تأملات منتصف الطريق .. قبصة حشيمة

تأملات منتصف الطريق .. قبصة حشيمة

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(17)

مسارات إلى الذات

(قبصة حشيمة)

تتداخل الأمثلة الشعبية والمقولات المأثورة في دلالاتها ومعانيها عند إسقاطها على مواقف الحياة المتنوعة وإن اختلفت السياقات وتعددت المناسبات، وسنوضح ذلك بأمثلة في السطور القادمة، وإذا بدأنا من عنوان المقال سنعرف أن الحضارمة في حوارهم الشفاهي البيني غالبًا ما يكتفون بكلمتي (قبصة حشيمة)، اختصارًا لمقولة يرددونها نصها الكامل: (كما قبصة حشيمة في الرقاد)، وقبل تفكيك هذا النص علينا توضيح المعنى المباشر بحسب الفهم المتعارف عليه وهو: إن المتحدِّث أو المتحدَّث عنه تصرف مثل ما تصرفت فلانة (المحصن)، التي فضلت التكتم وعدم إعلان التحرش بها حفاظًا على سمعتها حتى لا تكون في موضع الشبهات.

وإذا تتبعنا أصل النص بصيغته العامية سنلاحظ أنه مرتبط بالمناطق الحضرية (المدن والبلدات الكبيرة)؛ حيث البيوت المتعددة الطوابق، التي تقطنها عائلات كثيرة متنوعة من حيث القرابة الأسرية، والمكانة الاجتماعية، وحيث سيادة العادات الاجتماعية التي تمنع الاختلاط بين الجنسين، وتحرص فيها المرأة على تغطية معظم أعضاء جسمها ، وفي مثل هذه المجتمعات الحضرية التي يتسم أهلها بالمحافظة يكون من الصعوبة بمكان حدوث تواصل بين الجنسين بعيدًا عن رقابة المجتمع، ولا ريب أن ظهور هذه المقولة وشيوعها كان قبل ثورة الاتصالات الحديثة بمسافة زمنية طويلة، ولعل هذا يقربنا لفهم فرص حصول مكان فعل الاحتكاك (القبصة) على سلالم (رقاد) البيوت، وهي حيز تلتزم فيه النساء بلباسها كأنها في الشارع العام تمامًا بتمام، ومن جانب آخر تؤشر المقولة إلى أن هذا الفعل المشين مرفوض اجتماعيًا وينظر بازدراء لفاعله.

و(القبصة) بمعناها الاصطلاحي بحسب المقولة: هو حصول فعل اللمس المتعمد والمباغت لمكان في جسم المرأة المعتدى عليها، وبهذا فهي ليست الفاعلة لفعل (القبص) أو القرص كما قد يبدو من ظاهر النص (قبصة حشيمة) وسكوت المرأة (المجني عليها) هو قرار حكيم للدفاع عن الشرف أكثر منه القبول أو الرضا؛ لأن أي صوت في تلك المنطقة الضيقة سيسمع وسيفسر بما لا تحمد عقباه. تجدر الإشارة إلى أن التحرش فعل نادر الحدوث، ولا يشكل ظاهرة مزعجة في المجتمع الحضرمي.

وكما للمجتمعات الحضرية تقاليدها وعاداتها فإن للمجتمعات الريفية وبالأحرى البدوية تقاليدها الخاصة المتعلقة بردود فعل المرأة عند التحرش بها، وبمقارنة مجال الحركة خارج مكان السكن بين المناطق البدوية والريفية نجد المجال يكون أرحب أمام الفتاة البدوية لقيامها برعي الأغنام، وجمع الحطب، وجلب الماء، وبحكم خصوصية المجتمع البدوي الذي يقوم على قرابة النسب أو العائلة الكبيرة الممتدة يجعل مساحة تواصل النساء الاجتماعي أكثر اتساعًا؛ لأن رجال القبيلة هم الحماة والعزوة، ولهذا غالبًا ما تكون التجاوزات من الغرباء عابري السبيل، والبدوية ترد السلام على الغريب وتجيب عن تساؤلاته بما تعرف عكس الفتاة الحضرية التي لا تتحدث حتى مع أبناء عمومتها إلا في حدود ضيقة، ولهذا نجد موقف البدوية يتصف بالقوة عند الاعتداء عليها سواء باللفظ أو باللمس وتسارع إلى الاستنجاد بقبيلتها، وفي حالات معينة تقول للمعتدي: (عنيت منك)، أي أطالب بحق وتعويض جراء هذا الاعتداء، وهنا لا بد من محكمة قبلية تلزم المعتدي بدفع غرامة مالية أو عينية (ناقة أو بندقية).

وممكن نعزو الموقف البدوي القوي تجاه (المتحرشين) - فضلًا عما ذكرناه - إلى أن نساءهم غالبًا ما يضطررن إلى الابتعاد عن مثاوي القبيلة، لهذا لو حدث تهاون قد تتكرر حالات الاعتداء، وعلى أية حال فإن المعادل الموضوعي بين تكتم (الحضرية) وصياح (البدوية) أن الكل معني بالحشمة والعفة التي تؤكد عليها العادات العربية والتعاليم الإسلامية، والاختلاف في ردود الأفعال ممكن فهمه في سياقاته وليس من خارجه، فالتفكير البدوي في مثل هذه المواقف يتسم بالمباشرة، ويفضل نزع الحق باليد وحسم الأمور، في حين تداخلات المجتمع الحضري تميل فيه ردود الأفعال إلى أسلوب التهدئة، والتريث في اتخاذ القرارات. ولسنا هنا بصدد الحديث عن التواصل الاختياري بين الرجال والنساء الذي يقوم على القبول والرضا فتلك قصة أخرى لها أبعادها المتنوعة وقواعد العشق الخاصة بها.

ومع مرور الزمن ترسخت مقولة (قبصة حشيمة) في الوعي الجمعي، وصارت (ثقافة سلوكية) ممكن ملاحظتها ورصدها لمن تصدى بالبحث العلمي لدراسة الشخصية الحضرمية، كما وجدت للمقولة تطبيقاتها وإسقاطاتها في مواقف مقاربة لا سيما عند أولئك الذين قرروا وضع حد قاطع لتصرفات معينة أو مواقف عابرة جعلتهم في المكان الخطأ، وقد تحضر هذه المقولة على لسان مسؤول غض الطرف، أو ستر موظفًا تجاوز في عمله على حق من الحقوق، وغالبًا يكون لمثل هذا المنحى أثر طيب ومستدام لا سيما عند أولئك الذين عناصر الخير أصيلة في ضمائرهم، "ومن مننا معصوم ما قد يوم زل".

لكن أحيانًا تنحرف هذه المقولة عن أداء دورها في النصيحة، من ذلك عند استحضارها من أطراف للقبول بأوضاع خانعة، أو عند تعمُّد غض الطرف عن تصرفات طائشة تضر المجتمع، فتتمظهر المقولة عند هؤلاء بمظهر الحكمة، وما هم عنها بقريب، وأحيانًا تكون المقولة حاضرة عند المحللين السياسيين لا سيما عند أصحاب وجهات النظر، التي ترى في انتهاج دولة ما لموقف ضبط النفس، وعدم الرد عند الاعتداء عليها من دولة أخرى أقوى منها، والأمثلة كثيرة في العلاقات الدولية المعاصرة.   بقي القول: إذا كان الدرس من ردة فعل (الحضرية) هو الحث على التحلي بفضائل: الصبر، والستر، والطهر، فإن (البدوية) تُذكّر بصوتها الواثق من نفسه بقول المتنبي:

لا يسلم الشرف الرفيع عن الأذى ** حتى يراق على جوانبه الدم 

وكلتاهما على خير.. 

التعليقات (0)