المستبد العادل .. محاولة لفهم المصطلح ومقاربته تاريخيًا من خلال نموذج الأفغاني والكواكبي

المستبد العادل

محاولة لفهم المصطلح ومقاربته تاريخيًا من خلال نموذج الأفغاني والكواكبي

د. رياض الصفواني

قرأتُ مصطلح المستبد العادل لأول مرة في مقرر «فكر عربي حديث» حين كنت طالبًا في مرحلة الدراسة الجامعية، وقد شدني المصطلح حينها وحاولت مرارًا التعرف عليه وإدراك كُنهه، ووجدت في نفسي مؤخرًا رغبة لكتابة شيء مما فهمته عنه. ومن خلال مطالعة ما تيسر لي من الأدبيات الفكرية عرفت أن ظهور المصطلح كان في أوروبا القرن ١٨م (قرن الاستنارة الفكرية)، في عهد الملك «فريدريك الثاني» ملك بروسيا على أرجح التقديرات، ثم تسرب من أوروبا إلى الشرق الإسلامي خلال القرن ١٩م على أيدي بعض الدارسين العرب في الجامعات والمعاهد الأوروبية، وورد في أعداد من جريدة «العروة الوثقى» الأسبوعية، المنبثقة عن جمعية العروة الوثقى التي أنشأها جمال الدين الأفغاني (ت ١٨٩٧م) وتلميذه محمد عبده في باريس عام ١٨٨٤م، وهما علمان بارزان من أعلام النهضة والتجديد في الفكر الإسلامي الحديث، وقيل إن عمْر الجريدة لم يزد عن ستة أشهر، إذ صدر العدد الأول منها في الأسبوع الأول من شهر مارس وتوقفت عن الصدور في أغسطس من نفس العام.

وقد تحمّس الأفغاني للمصطلح آنذاك، واحتفى به الشيخ محمد عبده، وعمل الأفغاني على توظيف مفهومه سياسيًا لتعضيد سلطة السلطان عبدالحميد الثاني (١٨٧٦ - ١٩٠٩م) الذي ربطته به صلات طيبة عكست حالة من تماهي العلاقة بين المثقف ورجل السلطة، وتعزيز فكرة الجامعة الإسلامية التي تبناها الأفغاني ودعا من خلالها الشعوب العثمانية المسلمة إلى التوحد تحت راية السلطان العثماني، لمواجهة التحديات المختلفة التي تعصف بالدولة، منها التصدي للاحتجاجات المتنامية في أوساط الأقليات غير المسلمة في البلقان وشبه جزيرة القرم، وقد ساد اعتقاد حينها بأن تلك الاحتجاجات ستفُت في عضد الدولة وتعمل على خلخلة أركانها، وتضعف بالتالي جبهة مواجهة الأطماع الأوروبية المحدقة بالشرق، والتي أخذت تتنامى إبان الاحتلال البريطاني لمصر عام ١٨٨٢م، وقبلها احتلالها عدن عام ١٨٣٩م ثم أجزاء من الجزيرة العربية، واحتلال فرنسا للجزائر عام ١٨٣٠م ثم لتونس عام ١٨٨١م، وكسب جولات الصراع مع القيصرية الروسية التي مدت بصرها مرارًا صوب المياه الدافئة والتحكم بمضائق البسفور والدردنيل، وأمام تلك المخاطر والتحديات رأى الأفغاني - على نحو ما نفهمه من إقراره الضمني باستبداد السلطان عبدالحميد وتبريره ذلك الاستبداد - أن الشعوب المسلمة بحاجة إلى سلطان قوي مستنير يذود عن حماها في الخارج ويضبط أحوالها في الداخل، ويحول بينها وبين الوقوع في أتون الفوضى والفتن، وسيفضي هذا بطبيعة الحال إلى اصطدام المصطلح بمفهوم «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» للمفكر العربي القومي عبدالرحمن الكواكبي (ت١٩٠٢م)، الذي ناهض الاستبداد ممثلًا بالمؤسسة العثمانية الحاكمة وشخّصه كـوباء خطِير ينهش في جسد الأمة، فهو عنده «أصل انحطاط الشعوب وتخلفها، وأعظم مظاهره -في تصوره- هو استبداد الحكومات»، وبيَّن الكواكبي مثالب الاستبداد وفساد غاياته ووسائله، مؤكدًا على أن «دواء الاستبداد السياسي هو الشورى الدستورية»، وقد كان محقًا ولاريب في تشخيص داء الاستبداد وبحث أسبابه ومضاره وبيان كيفية مداواته، مع إدراكه لحجم المخاطر التي تتهدد الدولة العثمانية، والتي قد لا تبرر في تصوره نزوع السلطة الحاكمة للاستبداد كما يُفهم من سياق تقريعه الشديد لظاهرة الاستبداد ورفضه القاطع ممارسته على أي نحو كان، وذلك على العكس من موقف زميله الأفغاني، وقد بدا أن كلًا منهما ينطلق من رؤية (أيديولوجية) مختلفة ومتعارضة، وإن لم يصل التعارض بينهما إلى التصادم الذي قد يُلحظ من خلاله تسفيه الفكر والحط من شأن صاحبه، الأمر الذي يعكس أعلى درجات الرقي في الوعي، فالأفغاني مهندس فكرة الجامعة الإسلامية ورديفتها الرابطة العثمانية، في حين أن الكواكبي أحد كبار رموز فكرة القومية العربية الداعي إلى إحياء الدور الحضاري العربي وإعادته إلى الواجهة، واستعادة الحق العربي في قيادة الأمة وسياستها وهي الفكرة التي ضمّنها كتابه «أم القرى»، وذلك لا يتأتى في تصوره -كما نفهم من مطارحاته الفكرية- بدون استنهاض الوعي في العقل الجمعي للأمة، ومن شأن هذا الوعي أن يبلور صيغةً عملية مقبولة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكومين في سياق عقد اجتماعي (والكواكبي هنا يستحضر نظرية العقد الاجتماعي لجون لوك، أحد أهم المفكرين الغرب)، يصون هذا العقد حقوق الطرفين ويؤكد واجبات كل منهما تجاه الآخر، وذلك من شأنه أن يعمل على تعطيل مفهوم الحاكم المستبد العادل بل لعله ينسفه نسفاً، فلا يمكن بمقتضى الإنسانية والمنطق والشرع أن تستقيم فضيلة (العدل) مع رذيلة (الاستبداد)، فكلا المفهومين نقيض للآخر أو معارض له في المعنى والتطبيق.

وبشيء من إعمال النظر في فكرة المستبد العادل في واقع الممارسة يبدو للوهلة الأولى أن الفكرة تتخذ منحى تبريريًا لسياسة الحاكم المستبد، تنطوي على إكراه المحكومين على قبول استبداده، كاستجابة تقليدية للمعتقد التراثي الجبري «سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم»، «… أطعه وإن أخذ مالك وجلد ظهرك»، «أطعه مالم يأمر بكفر بواح». معتقدٌ تجاوزه الزمن، بالنظر إلى تطور الفكر السياسي العربي الإسلامي وحداثته ووقوفه على قواسم مشتركة مع بعض مبادئ الفكر السياسي الغربي الذي دعا الأفغاني نفسه - وهي مفارقة مهمة - إلى التصالح معه واقتباس ما يلائم واقع المسلمين السياسي والحضاري منه دون أن يلغي هذا الاقتباس خصوصيتهم، وتبدو المقولة من ناحية أخرى مشرعنة لحكم «الغلبة» كظاهرة سياسية يعاني منها العرب حتى اليوم بما هي عليه من مساوئ سياسية ومفاسد أخلاقية. كما تُفهم الفكرة في سياق آخر أنها صورة من صور التهرب من استحقاق الأمة (على ثقل وزن اللفظة وسعة مدلولها) في العيش تحت ظل حاكم عادل - أو إن شئنا نخبة سياسية عادلة - تتجسد في حكمه اليوم قيم الشورى والديمقراطية والمساواة والتداول السلمي للسلطة، بوصف الأمة مصدر السلطة.

وكلا الرجلين (الكواكبي والأفغاني) من بيئة إسلامية واحدة وإن تباين كل منهما في زاوية النظر لتطبيق فكرة المستبد العادل، كما أنهما ينتميان إلى زمن وظروف وأصول ثقافية مشتركة أو هي متقاربة إلى حد كبير.

الخلاصة أن تطبيق مفهوم المستبد العادل في واقع العرب الراهن كنموذج أمثل يعد مصادرة لحقوق الأمة في اختيار من يحكمها وصياغة عقد اجتماعي يحدد علاقتها به، ومصادرة لحقها في محاسبته وتقويمه، ومشاركتها له في القرار، ويفتح آفاقًا واسعة لدكتاتورية الحاكم وشموليته، وإن بدا في الظاهر أن تطبيق المفهوم يحول دون انقسام الناس وتشتتهم ويمنع فوضى التنافس والنزاع على الحكم.

التعليقات (0)