تأملات منتصف الطريق .. كما حمار الهجرين

تأملات منتصف الطريق

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(16)

مسارات إلى الذات

(كما حمار الهجرين )

دخلت الحيوانات الأليفة بكيفيات متنوعة ضمن محيط المجتمعات البشرية بوصفها جزءًا من التسخير الإلهي لمنفعة الإنسان في الأرض (ولله في خلقه شؤون)، وهذا الاختلاط المسيطر عليه جعلها تشارك في بعض تفاصيل الحياة اليومية؛ الأمر الذي يسر دخولها في مفردات الثقافات المحلية الإنسانية وبخاصة في الأمثلة الشعبية أو المقولات المأثورة والرمزيات الأدبية والسياسية، بل يكون لها أحيانًا نصيب من الأوقاف والصدقات، وعلى سبيل المثال عندما يذكر الناس الوفاء تذكر الكلاب ويقال: (أوفى من كلب)، أما الجمال فيقترن اسمها مع مقام الصبر، والجبن في حال الدجاج. أما أصحابنا الحمير وعلى ما تبذله من جهد وما تظهره من قوة تحمل فإنهم غالبًا ما يوصمون بالفهم البطيء، لكن المقولة الحضرمية المشهورة التي استعار العنوان شطرًا منها، والتي تقول: (كما حمار الهجرين طالع محمل ونازل محمل)، تشير ضمنيًا لمعاناة الحمير العاملة في مدينة الهجرين، وتعترف بدورهم الكبير في خدمة الإنسان.

ولكن التساؤل الذي يضع نفسه كيف استقرت الحمير العاملة في الهجرين في الثقافة المحلية في حضرموت بوصفها الأكثر معاناة من غيرها من الحمير في المناطق الأخرى، ومعروف أن قصة الحمير مع الإنسان واحدة في كل زمان ومكان وإن تباينت درجات الشقاء بحسب (حظ) الحمير في مكان العمل وحركته، ويبدو لنا أن هذه (المكانة) جاءت من كون مدينة الهجرين الدوعنية الحضرمية  تقع على مرتفع جبلي مثّل لها تحصينًا طبيعيًا ضد الغزاة عبر التاريخ، لكنها في أوقات السلم حيث يزرع الناس ويعصرون في المزارع التي تقع من أسفل منها لا سيما على ضفاف الوديان والشعاب القريبة يكون أهلها مجبرين على الهبوط في منحدر محفوف بالمصاعب والمشقات؛ لهذا كانت مهمة الحمار (البطل) ملحة أو حيوية ويستفاد منه لحمل الأثقال والركاب في رحلتي الهبوط والصعود، ومن هنا تحصلت الحمير العاملة في الهجرين على الاعتراف الاجتماعي بجهودها أو بالأحرى بمأساتها. فصارت مضربًا للمثل وحاضره في الثقافة الشفاهية في أرجاء حضرموت عند حضور حكايات التعب والمشقة.

وعلى مسافة غير بعيدة من مدينة الهجرين تتكرر قصة الحمير العاملة على سفوح الجبال في فرعي وادي دوعن (ليمن وليسر) بوصفها الخيار الأمثل لرفع الأثقال، وقد جرّبنا نحن سكان السهول الساحلية صعود سفوح دوعن عند زياراتنا لبعض مدنها وبلداتها، وكانت تجربة فيها نصيب من التعب بحكم عدم التعود، حتى سأل سائل من الصاعدين بفضول عن كيفية رفع حاجات السكان ومتطلباتهم؛ والإجابة تكون بأن الحمار هو أيضًا (البطل) الوحيد والصاحب والمعين، وذات يوم بينما كنّا في رحلة صعود نحو بيت صديق في الخريبة، ظهر حال الفريق كحال من يصّعد إلى السماء حتى نصح صديق من الدواعنة باتباع (تقنيات) الحمير بالسير في خط متعرج يطيل المسافة لكنه أقل وطأة من الخيار المستقيم (المختصر)، وكانت فعلًا نصيحة مفيدة حتى علّق -بمرح- صاعد من الصاعدين بقوله: (الحكمة ضالة المؤمن يأخذ بها، سواء وجدها في  الصين أو حتى عند الحمير).

ولا تختلف الحمير العاملة في داخل حضرموت وساحلها عن غيرها من حمير الأرض، فجميعها خلق لما قُدّر له، لكن تنوع الجغرافيا جعل الإنسان يبتكر الوسيلة المناسبة لرفع الأحمال؛ لهذا نلاحظ الحمير العاملة على سفوح الجبال يتم وضع الأثقال مباشرة على ظهورها، أما في السهول حيث الأرض المنبسطة تربط ظهور الحمير  بعربات يضع فيها الأحمال (وكله على ظهرك ياحمار)، ومن الصعوبة بمكان تحديد الحمير الأوفر حظًا من حيث درجة الشقاء؛ لأن ذلك يرتبط في المقام الأول بمدى رحمة الإنسان لهذه البهائم التي تشعر بالألم والتعب والإنهاك، ولو عرفت المحاورة لاشتكت.

ذات يوم في بداية سبعينيات القرن الماضي كانت الحمير في مدينة المكلا على موعد في دور مغايرة لمهامها التقليدية؛ لهذا زيّنت عرباتها بالأعلام الملونة والبالونات، وعلى أسطح  العربات ركب أطفال الروضة وهم بكامل زينتهم، وطيف بهم في أرجاء المدينة في مشهد فرائحي مشهود، وكان صاحب الفكرة مدير الروضة وقتئذ السيد محمد سعيد مديحج، وبعد أكثر من عقدين من ذلك اليوم سألت السفير محمد سعيد مديحج عن مغزى فكرته الابتهاجية، فقال: كانت فعالية رمزية انطلت على الحكام وقتئذ، فكنت أريد توصيل رسالة تحذيرية بخطورة قيادة (الحمير) للتعليم في ذلك الزمن، الذي تقدم فيه الصفوف السياسي (الثوري) على المهني المحترف، وبعد أكثر من أربعة عقود من تلك الحادثة الرمزية ممكن القول للأستاذ محمد مديحج -رحمه الله- لقد وقعت الفأس في الرأس، وأنه لو تركت للحمير الأصيلة فرصة للقيادة في البلدان المتخلفة ربما سيكون أداؤها  أفضل من بعض البشر فهي في الأقل تنفع ولا تضر، ثم إن الحمير لا يقتل بعضها البعض.

وفي سياق مقارب وفي قاعات الدرس الجامعي أحاول -عندما أتحدث إلى طلابي عن الانقلاب الصناعي في أروبا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي أو الثورة الصناعية كما وصفها بدقة المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي (1898- 1975م)- توصيل فكرة هذه الثورة بأنها تقوم على أساس اختلاف معيار الطاقة بعد اختراع جيمس واط (1736- 1819م) لقوة البخار، فصارت الآلات تتحرك بسرعة بغير الحاجة لقوة الإنسان أو الحيوان، ومع تطور التقنيات الصناعية في مجالات متعددة مدنية وعسكرية في أروبا صارت الحاجة للحيوانات في الزراعة أو المواصلات في حدود ضيقة وربما اختفت، وما بعد الثورة الصناعية تغير العالم بخطى متسارعة وبخاصة عند أولئك الذي راهنوا على استراتيجية العلم والإبداع والانطلاق، في الشرق عمومًا الحال غير الحال، وعلى الصعيد المحلي شهدت المدن الساحلية الحضرمية لا سيما المكلا في العقدين الأول والثاني من هذا القرن (21) العد التنازلي المتسارع للاستغناء عن (طاقة) الحمير ، أما حُسر دوعن ومرتفعاتها الشامخة فما تزال عصية على الانحناء، وفي ذلك قال الشاعر حسين أبوبكر المحضار قصيدته الشعبية المشهورة التي من أبياتها:

مكانش يا حسر دوعن عسيرة

فلوس التاج ما قدرت توطيش

فاستمرت الحاجة لقوة الحيوان وما تزال بوصفها وسيلة لرفع الأثقال، ولسنا بصدد مقارنة في مستوى التطور بين حمير أروبا وحمير العرب (أن الحمير تشابه علينا)، ثم إن هذا موضوع آخر مستقل. وبعودة إلى بدء فإن مدينة الهجرين التاريخية الجميلة بعد أن شق إليها طريق للسيارات تخفف العبء على الحمير العاملة فيها لكنها – أي الحمير - استحقت الخلود في الثقافة الشفاهية المحلية فقد ارتبطت عبر مراحل من التاريخ بصمود أهلها واستجابتهم الحضارية الرائعة لتحديات البقاء ، ولأن السلام ختام بقي أن نردد ما قاله الشاعر الشعبي مخاطبًا مدينة الهجرين:

(سلام يا أم الهجــر يا دقم رحماني ** يا الحيد يالمنتصب يا صنعة الرحمان)

ومني تعظيم سلام للهجرين وأهلها ...

التعليقات (0)