عن علم التاريخ والعلوم المساندة

عن علم التاريخ والعلوم المساندة ..

د.رياض الصفواني

التاريخ علم، موضوعه الإنسان فكراً وسلوكاً، وهو بمعنى من معانيه المترادفة وعاء يستوعب كل تجارب الإنسان الماضية في سائر جوانب حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والفكرية والفنية، ولايستغني عنه علم من العلوم التي تختص بدراسة تلك الجوانب نظرية كانت أم تطبيقية، لأن لكل علم تاريخ، والمقصود هنا توقيت البداية، فالطبيب قبل أن يشخص حالة المريض يسأله أولاً متى كانت بداية مرضه؟ وهناك مايسمى "التاريخ المرضي". كما أنه لاغنى للتاريخ بصفته العلمية عن كل تلك الجوانب، فهي روافد تصب في حوضه العميق ويفيد منها المؤرخ كعلوم مساندة، فعند دراسة ظاهرة الهجرة الداخلية أو الخارجية تاريخياً يأتي العامل الاقتصادي في مقدمة الأسباب، وعند الوقوف على أسباب الهزائم والانتصارات العسكرية يؤخذ العامل الجغرافي بعين الاعتبار، وعند التأمل في طبيعة الانقلابات العسكرية وغير العسكرية فإن الجانب السياسي لايمكن إغفاله، وعند التأريخ للفرق والمذاهب والتيارات والحركات الدينية وغير الدينية فإن للبعد الفكري حضوره المؤسس والحاضن الذي لايمكن تجاهله . والمشتغل في العلوم النظرية الحديثة يرجع إلى التاريخ ليفيد منه في معرفة البداية الزمنية للفكرة أو الإشكالية العلمية التي يدرسها، ويمكنه أن يقتبس من معطياته أو بعض سياقاته مايدعم فكرته أو جزئية من جزئياتها، وذلك إما ليثبتها - وهو الغالب - أو ينفيها ويأتي بسواها. وهنا الفرق بين المؤرخ وغير المؤرخ، فالمؤرخ مطالب منهجياً بأن يتحرر من أحكامه المسبقة، وألا يحاكم الماضي بمقاييس ومعايير الحاضر بل بمقاييس ومعايير الماضي نفسه، وذلك لاختلاف الزمن وأدواته ومتغيراته، ويدعوه لأن يتقمص شخصية العصر ويعيش التجربة، ويحاول أن يغوص في أعماقها كيفما كانت لاكيفما يريد لها أن تكون، فهو بإعمال ذاكرته وخياله (الواقعي) يرسم في الخلاصة صورة مقاربة لحقيقة ما كان عليه حال الإنسان في الماضي إلى حد بعيد، ليطلع عليه الحاضر ويستوعبه ويفيد منه في معالجة إشكالاته وبناء واقعه والتخطيط السليم لمستقبله.

التعليقات (0)