخي لصالحهم بمسافة بعيدة.

ومرة أخرى لا نريد الخوض في التفاصيل البعيدة، والقريبة المعروفة لكن لابد من الإشارة - على سبيل المثال - إلى أن تعمُّدَ (أنصار الله) أو (الحوثيون)  دخول حرمة بيت شيخ مشايخ قبيلة حاشد (صادق بن عبدالله الأحمر) في صنعاء رغم أنه في وجه السيد (عبد الملك الحوثي)، أي: في حمايته، هي رسالة تاريخية أكثر منها إهانة حاضرة، لهذا عندما اعتذر له الحوثيون  بحسب الطريقة اليمنية وتسليمه حق التحكيم لكرامته المهدورة أعاد الشيخ صادق (للسيد الحوثي) الحكم أو التحكيم؛ لأنه يدرك أن هذا المشهد التصالحي (التمثيلي) إنما هو في حقيقته تسليم رايات التاريخ أكثر منه  إعادة اعتبار للقبيلة ورموزها  .

وفي الجانب الآخر واجه السادة في حضرموت - مع التقدم الحوثي وثباتهم على الأرض - تحديات (مغرية) وفُرَصًا بدأت وكأنها ستعزز مكانتهم الاجتماعية من البوابة السياسية الوافدة، لكن التقط هذه اللحظة - بذكاء (تاريخي) - الداعية (أبوبكر المشهور) عندما أكد بخطاب معلن على أهمية تمسك السادة بمذهبهم الشافعي، وحث على الحفاظ على دورهم التاريخي، وألَّا ينجرفوا مع التحولات العاصفة والدراماتيكية القائمة، وهو بهذا انتصر لارتجاعات ما يقارب ثمانية قرون من موقفهم التقليدي من السلطة، وتركيزهم على الثقافي.

وصفوة القول إن التاريخ الطويل (لسادة اليمن) مع السلطة، والمكانة الاجتماعية الرفيعة حفَّزتهم لإعادة مسار التاريخ لصالحهم، ووجدوا في ذلك مغامرة تستحق القيام بها مهما كانت التضحيات، في حينٍ وجد سادة حضرموت في خطورة التضحية بحياديتهم (المقبولة اجتماعيًا) نوعًا من الانتحار التاريخي..

 ((الحكاية لا تزال مستمرة، والحكمة تقول: كل شيء معقول))

_______________

  • أ.د. عبد الله سعيد بن جسّار الجعيدي (رئيس مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر) 1أبريل 2022م / 29 شعبان 1443هـ.
التعليقات (0)