حين تغدو إعادة كتابة التاريخ دعوة حق يراد بها باطل

حين تغدو إعادة كتابة التاريخ دعوة حق يراد بها باطل

د. رياض الصفواني

تتنادى الأصوات بين الفينة والأخرى لإعادة كتابة التاريخ وتصويب مساره، وهي دعوة حق إن لم تكن مبطنة بالنفعية الفردية أو الجماعاتية الخاصة، ذلك أن التاريخ صنعة بشرية، موضوعه الإنسان فكراً وسلوكاً، ولأن التاريخ أشبه بخِضَم تسير فوق مسطّحه سفن أجناس مختلفة من البشر، فهو بالبداهة لايعكس مشرباً ثقافياً واحداً وجامعاً، بل تتعدد مشاربه وتتنوع صيغه ومساراته بتعدد وتنوع طبيعة تفكير صانعوه وتنوع وتباين مقاصدهم، ومن هذه الزاوية فهو لايلبي حاجة محددة في نفس (يعقوب) من الناس، ولايخدم فكرة أو أيديولوجية جماعته، وفي هذه الحالة يجد التاريخ نفسه قابعاً في قفص الاتهام تتناوشه الأهواء وتنهش في لحمه المشاريع الخاصة، فلا يلبث أن يُتهم بالتضليل والتزييف وقلب الحقائق، وتتعالى الأصوات إلى إعادة النظر فيه وتقويمه وتصويب مساره، فتغدو هنا دعوة حق يراد بها باطل. ولاشك أن هناك من الوقائع والسياقات التاريخية ما تتطلب قراءة منهجية جديدة تعيدها إلى نصابها الصحيح، لكن الأصوات النفعية هنا لاتريد للحقيقة التاريخية أن تبلغ منتهاها، أكانت لهذه الأصوات أم عليها، وإنما ترغب في تصويب ماتراه من وجهة نظرها غير صائباً من وقائع ومسارات التاريخ وتجييرها صوب هدفها الخاص، وكأن هذا التجيير لايعد تزييفاً وقلباً للحقائق بل هو عندها الحق الذي لاتشوبه شائبة، ثم يأتي بعدها من ينسف التاريخ السابق ويطالب بإعادة قراءته وتصويبه بما يخدم مقاصده كما فعل من قبله، وهكذا تبقى الحقيقة التاريخية رهينة أهواء وأمزجة هذا أو ذاك، إن شاء قبلها وإن شاء رفضها، وإن شاء اجتزأها أو اختزلها أو وسعها أو ضيّقها أو شكّلها وفق مقاسات رغباته، فتبدو كصنعة أو سلعة تجارية تخضع لقانون العرض والطلب.!!

التعليقات (0)