إضاءة تاريخية على طريق التنمية المستدامة في اليمن

إضاءة تاريخية على طريق التنمية المستدامة في اليمن .

د. رياض الصفواني

لايبدو الحديث عن الإنسان اليمني القديم ضرباً من التغريد خارج سرب الواقع، أو لوناً من ألوان التسلية والترف، أو المعرفة المجردة، فمن نافلة القول إن من ركبوا البحار وقطعوا الفيافي والقفار في الحقب التاريخية القديمة وصولاً إلى اليمن - ذلك المجهول وفق توصيف بعض الرحالة الأوروبيين في القرون المتأخرة - قد استهوتهم معرفة طبيعة بيئة وحضارة ذلك البلد، الذي أطلق عليه الرومان مصطلح العربية السعيدة Arabia Felix، لأنهم وجدوا فيها مقومات الاستقرار الحضاري: من وفرة في الأمطار أدت إلى إنشاء السدود وتنظيم قنوات الري، وخصوبة التربة، وتجارة مزدهرة للبان (البخور)، ومحطة لاستيراد وتصدير العديد من منتجات الشرق والغرب، فضلاً عن صياغة مجموعة من التشريعات الخاصة بالتعاملات التجارية في الأسواق التي أنتجتها العقلية اليمنية القتبانية، وما أفضى إليه كل ذلك من استيطان بشري، ازدهرت في ضوئه حياة ممالك يمنية توسع نفوذ بعضها على حساب البعض الآخر في بعض المراحل التاريخية القديمة، وانكمش نفوذ بعضها وانضوت تحت لواء البعض الآخر في مراحل أخرى، وذلك وفق معطى القوة والضعف وشروط وخصائص الزمان والمكان. وبالمحصلة أقامت تلك الممالك معالم حضارية شاع ذكرها بين شعوب ودول العالم القديم، كما شاع بالقدر ذاته ذكر تجارة البن اليمني عالمياً في العصور الحديثة، وهو مايعكس اليوم بصيغة (مضمرة) أو ضمنية مفهوم التنمية المستدامة المعاصر في حدود طبيعة وخصوصية ذلك الزمن، فهل ثمة أمل في غد منظور  نستعيد فيه بعض ماكان لنا من دور حضاري مشهود، وشعور جدي بالمسؤولية في الحدود المقبولة، لنضيف إلى مصبها العميق روافد جديدة، تشكل بالمجمل روافع للتنمية المستدامة بثوب معاصر، أم نطوي صفحات تاريخنا الحضاري، ليبقى رهين أمجاد الإنسان اليمني القديم، وتظل انجازاته أحاديث يتغنى بها ويفاخر الإنسان اليمني المعاصر؟!

أم أن مساقات السياسة ومآلاتها الكارثية قد طغت على تاريخنا كله وأخضعته لمشيئتها، فلم يعد بالإمكان تحرير تاريخنا الحضاري من أسرها.

التعليقات (0)