في المؤرخ والمنهج العلمي ..

في المؤرخ والمنهج العلمي ..

د. رياض الصفواني

يحدث على مر التاريخ وفي مختلف المجتمعات أن القوة التي تتربع على عرش السلطة السياسية بأشكال مختلفة سواء بثورة أو انقلاب أو تحت أي مسمى وتوصيف تصوغ لها تاريخاً هو أقرب إلى المثالية (الطوباوية) منه إلى الواقعية الحقيقية، وقبله أو بالتزامن معه هدم ممنهج لتاريخ السلطة التي سادت قبلها، وقد يصل بها الأمر إلى شيطنتها، محاولة بذلك تسويغ حكمها واستدرار عواطف الجماهير للالتفاف حولها، وتسخيرهم لكل مامن شأنه أن يخدم تطلعاتها ويطيل أمدها في السلطة، ولاسيما في مجتمعاتنا العربية الأقل وعياً التي يسهل تطويعها بأقل جهد وبأقرب وسيلة متاحة، وفي الصدارة منها الوسيلة الدينية (التوظيف السياسي للدين)، وهنا يأتي دور المؤرخ المحترف المسلح بالمنهج العلمي، الذي يضبط بوصلة الحقائق التاريخية ويقوّم المسار التاريخي المعوج، ويعطي كل حدث حقه دون زيادة أو نقصان وفق مقتضيات الزمان ومعطيات المكان دون أن يُسقِط عليها مفاهيم أيديولوجية فكرية سياسية شائعة في زمنه، كشرط أساسي من شروط المنهج العلمي الذي يعمل في ضوئه، ذلك المؤرخ الذي ينتمي عمله بصورة ما إلى حقل القضاء، وذلك لجهة النظر إلى الوقائع كقضايا تاريخية تتطلب دراسة معمقة وإحاطة شاملة لجزئياتها وحيثياتها المختلفة المتناثرة أمامه وتمحيصها ومقارنتها مع بعضها البعض ثم استخلاص الحكم منها، وهو حكم قابل للاستئناف أو النقض وفق مايستجد من براهين تاريخية، فلا يعتد المؤرخ بالتاريخ الرسمي وهو الغالب بمقتضى فرضية أن "التاريخ يكتبه المنتصر"، إن كنا لازلنا نعدها فرضية وتحتاج من ثم إلى اختبار وتحقيق، ولايعتد أيضاً بالتاريخ الشعبي الذي على صغر مساحته يبحث له عن موطئ قدم بعد أن احتل التاريخ الرسمي معظم المساحة، بل يتناول المؤرخ بالتأمل العقلي والتحليل العلمي جوانب مختلفة ووجوهاً شتى للواقعة أو الظاهرة التاريخية، ليصل بعد استبعاد مالايتوافق مع الواقع والمنطق السليم من خرافات وأساطير وأهواء ونوازع شخصية وتهويل أو تضخيم للحوادث والمواقف والأدوار - وهنا يتبدى الحس التاريخي الثقافي للمؤرخ - إلى الربط بين أجزائها وتركيبها بصورة تعكس مهارة إبداعية (فنية) بغية مقاربة حقيقة صورتها التي كانت عليها في زمنها ومكانها المحددين، وهي مهمة شاقة لاشك، لكنها أمانة ومسؤولية إنسانية أدبية وعلمية معلومة من العلم بالضرورة.

التعليقات (0)