تأملات منتصف الطريق .. من جاء تحت الدار ما منّه تعذّار

تأملات منتصف الطريق

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(15)

مسارات إلى الذات

(من جاء تحت الدار ما منّه تعذّار)

إذا كانت للجغرافيا أثرها في تشكيل سلوك الناس وطباعهم وتحديد أنشطتهم الاقتصادية فإن المثل الشعبي يعكس جوانب من ثقافة الشعوب ومزاجهم العام، ويؤشر أحيانًا إلى أنساق مجتمعية متنوعة في إطار المجتمع الواحد، وبعودة إلى صيغة المثل نجده يُردَّد بصيغ متنوعة منها: (إذا قده تحت الدار ماشي منه تعذّار). وفي الثقافة الشفاهية الشعبية لا توجد قوالب ثابتة للأمثلة أو للكلام المأثور إنما تتعدد الصيغ لتحمل معنى واحدًا أو متقاربًا، ونص المثل بحسب العنوان واضح في معانيه لكنه يحمل دلالات تجعله يتحرك بحسب المناسبة أو ضمن النسق الاجتماعي القبلي أو الحضري، فمثلًا يكون المثل حاضرًا في الصدور عند وصول ضيف (ثقيل)، أو غير مرغوب فيه إلى عتبات البيت حيث لا مجال للاعتذار، بل يكون التظاهر بالترحيب من الأمور المستحبة في التقاليد العربية.

وأحيانًا يستحضر المثل عند قدوم طرف من الكتلتين المتخاصمتين إلى محل الطرف الآخر طلبًا للحوار وبحثًا عن الأسلوب الناجع لرأب الصدع، وغالبًا يوصف هذا الموقف الذي يبدو عليه التنازل بالمبادرة النبيلة يدعم ذلك تعاليم إسلامية تجعل الخيرية عند الخصام للذي يبدأ بالسلام، وهنا لا مجال للاعتذار، وهذه مرحلة توصل إلى قبول الحوار من حيث المبدأ قبل أن يدخل الناس في التفاصيل.

على أن المهم بالإشارة في هذا المثل عندما يستحضر في المواقف الصعبة أو الحرجة لا سيما عند وصول قوى معتدية إلى الديار ومداهمتها، وبخاصة بين الدول. في هذه الحالة يحمل ظاهر المثل دعوة إلى فضيلة الدفاع عن النفس، وعدم الاستسلام، لكن في حقيقته يؤشر إلى حالة من الغفلة، والضعف والاستكانة. فنحن هنا أمام مساحة مفتوحة أو رخوة يسرت عملية الاختراق، ومعروف في قواعد الاشتباك القتالية (أن الهجوم خير وسيلة للدفاع)؛ ولهذا فإن خط الدفاع الأساسي إذا اقترب من (الديار) فهو خط محفوف بالمخاطر ويؤدي إلى المهالك، وفكرة حفر الخندق (في غزوة الخندق/ الأحزاب) بمسافة معقولة خارج المدينة المنورة كان إجراء ذكيًا لصد القوات المعتدية قبل وصولها إلى الديار، وعلى أية حال فإن حفر الخنادق من تقاليد الحروب في العصور الوسطى التي تعمد في معظمها على المواجهة المباشرة وباستخدام تقنيات الحصون وأسوار المدن لا سيما عند الصراع الداخلي، وعلى نظام الثغور عند ترقب الهجوم من القوى الخارجية المتربصة بوصفها - الثغور- خطًا استشعاريًا أوليًا قبل وصول المهاجمين إلى أسوار المدن ومحاصرتها.

وباختراع الإنسان للأسلحة النارية الحديثة تغيرت قواعد الاشتباك تمامًا، وصار خط الدفاع عن (الديار) يتجاوز حدود الدول، وتكونت الأحلاف الدولية الكبرى، وتغير مفهوم الأمن القومي، فعلى سبيل المثال قبيل الحرب العالمية الثانية بعد أن ضمت ألمانيا النازية أجزاء واسعة من تشيكوسلوفاكيا حليفة فرنسا وبريطانيا اضطر رئيس الوزراء البريطاني (تشمبرلين) لتوقيع اتفاقية (ميونخ 29 سبتمبر 1938م) مع (ادولف هتلر)، وعند وصوله إلى بلاده صرح للصحفيين بعبارته المشهورة: "إن بلادكم خيّرت بين الحرب والعار فاختارت العار وستأتيها الحرب"، كانت بريطانيا ترمي إلى (رشوة) هتلر أو مهادنته حتى لا يصل إلى حدودها وحتى يتجه نحو الاتحاد السوفيتي وعلى صعيد مقابل، ودرءًا للخطر النازي وقع الاتحاد السوفيتي في عهد الرئيس (جوزيف ستالين) معاهدة عدم اعتداء مع ألمانيا ليصرف أنظارها ولو مؤقتًا عن بلاده، ولهذا عندما استمر هتلر في حربه التوسعية في أروبا بعيدًا عن الاتحاد السوفيتي أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا قبل أن تتقدم نحو (الديار) البريطانية، والوقاية خير من العلاج، ونقل ميادين الحروب إلى مسافة بعيدة عن الأوطان وفي أرض العدو خطوة تحسب لصالح المبادرين أو المهاجمين. لهذا يخطط الإسرائيليون في حروبهم مع العرب وفقًا لاستراتيجية الحرب تحت ديار العرب؛ لأنهم يدركون أن المستوطنات الإسرائيلية ستكون أوهن من بيوت العنكبوت إذا جاس العرب حولها.

بعد الحرب العالمية الثانية حدثت طفرة في سباق التسلح بين الدول الكبرى، وتحولت موازين القوى من البحر والبر إلى السماء المفتوحة، وصارت (حرب النجوم) هي الحاسمة، وظهرت الصواريخ الباليستية، والعابرة للقارات، والذكية أو الموجهة، والقنابل النووية والهيدروجينية، والطائرات المُسيَّرة، والأقمار الصناعية التجسسية وغيرها، وبهذا انكشفت الديار من فوقها ومن داخلها ومن أسفل منها.

وفي خضم هذه التحولات الخطيرة ما يزال العرب يجهزون بعنتريات قديمة جديدة ضد بعضهم البعض، بجيوش جرَّارة أكثر ما تستأسد وتجوس خلال الديار إذا كان (العدو) من جلدتهم ومن ملتهم، وما يزالون يدخلون في حروب ونزاعات عبثية تجلب لهم العار قبل الانهيار. ولأن التدافع بين الناس سنة من سنن الكون فإن الهدي القرآني يؤكد (لقوم يعقلون) على أهمية الردع، والاستعداد المتجدد للقوة ضد المعتدين المحتملين، لكن واقع الحال هو انكشاف الحال.

وفي هذا السياق إذا تحدثنا عن أهمية إيجاد صيغة اتفاق عربي حقيقي للدفاع العربي المشترك لحماية الديار في هذا الواقع المنهك بالنزاعات والعداوات البينية سيدخل في باب التنكيت المثير للسخرية، وفي أحسن الأحوال سيوصف بالطرح المثالي أو الخيالي، ومع هذا نرى لا خيار أمام العرب في قادم الزمان، وقد تكالبت عليهم الأمم إلا بالتكتل باستراتيجية الأمن العربي العام، والمصير المشترك، وغير هذا لن يكون عندهم مجال للأعذار إذا وصل الأعداء إلى تحت الديار، هذا إذا بقيت الديار.

التعليقات (0)