المعرفة التاريخية بين الهاوي والمتخصص

المعرفة التاريخية بين الهاوي والمتخصص ..

د. رياض الصفواني

 أصادف في حياتي اليومية أشخاصاً هواة شغوفين بقراءة الكتب التاريخية، وهذا شيء طيب ولاغبار عليه، ولكن لأن الهاوي غير المتخصص، فإن بعض الهواة حين يطالع كتاباً تاريخيا ما ولاسيماً من الكتب التي تتسم بالسردية التقليدية، أو تلك الصادرة عن ذهنيات غير متخصصة وتجذبه بعض مايرد فيها من معطيات تاريخية وبخاصة في الجانب السياسي - محور تركيز الكثيرين - فإنه يتقبلها بحفاوة بالغة، ويسلّم بصحتها، كحقائق لايأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فيأخذها على علاتها دونما تدقيق وتمحيص كما يفعل المتخصص، وهنا الفرق، وبخاصة إذا ماصادفت هوى في نفسه، أو وجد فيها إجابة لبعض مايعتمل في ذهنه من تساؤلات وقلق معرفي، وتتولد لديه حالة من الرفض لأي معلومة تتأسس على منهجية الشك العلمي للوصول إلى الحقيقة المعرفية، وهي المنهجية التي تشكك في صحة معلوماته التي قرأها، ناهيك عن أن تدحضها جملة وتفصيلا، وهنا مكمن الجناية على العلم وأهله في تصوره القاصر، ولاتلبث أن تنشأ بينك بصفتك المتخصص وبينه كـ هاوٍ خصومة شخصية أو قطيعة، قد يصل معها الأمر إلى التعريض بما تراكم لديك من معرفة منهجية وتخصصية، فيبدو كمن أخذته العزة بالإثم، بعد أن هززت قناعته المعرفية، فيما هو يميل إلى الاستعراض والظهور بماقرأ أمام الآخرين بشيء من الزهو، على طريقة "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ " ! لاسيما إذا وجد من الناس من يتقبل أفكاره ويثني عليها، وينطبق هذا الأمر على من تلقفوا أفكار فاضل الرييعي - وهو من غير المتخصصين في التاريخ - في كتابيه "جغرافية التوراة في اليمن" و"إسرائيل المتخيلة"، القائلة بأن الديانة اليهودية يمنية المنبع والمنبت، وأن أورشليم ليست القدس، وأن القدس في اليمن وليست في فلسطين ..الخ، وهي أفكار لاتنبني على أسس منهجية سليمة، وإنما تستند إلى ماتشابه من مسميات بعض الأماكن في اليمن مع ماورد في التوراة، ووجدت تلك الأفكار مؤسسات ثقافية وإعلامية داعمة ومروّجة لها بوصفها فتوحات معرفية! لأغراض تبدو خارج السياقات المعرفية، فشاعت وتناقلتها الألسن كيفما اتفقَت، وكان لبعض علماء الآثار والتاريخ القديم وقفات علمية فنّدتها وأظهرت تهافتها، وهنا فإن من الأهمية بمكان التأكيد على احترام التخصصات و"أن يعطى الخبز لخبازِه" كما يقال، دون أن يُفهم أن لذلك صلة باحتكار المعرفة أو امتلاكها بنوع من التعالي، فالمعلومة في التاريخ أو في أي فن معرفي متاحة للجميع ولاأبوية فيها أو ادعاء امتلاك ناصية الحقيقة المطلقة، شريطة إعمال العقل فيها، واستحضار مسلّمة أن الحقيقة التاريخية نسبية ظنية، وإن تشربَت بمصادر متعددة ومتنوعة ومتباينة، أكانت معاصرة للحدث التاريخي أو حديثة العهد به، وهذا هو مقتضى المنهج العلمي .

التعليقات (0)