عن الحيـاد والانحيـاز في الكتابة التاريخية .. (المطهر الجرموزي و يحيى بن الحسين - أنموذجاً)

عن الحياد والانحياز في الكتابة التاريخية

(المطهر الجرموزي ويحيى بن الحسين - أنموذجاً)

د.رياض الصفواني

يعد الحياد في الكتابة التاريخية مرتكز أساسي من مرتكزات المنهج العلمي التاريخي. ومن نافلة القول إنه لايعد الباحث باحثاً مالم يكن متصفاً بقدر عالٍ من الحياد العلمي ومجانبة الأهواء والميول الخاصة، والقول بتحقق قدر عالٍ من الحياد العلمي ينطوي على معنى ومرادف الموضوعية، التي من طبيعتها أنها نسبية، تماماً كـ نسبية الحقيقة التاريخية التي يتوصل إليها الباحث المحايد في خاتمة بحثه، وذلك لأن الإنسان بطبيعته المفطور عليها تتجاذبه أهواء مختلفة، وتتنازعه ثنائية الخير والشر، والحب والبغض، وكل مافي حكمها أو يوازيها من ثنائيات متعارضة أو متناقضة.

وانطلاقاً من هذه المسلّمة في الطبيعة البشرية نستطيع من خلال إعمال العقل في الكتابة التاريخية أن نميز بين أنماط مختلفة من هذه الكتابة، وتقييمها والحكم عليها منهجياً، فإما أن تنحاز تلك الأنماط الكتابية إلى الحقيقة العلمية النسبية بنسبة عالية من الحيادية، وإن صادمت تلك الحقيقة مسائل معينة كـ قناعة شخصية، أو لامست خطاً سياسيا سائداً، ًأو أيديولوجيا محددة، أو عصبية أسرية أو قبلية، أو جهوية، أو حزبية، أو أن تميل إلى تغليب مسألة من هذه المسائل أو أكثر فتتناغم تلك الأنماط معها أو تصطبغ بها، ومن ثم تفقد علميتها، وتجنح إلى محاولة ليْ عُنق الحقيقة أو تجييرها على أي صفة وماهية كان هذا التجيير .

ولأن الحياد في الكتابة التاريخية عنصر نسبي غير مطلق، وبالأخص من جانب المؤرخين التقليديين غير المتسلحين بالقواعد المنهجية التي يتسلح بها الباحث المعاصر، أو ينبغي له أن يتسلح بها، فسأكتفي هنا بإيراد شاهديْن بارزين من مؤرخي اليمن في القرن السابع عشر الميلادي كأنموذج، عاصر أحدهما الآخر، واختلفا في النظر إلى الوقائع التاريخية، وتقييمها، وفي منهجية صياغتها وفق نظرتيهما المتغايرتين مع كونهما ينتميان إلى أصول ثقافية دينية واحدة ، أحدهما يمكن تصنيفه بأنه من صنف المؤرخين المنحازين إلى الحكام، ومن المنتمين وظيفياً إلى المؤسسة السياسية والفقهية الحاكمة، والآخر من صنف المؤرخين المحايدين، من خارج المؤسسة الحاكمة. النموذج الأول يمثله المؤرخ المطهر بن محمد الجرموزي (تـ ١٠٧٦هـ/١٦٦٥م) أحد أبرز مؤرخي الإمامة القاسمية وكاتب سيَر ثلاثة من الأئمة على التوالي: الإمام القاسم بن محمد (تـ ١٠٢٩هـ/ ١٦٢٠م) مؤسس حكم الإمامة القاسمية وابنيه: المؤيد محمد بن القاسم (تـ ١٠٥٤هـ/١٦٤٤م) والمتوكل إسماعيل بن القاسم (تـ ١٠٨٧هـ/١٦٧٦م )، وقد وضع الجرموزي لكل إمام سيرة تاريخية سياسية خاصة به وفق منهج الكتابة السردية الحولية، غلب على جانب كبير منها الانحياز لإمام العصر، وذلك من خلال التسويغ لسياسات الأئمة وإضفاء المشروعية الفقهية (السياسية) الهادوية عليها، واستمد ذلك التحيز حضوره من خلفية قرب المؤرخ من بلاط الأئمة، وعلاقته المباشرة بهم، وتوليه وولده مناصب إدارية في ظل حكمهم، فقد تولى المطهر الجرموزي وولده ولاية عتمة شطراً غير محدود من الزمن، فضلاً عن كونه من المنتمين إلى البيئة الجغرافية وإلى التصور الديني (المذهبي) والسياسي للأئمة، ورغم غلبت الانحياز إلى صف الأئمة في سرده لمعظم وقائع ومجريات حكمهم، إلا أن الغوص عميقاً في ثنايا سطور كتاباته وسبر أغوارها، ومن بينها على سبيل المثال كتاب "تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من غرائب الأخبار" تجعل الباحث المتمعن في تاريخ الفترة يقف على ملامح عامة من طبيعة العصر وظروفه وملابساته وثوابته ومتغيراته، لترتسم في أفقه الذهني صورة واقعية مقاربة إلى حد ما للزمان والمكان والمجتمع من جوانب مختلفة .

أما الشاهد الثاني المتمثل بالمؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم (تـ ١١٠٠هـ/١٦٨٧م)، فعلى الرغم من أنه سليل أسرة آل القاسم، إذ يعد حفيد مؤسس الأسرة القاسمية: الإمام القاسم بن محمد (ت ١٦٢٠م)، إلا أنه - ومن خلال الوقوف على سيرته - قد آثر أن يكون خارج مؤسسة الحكم، زاهداً في المناصب، يرقب مظاهر سياسات أعمامه الأئمة وأولادهم الأمراء (مراكز القوى) وتأثيراتها المجتمعية، ويعمل على نقدها وكشف قصورها أو جموحها، وتتبع مواطن إخفاقاتها، وبيان تبعاتها وتصويب ماأمكنه منها، وتقديم المشورة عند الحاجة إليها، مضمنا كل ذلك في كتبه، وأبرزها سِفره التاريخي المسمى بهجة الزمن في تاريخ اليمن، الذي يعد مصدراً مهماً من مصادر جلاء واستقراء وقائع القرن السابع عشر الميلادي، وقد ضمّن كتابه المشار إليه الكثير من الآراء الفكرية والفقهية المبنية على استدلالات من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، لمعارضة بعض مظاهر سياسات الأئمة  وبيان تهافتها، وتفنيد أسسها ومسوغاتها غير الشرعية، والتي دلت معارضاته وتفنيداته على ذهنية متقدة، وإحاطة واسعة بأصول الدين والفقه وماعُرف بـ علوم الآلة وهي العلوم اللغوية التي يُتوصل بها لاستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، مع شيء من الإلمام بأصول وفروع علم الكلام الفلسفي المعتزلي.

وثمة نماذج لمؤرخين تقليديين وباحثين معاصرين كثُر تفاوتت نظرتهم إلى الأحداث التاريخية وتباينت مواقفهم منها وطريقة صياغتهم لها، كانعكاس لتباين ميولهم وتوجهاتهم السياسية، أو الحزبية، أو القومية، أو الإقليمية والقُطرية المعاصرة، أو غير ذلك من أشكال وتجليات الحياة الثقافية والسياسية السائدة في الواقع العربي الحديث أو المعاصر.

وبالنتيجة فإن مسألة الحياد في بحث وقائع وظواهر التاريخ وقراءتها وتفسيرها، والتجرد للحقيقة التاريخية النسبية كيفما كانت وفق ظروف ومعطيات الزمان والمكان تعد ركائز أساسية من ركائز المنهج العلمي التاريخي التي لامندوحة عنها.

مداخلة ضمن حلقة نقاشية نظمها منتدى المؤرخين العرب عام ٢٠١٧م عن المنهجية العلمية في الكتابة التاريخية.

التعليقات (0)