الاحتلال البريطاني لعدن ١٩ يناير ١٨٣٩م .. (المقدمات - البواعث - المقاومة)

الاحتلال البريطاني لعدن ١٩ يناير ١٨٣٩م ..

(المقدمات - البواعث - المقاومة)

د. رياض الصفواني

- المقـدمات :

سبقت الاحتلال البريطاني لعدن مقدمات وإرهاصات مهدت له الطريق، وكانت معظمها قبل حلول القرن التاسع عشر الميلادي لاتتجاوز الجوانب التجارية في إطار العلاقات التجارية البريطانية اليمنية، ثم مالبثت العلاقات التجارية أن تحولت إلى سياسية ثم عسكرية (حربية) في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، ولعل بالإمكان اختزال تلك المقدمات في نقاط موجزة على النحو الآتي:

١ - بِدْء رحلات مبعوثي شركة الهند الشرقية البريطانية إلى البحر الأحمر في مطلع العقد الأول من القرن السابع عشر.

٢ - إنشاء البريطانيين وكالة تجارية في ميناء المخا عام ١٦٠٩م تنفيذاً لتوصيات تقارير رحلات مبعوثي الشركة .

٣ - احتلال القوات البريطانية جزيرة ميون عام ١٧٩٩م، للتصدي لحملة نابليون الفرنسية في البحر الأحمر وتهديدها للنفوذ البريطاني في الهند، وانسحاب تلك القوات منها في نفس العام بعد هزيمة نابليون في مصر على أيدي القوات البريطانية والعثمانية المتحالفة معها .

٤ - المسح البريطاني لموانئ وجزر اليمن في البحر الأحمر والمحيط الهندي عند مطلع العقد الأول من القرن التاسع عشر، بهدف الحصول على موقع لإقامة محطة تزويد السفن البريطانية بالوقود، وبناء قواعد عسكرية لمراقبة النشاط الفرنسي المنافس لها في جنوب البحر الأحمر .

٥ - عقْد بريطانيا اتفاقات تجارية مع حكام عدن ومشيخات جنوب اليمن، كان لها أثر في التهيئة لاحتلال عدن .

- البـــواعث :

   بناءً على تلك المقدمات فقد تضافرت مجموعة من البواعث والأسباب وأدت في النهاية إلى إنزال القوات البريطانية في ميناء عدن واحتلالها المدينة، ويمكن أن تتلخص تلك البواعث في النقاط الآتية:

١ - رغبة القادة البريطانيين في إيجاد قاعدة عسكرية استراتيجية في عدن لتأمين خطوط مواصلاتهم إلى الهند كما سبقت الإشارة.

٢ - إقامة محطة لتزويد سفن البحرية البريطانية بالفحم الحجري، بعد أن تأكد لها أن موقع عدن هو الأنسب للقيام بتلك المهمة.

٣ - التحكم في حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

٤ - صد زحف أي قوة دولية تحاول السيطرة على هذا الشريان المائي الدولي المهم بعد فشل حملة نابليون .

٥ - قطع الطريق على طموحات محمد علي باشا والي مصر (١٨٠٥ - ١٨٤٦م) في السيطرة على جنوب البحر الأحمر في إطار طموحه لإقامة امبراطورية عربية رأسها في مصر، وجناحاها في العراق والشام، وصولاً إلى قاعدتها في جنوب الجزيرة العربية .

٦ - الشروع بعقد معاهدات صداقة وسلام مع السلطان العبدلي - سلطان عدن ولحج - فور احتلال القوات البريطانية للمدينة، اعترف العبدلي بمقتضاها بسيطرتها على عدن، وألزمته المعاهدة بعدم السماح لقبائل السلطنة بالقيام بأي أعمال معادية للحاميات البريطانية في عدن، وتوفير سبل حماية وسلامة طرق المواصلات الواقعة في إطار مناطق السلطنة، مقابل التزام الإدارة البريطانية بدفع إعانات مالية سنوية للسلطان، أعقبها معاهدة أخرى للسلام والصداقة في مايو ١٨٤٠م، التزم فيها السلطان العبدلي بضمان حماية وحرية رعايا الحكومة البريطانية على أراضي السلطنة العبدلية، وتعهد بفرض رسوم جمركية بمقدار ٢% على البضائع البريطانية، ثم توالت المعاهدات بين الطرفين وتحولت من الصداقة إلى الحماية أواخر القرن التاسع عشر، ثم مالبثت أن دخلت في طور الاستشارة بعد ذلك.

- المقـــاومة :

بعد أن عرضنا للمقدمات والبواعث في نقاط موجزة نورد بعض الاستطراد والتوضيح لبعض تلك النقاط مع ذكر ملامح من المقاومة للاحتلال، ففي مطلع القرن التاسع عشر جابت قطع من سفن أسطول البحرية البريطانية مياه البحر الأحمر والمحيط الهندي على وجه التركيز، بوصفه شريان الملاحة الدولي الرابط بين أوروبا وآسيا، ويربط بريطانيا تحديداً بمستعمراتها في جنوب شرق آسيا (الهند)، وفي ظل التنافس الاستعماري التقليدي بين بريطانيا وفرنسا على المستعمرات في شرق آسيا، ومساعي بريطانيا الحثيثة لتأمين خطوط مواصلاتها إلى الهند، وبعد قيامها بمسح واستطلاع المواقع الاستراتيجية في حوض المحيط الهندي وشواطئه، وضعت بريطانيا يديها على جزيرة سقطرى في جنوب المحيط الهندي، وقبلها في جزيرة ميون عند مدخل باب المندب في البحر الأحمر ١٧٩٩م، لكنها سرعان ماانسحبت من هاتين الجزيرتين لعدة أسباب في مقدمتها صعوبة التكيف مع المناخ وشحة مياه الشرب، وبعد دراسة متعمقة وجدت بريطانيا أن موقع عدن الاستراتيجي على المحيط الهندي هو أنسب المواقع وأهمها لتلبية تطلعاتها الاستعمارية وخدمة مصالحها الاقتصادية الحيوية، لاسيما بعد أن حجمت بالتنسيق مع الباب العالي العثماني والسلطات الفرنسية والألمانية طموحات محمد علي باشا التوسعية خارج مصر - وذلك في مؤتمر لندن ١٨٤٠م - الذي وجدت في سياسته الهادفة إلى ربط جنوب البحر الأحمر بشماله خلال ثلاثينيات القرن ١٩م خطراً يهدد مصالحها، وأدركت أيضاً أهمية خطواته في احتكار تجارة البن اليمني (Mocca coffee)، الذي كانت تعتزم تحويل تصديره من المخا إلى عدن، فشرعت في وضع الخطط لاحتلال عدن بصور مختلفة بدأت بتوقيع اتفاقات صداقة مع حاكم عدن العبدلي للحصول على امتيازات تجارية في عام ١٨٢٢م كتعزيز لاتفاق عام ١٨٠٢م الذي سبقت الإشارة إليه، فكانت عدن على موعد يرسم مستقبلها ويحدد معالم علاقاتها الداخلية والخارجية ويقرر مصيرها، واتخذت سلطات الاحتلال من حادثة جنوح السفينة البريطانية (دوريادولت) على شاطئ عدن وقيام أفراد من أهالي المدينة بنهب حمولتها ذريعة لانزال قواتها إلى البر العدني، وتدشين مرحلة احتلالها لعدن رسمياً في ١٩ يناير ١٨٣٩م.

ومنذ اللحظات الأولى للاحتلال اتخذ أهالي عدن ومعهم قبائل المناطق المجاورة: لحج وأبين والصبيحة والحواشب والعقارب خطوات عملية لمقاومة الوجود البريطاني، وقاد آل العبدلي حكام عدن ولحج لواء المقاومة خلال الأعوام الخمسة الأولى من الاحتلال ( ١٨٣٩ ــ ١٨٤٤م) فاتخذت مقاومة القبائل أشكالاً مختلفة منها إلى جانب المواجهات المسلحة، قطع المياه عن قوات الاحتلال ومنع إدخال المؤن إليهم من المناطق الداخلية، والتقطع للقوافل الغذائية والتجارية المتجهة إلى عدن ومصادرتها، فضلاً عن الدعوات التي أطلقتها بعض القوى والشخصيات المحلية من مناطق شمال اليمن للجهاد ضد المستعمر ودحره، منها دعوة الفقيه الصوفي الثائر سعيد بن ياسين العنسي المذحجي في منطقة إب، قبل أن يقتل على أيدي القوات الإمامية المرسلة من صنعاء ( ١٨٤٠م) على خلفية مناوئته لنظام الإمامة وانتفاضته ضد تسلط قواها وعساكرها في المنطقة، كما أبدى الشريف حسين بن علي حيدر في المخلاف السليماني وتهامة استعداده في نفس العام لمقاومة الاحتلال البريطاني لعدن، وشارك أفراد من أهالي نواحي تعز في جهود المقاومة وترتيباتها، فقدموا الدعم المادي والعسكري وهيئوا مسرح التدريب القتالي لمواجهة قوات الاحتلال أواخر خمسينيات القرن الماضي وخلال الأعوام الثلاثة الأولى من الستينيات.

كما اتخذ النضال الوطني أشكالا أخرى، توزعت بين الكتابات الصحفية والخطابات الجماهيرية واللقاءات بين قادة الحركة الوطنية وتوزيع المنشورات والملصقات وأعمال الكر والفر في الهجوم على الثكنات والتجمعات العسكرية البريطانية في المدينة، ومن خلال تنظيم المسيرات والانتفاضات الشبابية ومقاطعة بضائع الاحتلال، فكانت ردود افعال سلطات الاحتلال القمع  والتنكيل والتعذيب لقادة وأعضاء فصائل الحركة الوطنية في السجون والمعتقلات. وقد اشتركت في قيادة الحركة الوطنية رموز من كافة التيارات السياسية والحزبية من يسارية وقومية ودينية ومستقلة، تتوجت جهود النضال الوطني بتصدر جبهة التحرير قيادة العملية ومنها انفصلت قوة سياسية ثورية (الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن) على إثر خلافات تنظيمية واختلافات في طبيعة العمل والآليات المتبعة بينها وبين جبهة التحرير أفضت فيما بعد إلى نشوب مواجهات ميدانية بين الطرفين في شوارع عدن، إلى أن تمكنت الجبهة القومية في النهاية من الامساك بزمام العمل الوطني التحرري وقادت فصائل الحراك الثوري إلى مواجهات عنيفة ومتواصلة ضد قوات الاحتلال، نتج عنها اعتراف السلطات البريطانية بالجبهة القومية ممثلاً للجنوب اليمني، فاستلمت زمام القيادة العسكرية والسياسية للبلاد بعد جلاء آخر جندي بريطاني في ٣٠ نوفمبر ٦٧م .

التعليقات (0)