بين ريــاض الرياحيـــن و فتــرة الفوضــى .. (قراءة في المسمى والمعنى)

بين ريــاض الرياحيـــن و فتــرة الفوضــى .. (قراءة في المسمى والمعنى)

د. رياض الصفواني   

في سياق تناوله أخبار ووقائع تاريخ اليمن في النصف الثاني من القرن ١٩م من خلال تحقيقه مخطوطة "رياض الرياحين .. " للمؤرخ محسن بن أحمد الحرازي وصف المؤرخ الدكتور حسين بن عبدالله العمري تلك المرحلة بـ "فترة الفوضى وعودة الأتراك إلى صنعاء"، وقد كان موفقاً في وصفه إلى حد كبير، فقد وضع المسمى الصحيح للفترة التي أرّخ فيها الحرازي لشمال اليمن القاسمي في مخطوطته هذه بين عامي ١٨٥٩ - ١٨٧٢م، والمسماة " رياض الرياحين في أنباء الأولين والآخرين وسيرة أهل البيت الطاهرين ومن عاصرهم من الملوك والسلاطين"، وهو عنوان سجعي مطاطي فضفاض، لايعكس في ظني المحتوى بدقة وعمق وشمول، ويذكرني بكتاب " العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" للعلامة ابن خلدون، مع بداهة الفارق الكبير بين الكتابين والمؤلفين بالطبع، والعنوان يعكس للوهلة الأولى ثقافة مدرسة التراث الإسلامي ومنتسبيها الذين استهوتهم السجع والعناوين الأدبية الطويلة، وكأنهم بصدد تمييز أنفسهم عن غيرهم ومحاولة جذب اهتمام القراء ولفت انتباههم، ولا أعلم أو لا أذكر في الحقيقة سبباً واضحاً أو خلفية معينة لوضع المؤلف الحرازي هذا المسمى لمخطوطته، إذ المعروف معجمياً أن مفردة "رياض" تعني جمع روضة أي حدائق وبساتين، وهو بهذه المفردة يمتدح الأئمة، فهل نفترض أنه أراد بهذا المسمى السخرية والتهكم، وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بعض الشواهد أو لنقُل القرائن التي أوردها المحقق في الفصل الأول من الكتاب، مثل قوله في تعليقه على بيتين شعريين: " ولاندري ما إذا كان البيتان من شعره أم لغيره، لكنهما يعبران ببساطة عن فهم الحرازي العميق أحوال أخريات عصره التي سادها الفوضى والاضطراب وسقطت العلوم والآداب " ص٤٠، والبيتان هما:

إذا أحسست في لفظي قصُوراً

وخطي والبـراعــة والبيــــان.

فلا تعتب لفِهمي إن رقْصي

على مقدار إيقاع الزمـــــان.

وكذلك حديث المحقق على لسان المؤلف - الحرازي - عن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وانقطاع الاستيراد، ونقص المواد الغذائية، وارتفاع قيمتها واضطراب العملة وسقوطها، مع سرد الوقائع المتعلقة بأخبار الأئمة المتصارعين، ثم اختتام حديثه بالقول: " وآراء المؤلف التي لاتخلو من السخرية أو التعليق" ص٤٠.

وهذا التهكم أو السخرية على افتراض صحته يناقض امتداح المؤلف للأئمة في عنوان مخطوطته، إذ أنه يرمي في الأساس إلى الضد من المسمى، استناداً على ما ذكره المحقق، وما زخرت به المخطوطة نفسها من أخبار سوء الأوضاع التي عاش في مناخها المؤلف، ونقل لنا صورة عنها، وهو هنا يعد حالة مرجعية تاريخية، أم أن له مأرب أو مآرب آخرى لم أتبينها في مخطوطته، أو لم أقف عليها في مكان آخر، أو أن ثمة أهداف أخرى .

على أية حال، فإن إطلاله سريعة على الخارطة السياسية والاجتماعية بل العامة لليمن في تلك الآونة تجعل الناظر إليها يلحظ جانباً كبيراً من الانقسام والتشرذم، وهو ما عبّر عنه مسمى أو توصيف كتاب "فترة الفوضى" بدقة، والذي أعد المحقق في القسم الأول منه فصلين عن شخصية المؤلف وعصره وتأليف مخطوطته وعن منهج التحقيق، وفي القسم الثاني سرْد المؤلف لأخبار ووقائع اليمن، بحيث بدت خارطة البلاد مجزأة بين قوى محلية طامحة وأخرى خارجية طامعة، فصنعاء ومحيطها القبلي على وجه الخصوص تتقاذفها الصراعات بين أئمة البيت القاسمي على السلطة من ناحية وبينهم وبين أفخاذ قبائل بكيل وخولان من ناحية ثانية، والمخلاف السليماني (صبيا، ابو عريش، ضمد، جيزان ..) والتهائم من الأجزاء الغربية تتصارع حولها وعليها القوى المحلية من الأشراف الخواجيين من ناحية وقوى النفوذ الإقليمية والخارجية (المد الوهابي وقوات محمد علي باشا) من ناحية ثانية.

أما عدن فـ لجهة أهمية موقعها الجيوستراتيجي وتحكمها بخطوط الملاحة والتجارة الدولية فقد خضعت للاحتلال البريطاني منذ عام ١٨٣٩م، في حين بقيت الأجزاء الغربية والشرقية (المحميات) المجاورة لعدن تخضع لحكم المشائخ والسلاطين المحليين المرتبطين بمعاهدات صداقة ثم حماية مع القوى الاستعمارية، في الوقت الذي كانت تهيمن على مناطق تعز وإب (ماعرف حينها باليمن الأسفل) نقائل القبائل الشمالية من بكيل وخولان، والتي تنازعت النفوذ مع بعض القوى النافذة في بعض مناطق إب.

في ظل هذه الأجواء الملبدة بغيوم الصراعات والاضطرابات والتشرذم، تراخى حبل الأمن، وتأثرت معيشة الناس إلى حد كبير، وتفشت فيهم المجاعة والأوبئة ومات الكثير منهم، وصادف أن شحّت الأمطار وقلّت الزروع والثمار، واضطر بعضهم إلى أكل الميتة كما تطلعنا على ذلك بعض مخطوطات الفترة، وفي مقدمتها مخطوطة الحرازي هذه، وكانت آثار ونتائج كل تلك الوقائع قد أغرت القوى العثمانية بالعودة إلى اليمن وادخالها تحت السيادة العثمانية مجدداً عام ١٨٧٢م تماماً وفق ما عبر عنه مسمى فترة الفوضى وعودة الأتراك إلى صنعاء.

التعليقات (0)