تأملات منتصف الطريق .. الرجال تطعن وتطحن

تأملات منتصف الطريق .. الرجال تطعن وتطحن

(أربعون مقال ومقالة)

أ.د. عبد الله سعيد بن جسَّار الجعيدي

(18)

مسارات إلى الذات

(الرجال تطعن وتطحن)

أسس التراتب الاجتماعي في حضرموت بمفاهيمه العامة (سادة ومشايخ - قبائل - حضر) لما يمكن وصفه بالثقافة الداخلية في إطار الثقافة العامة لشخصية المجتمع الحضرمي، ونقصد بالثقافة الداخلية منظومة العادات والتقاليد والتعاليم الأسرية لبناء الشخصية، وهي تأخذ أبعادًا كثيرة، منها الحث على ارتياد المساجد، واحترام الكبير، ومراقبة طريقة القيام والجلوس وحركة السير، وكيفية تناول الطعام، وطريقة الكلام، والتفاعل المجتمعي من حيث تشجيع فضيلة الدفاع عن النفس، ومساعدة الضعفاء والمحتاجين، وأشياء كثيرة.

في المدن الحضرمية ما يزال التراتب الاجتماعي حسب التقسيم أعلاه يلقي بظلاله على الأجيال، وبخاصة بعد هدنة السلام في حضرموت (صلح إنجرامس) عام 1937م، التي من أبرز نتائجها ازدياد عملية النزوح من الأرياف إلى المدن، وانخراط رجال القبائل في مهن كانوا ينظرون للعاملين فيها بنوع من الدونية، بل كان مصير من يستقر من عناصرهم في الحواضر، ويقطع علاقته مع قبيلته في الحواضر – قبل الهدنة العامة - هو النزول في المرتبة الاجتماعية إلى شرائح الحضر.

إن هذا النزوح الكبير وإن شئت القول التغلغل القبلي في المدن أبقى على ما يمكن وصفه (بالحق القبلي التاريخي)، أي إن الفرد منهم قد يكون هو ووالده وجده من مواليد المدينة، ويشتغل في مهنة أو حرفة ما، لكنه يظل يميّز نفسه عن زملائه أصحاب الحرفة بهذا (الحق) التاريخي، وهكذا نحن أمام مجتمع واحد بعناصر مشتركة في الشخصية وهي الأغلب، وعادات وتقاليد متوارثة بالتراتب الاجتماعي والوظيفة الاجتماعية التاريخية، فمثلًا فئة السادة والمشايخ - وهم من سكان الحواضر- ترتبط بالجوانب الدينية والتعليم والدعوة إلى الله، لهذا تجد في (ثقافة) هذه الفئة الداخلية مفردات تختلف عن بقية الفئات، وهو ما يمكن وصفه بالتأهيل الأسري للحفاظ على المكانة الاجتماعية، من ذلك الالتزام بزي معين، والحرص على أن يظهروا بمظهر الوقار والرزانة، ويتجنب المقاهي الشعبية إلا في حدود معينة، كما أن الفرد منهم غالبًا ما يكون مضغوطًا بنظرة المجتمع؛ لمكانتهم الخاصة، فمثلًا عندما يظهر (المراهق) منهم سلوكًا معينًا ربما مقبولًا من غيره تجد هناك من يوبّخه أو يعاتبه، مبينًا بأن هذا السلوك لا يليق به؛ فهو ابن ناس أو "من دار زينة".

وما قد يراه البعض يقلل من الوجاهة والوقار تجده عند سكان المدينة (الحضر) من الأمور العادية، مثل المشاركة بالرقص في الألعاب الشعبية، وفي نوع الملابس وطريقة لبسها، وفي ارتياد المقاهي الشعبية، وأيضًا في التعاطي لبعض المنبهات، مثل (التانبول)، والشمة (النشوق)، والنارجيلة (الرشبة)، وهذا لا يعني انعزال فئات المجتمع عن بعضها أو عدم التداخل في السلوك العام بين كل سكان المدينة لكن منهم من يتجنب، وصنف "يفعل في روما كما يفعل الرومان"، وهناك المستترون مخافة الملامة، وهذا يختلف عن قضية الاندماج التي تعاني منها بعض المجتمعات ذات الإثنيات المختلفة أو المذاهب الدينية؛ لأن الأصل في مجتمع المدينة الحضرمية الاندماج السلس مع الاحتفاظ ببعض العادات الاجتماعية القديمة والمرحلية.

وبأنساق متنوعة تتعايش داخل المدينة عادات البادية وتقاليدها من الجيل الأول أو الثاني، وممكن إرجاع ذلك إلى ما يمكن وصفه بالصراع الحضاري بين سكان البوادي والحواضر، فيعتز البدوي من الجيل الأول بملابسه ومظهره العام وبقبيلته وشدة شكيمته وسلاحه الأبيض الذي لا يفارق جنبه، أما سكان الحضر فهم يستهجنون بعض هذه المظاهر والسلوكيات، ويسخرون منها، ويربطون البداوة بالفوضى والإخلال بالنظام، لكنهم يعترفون بصدق تعاملهم، وثباتهم على مواقفهم، لهذا يُسمع في حوارهم عبارة (كلمة بدوي)؛ للتأكيد على الوفاء بما يتعهد به المتحدث من الحضر، ولديمومة الهجرة من الريف إلى المدن تتدرج عملية الذوبان في عادات المدينة على حساب عادات الريف بحسب أقدمية الانتقال.

وقبل الذوبان التدريجي للبدو في الحواضر تطغى في (ثقافتهم) داخل مساكنهم الكثير من المفردات (الحربية) بكيفيات متنوعة، على سبيل المثال يقولون: (الرجال تطعن وتطحن)، ويبدو لنا أن النص بدويٌّ من صناعة المدينة، ويُستدعى أكثر ما يُستدعى عند التشجيع على فضيلة العمل اليدوي، التي ينظرون لها بنظرة متدنية كما سبقت الإشارة، وتعبّر هذه المقولة عن الصراع الداخلي للبدو المثقلين بتقاليدهم وعاداتهم، ففي وصفهم الداخلي يطلقون على العامل الأجير (الجعيل)، وعند التلفظ بها يقصدون الشتيمة المدعمة بالاستهزاء والاستحقار، وعندما استقروا في المدن صار لا مناص أمامهم من العمل اليدوي أو العضلي، هنا تدخّلت أو لعلها صنعت مقولة (الرجال تطعن وتطحن)؛ لتخفف العبء عنهم، وتدعم (كرامتهم) المجروحة، لهذا تقدمت لفظتا (الرجال) و(الطعن) على لفظة (الطحن)، وهذا يعني أن النص منحاز للبدو (القبائل)، ويعترف لهم بالرجولة والقتال، بمعنى آخر: يريد النص التأكيد على أن (الطحن) لا يلغي رجولة الرجال، ولا يقلل من همتهم في الطعن عند ساعة النزال، وإن الطحن (العمل الحرفي) هو الفعل العابر.

تجدر الإشارة إلى أن البدو في مثاويهم لا يستنكفون العمل في الزراعة والرعي وأي أعمال عضلية إذا لم يكونوا أجراء عند الآخرين، ولعدم امتلاك الجيل الوافد الجديد للمؤهلات إلا فيما ندر صارت فرص العمل محدودة، لهذا أجبرتهم قواعد العيش في المدينة على تغيير نظراتهم تجاه الحرف والمهن والانخراط فيها، وفي سياق متصل تجد البعض منهم مع أصحاب الفئة الأولى ممن لا يقبلون شروط المدينة يضطرون الى الهجرة والاغتراب، ومعظم هؤلاء لا يجدون غضاضة أو حرجًا في العمل بالأجرة، وفي ظروف أكثر صعوبة عند صاحب عمل (طبين) من خارج وطنهم، يدفعهم إلى ذلك بقوة الحلم والطموح ليرجعوا (طباينة) في بلادهم.

وهذا النص ثلاثي الكلمات غزير بالدلالات الثابتة والمتحركة، فخلال العقود الأربعة الماضية مع انتشار التعليم في حضرموت وتيسر فرص التعليم النوعي والعالي أمام الجميع تحركت الوظيفة الاجتماعية، فصار مثلًا الطبيب والضابط العسكري أو الفقيه ينحدرون من أبناء هذه الفئات الثلاث، وبضغط التراتب الاجتماعي تجد في المدينة من يعرب عن اندهاشه من هذا التحول، وكما أن هناك من يرى العلم (حقًا حصريًا)، فهناك من يعتقد العسكرة وحمل السلاح (حقًا تاريخيًا)، وفي هذا يقول الشاعر صالح المفلحي: (بلجيك ما تصلح إلا على كتف السعيدي)، وهذا كله يدل على أن التراتب الاجتماعي في المدن ما يزال -ولو بوتيرة أقل- يلقي بظله (العنصري) على زملاء المهنة الواحدة.

إن الحديث في هذه الناحية متشعب وذو شجون، ولا يخامرنا الشك في أن المدينة في قادم الزمان ستنتصر لقيم التسامح والتعايش والوئام والمساواة تحت راية قانونها العام، وأنه لا مناص سيأتي اليوم الذي يقتنع فيه المتنافسون أنه "من جدّ وَجَدَ"، وأن العلم والأخلاق والشجاعة لا علاقة لها بأصحاب الدماء الزرقاء أو البيضاء أو الحمراء، وأن "لكل مجتهد نصيب"، وسيعيد الناس بتمعن قراءة الآية العظيمة [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ].

فكم نحن بحاجة إلى طعن العادات البالية المتخلفة، وتشجيع فضيلة (الطعن) إذا كانت للدفاع عن الوطن، والحق، والعرض، والكرامة. نحن أيضًا بحاجة إلى جيل يزرع ويطحن ويصنع حتى يأكل الناس ويشبعوا.. يا قوم: لا تتطاحنوا على سفاسف الأمور فتذهب ريحكم.. يا ناس: انشغلوا بالخير لأجل أنفسكم لا بالشر على بعضكم البعض لعلكم ترحمون.

التعليقات (0)