موقف اتحاد المؤرخين العرب من منهج التاريخ العربي ومفرداته خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين

موقف اتحاد المؤرخين العرب من منهج التاريخ العربي ومفرداته خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين

(دراسة تاريخية)

د. رياض الصفواني

يرى اتحاد المؤرخين العرب أن مفردات التاريخ العربي في كل المراحل التاريخية القديم منها والوسيط والحديث والمعاصر قد لحق بها الكثير من الدس والتشويه والمغاطات والقراءات المغرضة، التي تعكس صورة الأنا والآخر في الذهنية الغربية ممثلة بالقوى الصهيونية والاستعمار والشعوبية (الفارسية) والمستشرقين العاملين في حقولهم، وتبرِز توجهاتها الممالئة للتراث العربي بكل تكويناته الدينية واللغوية والعلمية والفلسفية والتاريخية والفلكية والفنية وجميعها تتحد في مساقات إنسانية، تتبلور من مجموعها الخصوصية الحضارية للأمة العربية والإسلامية، مع عدم إغفال المشتركات الحضارية بينها وبين سائر الأمم والمجتمعات الإنسانية، من منطلق أن لكل حضارة خصوصية تعكس خصوصية بيئة وثقافة المجتمع الذي كوّنها وتعبر عنه، وأن لهذه الخصوصية مشتركات ينتظمها عُقد من الحضارات العالمية بوصفها منتَج إنساني.

ويقصر الاتحاد موقفه من مفردات التاريخ العربي على دور الاستشراق كنموذج في تشويه ذلك التاريخ في سياق تنفيذ الأهداف الاستعمارية في المنطقة، وقد عبر عن هذا الموقف أمين عام الاتحاد الدكتور مصطفى عبدالقادر النجار بقوله: "… نؤمن بأن دوافع هؤلاء المستشرقين لم تكن كلها علمية خالصة، وأن البعض منهم ينظر إلى تاريخنا من غير نافذة العلم، ويحاولون أن يفسروا التاريخ العربي بنظرة أحادية الجانب، وينظروا إلى صورته نظرة يعوزها الإنصاف والصدق"، ويستشهد بموقف الدكتور خليل سمعان من الاستشراق والمستشرقين قائلاً: "ويترك لنا الدكتور خليل سمعان الأستاذ بجامعة بنكمثن في ولاية نيويورك وصفاً طريفاً لمفهوم الاستشراق والمستشرقين حينما يستفسر عن مفهوم الشرق في نظر الأمريكان، فيذكر لماذا تعد آسياً شرقاً وهي تقع في غرب أمريكا، ولماذا تعد أوروبا غرباً وهي تقع إلى شرق أمريكا، ويستنتج أن أسلوب ذلك عنصرية، عملت على ظهورها الصهيونية، وأن المستشرقين يهملون في كتاباتهم الدوافع الذاتية لحركة تاريخ الأمة، ويؤكدون على العلاقات الخارجية، ويصورون التاريخ العربي على غير حقيقته، ويفسرون أحداثه وفقاً لأهوائهم وفهمهم الخاطئ"، وعلى أهمية هذا الاستنتاج ومنطقيته فإنه يفتقر إلى السند العلمي الذي يعززه، الأمر الذي يقتضي منا البحث عن أمثلة تجلي حقيقته وتوسع أفق النظر إليه، وقبل ذلك تحديد مفهوم الاستشراق، وبداياته، ومؤسساته، فالاستشراق ينطوي على تعريفات عديدة بعضها مسهب والبعض الآخر مقتضب، لكنها في الخلاصة تعني حركة أو تيار أو مدرسة غربية تعنى بكل ماهو شرقي من تراث ديني، وفكر، وعلوم، وآداب، وتاريخ، وفنون، وعادات، وتقاليد، وجغرافية، وسياسة، واجتماع، واقتصاد، ويتسع مجال اهتمامات الاستشراق ليشمل جغرافياً الشرق الأدنى بجناحيه الشرق الإسلامي والغرب الإسلامي (شمالي أفريقيا)، وهو مايعنينا هنا بالتحديد، ثم الشرق الأقصى البعيد عن مجالنا، وفي تحديد البدايات الزمنية لنشوء الاستشراق نجد تعدد وتباين في وجهات النظر لدى كثير من المؤرخين، فمنهم من يرجعه إلى بداية القرن العاشر الميلادي (فترة الحروب الصليبية)، وهي بداية اتصال الغرب الأوروبي بالشرق الإسلامي، أو هي المحطة الأولى في علاقة الغرب بالشرق، ليس على مستوى الحروب التي شنتها الكنيسة الغربية على العرب والمسلمين ومقدساتهم، بل من ناحية الإفادة من علوم المسلمين وحضارتهم التي بلغت آنذاك أوج ازدهارها مقارنة بتخلف الغرب القروسطي، فعمل الأوروبيون في تلك الأثناء على نقل تراث العرب والمسلمين إلى الغرب وترجمته وتحقيقه، ومنهم من أرجع ظهوره إلى القرن الخامس عشر الميلادي، أي عصر النهضة الأوروبية والكشوف الجغرافية وبداية انطلاقة الحركة الاستعمارية، وآخرون يرون أن بدايته كانت في القرن التاسع عشر الميلادي، وهو قرن صعود الامبريالية الأوروبية واحتلال مناطق من الشرق الإسلامي، والتدخل بما بات يعرف في الأدبيات التاريخية بالمسألة الشرقية كعنوان ومسمى يختزل في طياته الدولة العثمانية وأوضاعها والأقاليم الإسلامية التابعة لها، وأنشئت في العديد من دول أوروبا في هذا القرن المدارس والمعاهد والكليات المتخصصة بالدراسات الشرقية، وتأسست في بعض الدول الأوروبية الجمعيات العلمية للدراسات الشرقية، منها الجمعية الآسيوية الملكية في انجلترا، والجمعية الآسيوية في فرنسا، والرابطة الألمانية للدراسات الشرقية، وعُقدت في بعضها مؤتمرات دولية للمستشرقين، وساهم فيها للمرة الأولى - وفق البعض - علماء عرب وأتراك عثمانيون.

 وأياً كانت البدايات الأولى لنشأة الاستشراق ونشوء مؤسساته، فإن مايهمنا أكثر هنا هو معرفة طبيعة أعمال المستشرقين ووجهتها التي عكست نظرتهم وموقفهم من الشرق بكل ماحواه من عناصر تتصل بكافة شؤون تاريخهم وحضارتهم وتراثهم، والتي جُيّر جانب كبير منها وُوظف لخدمة أهداف الكنيسة ثم الحركة الاستعمارية، فانطلقت تفسيرات تيار من المستشرقين تنال من التاريخ العربي الإسلامي، وتدعو إلى تبني هذه التفسيرات بوصفها تفسيرات صحيحة بزعمهم، متخذين من الظاهرة الشعوبية ومن المذاهب الغربية المادية المجسدة للنظرية الماركسية حول صراع الطبقات، ومن الميل إلى العنصرية الصهيونية منطلقات في قراءاتهم وتحليلهم للعقلية العربية الشرقية، والهجوم على البنية القومية العربية ومكوناتها التراثية، واللغوية، والتاريخية، والجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، والنص التالي المؤرخ في عام ١٩٧٤م لأستاذ جامعي أمريكي يطلعنا على منهجية بعض المستشرقين الغربيين الصهيونية في تعاطيها مع الدراسات المتعلقة بالشرق، خدمة للأهداف الصهيونية والأمريكية: " وقد كان لهذه الهيمنة الصهيونية العلمية على الدراسات العربية في أمريكا أثرها الواضح في السيطرة على ماينشر من دراسات وبحوث ودوريات وتنظيمات مهنية، فقد أصدر هؤلاء عدداً كبيراً من الدراسات والكتب التي يظهر للجاهل تقيدها بالعلمية إلا أنها تشوه التاريخ والواقع العربي، وتسيء إلى النضال العربي في سبيل التحرير، وتتستر بهذا اللباس العلمي لإرسال جواسيس وعملاء لأجهزة الأمن الأمريكي والإسرائيلي لإجراء دراسات ميدانية في مختلف البلاد العربية، هناك حقائق مذهلة كثيرة يحسن بالمسؤولين العرب أن يتابعوها ليتمكنوا من التمييز بين العلم الشرعي النزيه الذي يقوم به بعض الأساتذة الأمريكيين، وذلك الذي يقوم به الطلبة والأساتذة بدافع الأمن والسيطرة الأمريكية"، وكاتب النص هنا يميز بموضوعية بين نمطين من الدراسات الاستشراقية، أحدهما علمي نزيه - كما سنشير إلى ذلك في السياق - والآخر موجَّه، والمستشرق بحسب وجهة نظر البعض "كان دائماً إما المستكشف الطليعي الذي يخدم الاستعمار ويمهد له الطريق، وإما الحليف والمستشار التقني للتاجر الأوروبي أو للسياسي الأوروبي، أو للمستغل الغربي".

إن التوسع المهيمن للغرب قد أثار - برأي أحد الدارسين - دراسات وأبحاث تهدف إلى تنظيم الإدارة الاستعمارية، وترتيب شؤون الاستعمار حتى ولو اتخذت صفة الموضوعية، " ثم كانت تنضج بشكل غامض بنوع من النظرة التصغيرية والتبخيسية للإنسان المحلي - أي للمستعمَر"

وفي هذا الصدد يرى المفكر "عزيز العظمة" أن الاستشراق هو عبارة عن نمط من أنماط الإدراك والتصور وليس سجلاً من سجلات المعرفة، ويتعين وفق لذلك نزع الصبغة التاريخية عنه لعدم نزاهته المعرفية، وهو في نظر" إدوارد سعيد" - صاحب كتاب الاستشراق وأطروحات نقد الاستشراق- عبارة عن معطى دائم للعقل الأوروبي، يتكرر بنفس الشكل عبر القرون والعصور من "هوميروس" إلى المستشرق المعاصر "غوستاف فون" مروراً بـ " دانتي" و " فلوبير" و"كارل ماركس".

وفي معرض تفكيكه لخطاب الاستشراق يؤكد إدوارد سعيد أن خطاب الاستشراق تتسيده بنية من المواقف التي لايمكن استبعادها أو غض النظر عنها، " وأن جهاز تجمع المستشرقين له تاريخ نوعي في التواطؤ مع السلطة الإمبريالية، الأمر الذي سيكون من قبيل التفاؤل المفرط أن نعتبره غير وارد". ومن النماذج الأخرى على هؤلاء المستشرقين "جاك رسل"، و" أرنست رينان" و " نولدكه"، و" فلهاوزن" و " برنارد لويس"، وآخرون كثُر لايسع المقام لسرد أسمائهم وأعمالهم.

وقد أورد الدكتور النجار موقفه هذا الذي لخص من خلاله موقف الاتحاد بعد أن أشاد - وبروح من الإنصاف - بدور المؤرخين الأجانب " الذين كتبوا في التاريخ العربي والإسلامي، والذي ظل محصوراً في أيديهم إلى وقت قريب، فهم الذين تنبهوا بفعل السبق الذي أحرزوه لاستنباط الصناعة التاريخية والأسلوب العلمي عموماً لمصادر تاريخنا قبل أن ننتبه نحن إليها، فأقبلوا على اقتنائها بشتى الطرق والأساليب، وعلى جمعها وحفظها في مكتباتهم ومتاحفهم، حتى غدت تلك المؤسسات الأجنبية زاخرة بنفائس المخطوطات وأمهات المصادر، التي لاغنى للمؤرخين العرب عن الرجوع إليها، كما أنهم عمدوا إلى تنظيمها وإعداد فهارسها لإرشاد الباحثين إليها، ونشروا العديد منها نشراً علمياً ًحسب قواعد الصناعة التاريخية، ثم قاموا بنشر أبحاثهم التاريخية، وثبتوا نتائج تلك الأبحاث في كتبهم والمجلات التاريخية المتخصصة التي أنشأوها لهذا الغرض، فبرز منهم علماء مستشرقون، احتلوا مكانة مرموقة في عالم التاريخ العربي، الذي غذوه بنتائج أبحاثهم وتحقيقاتهم، ولايزال تأثيرهم بارزاً في الوطن العربي حتى الآن، ولايزال يقَر لهم باختصاصاتهم المتميزة"، وبرغم وجاهة هذا القول فإن إيراده دون سند علمي يبقيه في دائرة القول المجرد، وهو أمر يدعونا إلى استقصاء بعض الأمثلة والوقائع، لتوضيح أهمية الدور الذي لعبه عدد غير محدود من المستشرقين في كشف وإبراز جوانب عديدة من تاريخنا العربي الإسلامي، وهو دور لايمكن تجاهله أو نكرانه، فقد أنفق العديد منهم شطراً كبيراً من وقته وجهده لغاية معرفية بحتة، يدفعهم إلى ذلك الرغبة الجادة في تقصي أحوال العلم وارتياد المجهول المعرفي، فكان لهم الفضل في الكشف عن التراث وإحيائه، وتحقيقه، وترجمته، وفهرسته، وتصنيفه، وصونه، ووضع القواعد الأساسية لتحقيق المخطوطات ودراستها ونشرها، ومنهم المستشرق الألماني " برجشتراسر"، و " والمستشرقان الفرنسيان: " بلاشير" و " سوفاجين"، اللذان أصدرا كتابهما باللغة الفرنسية بعنوان "قواعد نشر النصوص الغربية وترجمتها"، كما اعتنى لفيف من المستشرقين باللغة العربية، وحرصوا على دراسة كل مايتصل بها من قريب وبعيد، فبحثوا في فقهها، وأصولها، ولهجاتها، ونحوها، وصرفها، وأصولها ومعاجمها، ومادتها، وأطوارها، وفلسفتها، وعلاقتها باللغات الأخرى، وكان من ثمرة ذلك العديد من المؤلفات العلمية، منها كتاب "أصول نقد النصوص ونشر الكتب - لبراجشتراسر، وكتاب" دراسات في اللغة واللهجات والأساليب - ليوهان فلو، و كتاب" تخطيط المعجم التاريخي للغة العربية - لفيشر و" موسوعة دائرة المعارف الإسلامية"، وكتابي: " تاريخ الأدب العربي" و "تاريخ الشعوب الإسلامية" - لكارل بروكلمان، ولعل الكتاب الأخير يسترعي منا أن نتوقف عنده قليلاً لإبرازه كنموذج للدراسات الشرقية التي عني بها المستشرقون، رغم مايؤخذ على بروكلمان في تفسيره لبعض قضايا مجتمع عصر النبوة كما يذهب إلى ذلك بعض الكتاب، ويمكن أن لاتقاس بعض المآخذ البسيطة بالمجهود الكبير الذي بذله في جمع روايات التاريخ الإسلامي وتصنيفها، وصياغتها، فقد صدر كتاب تاريخ الشعوب الإسلامية بنسخته الألمانية عام ١٩٣٩م، وترجم إلى العربية عام ١٩٤٨م، ويعد أول كتاب يضم تاريخ العرب والمسلمين منذ أقدم العصور حتى العصر الحديث، ولايستغني عنه باحث في التاريخ، ويضم بين دفتيه الموضوعات التالية: العرب والامبراطورية العربية، الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وتعاليمه، الخلفاء الأربعة، الأمويون، الامبراطورية الإسلامية وانحلالها، نشوء الدويلات، الفرس والأتراك، الإسلام في الأندلس وشمالي أفريقيا، الشرق الأدنى في عهد الصليبيين، قيام الدولة المماليكية، انقضاء الخلافة، الأتراك العثمانيون وحضارتهم، نشوء الامبراطورية الفارسية الجديدة، الدولة العثمانية في دور الانحطاط حتى نهاية القرن ١٨م، الاسلام في القرن ١٩م، الحياة العقلية في الامبراطورية العثمانية ومصر في القرن ١٩م، شمالي أفريقيا، السودان، فارس وأفغانستان، الدولة الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى، مصر، شبه جزيرة العرب، سوريا وفلسطين وشرق الأردن والعراق. ولايمكننا في هذا الإطار أن نغفل كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" للمستشرقة الألمانية "سيغريد هونكه"، وهو من الكتب المهمة التي ألقت فيه المستشرقة الضوء على تأثير العلماء العرب والحضارة العربية الإسلامية في حقبة ازدهارها على الغرب الأوروبي، وفضلهم على الحضارة الغربية وإنجازاتها العلمية المختلفة خلال العصور الحديثة.

وفي سياق الحديث عن دور العرب في كتابة التاريخ الإسلامي يشير الدكتور النجار إلى "أن الحقيقة التي يجب أن تُعرف هي أن تأليف التاريخ الإسلامي هو من إبداع العرب وحدهم"، ويؤكد على فشل جميع المحاولات للعثور على مؤثرات خارجية يونانية أو فارسية في التاريخ العربي، وذلك على غرار ماكشف عنه الباحثون من مؤثرات أجنبية في الفلسفة وعلم الكلام، ويقصد بعلم الكلام علم الجدل الفكري الديني الذي مثله المعتزلة أو جماعة المتكلمون في القرن الثاني الهجري (العصر العباسي). ويخلص إلى "أن التاريخ الإسلامي ليس نقلاً أو اقتباساً أو استعارة من الغير، ذلك أن كلمة تاريخ كلمة عربية، والكلمة الأجنبية (اسطوريا) التي كان من الممكن استعارتها استعملت فعلاً لكن في معنى آخر للتعبير عن القصص الخيالية والميثولوجية (الأسطورة)، والعرب هم أمة تاريخية وشعب تاريخي، بينما هناك شعوب أخرى لاتمتلك تاريخاً وإنما تملك حكايات لايجد اليقين إليها سبيلاً"().

وتشير أدبيات الاتحاد غير مرة إلى ازدياد اهتمام الأجانب بتاريخ العرب من منطلقات مختلفة، فقد حاولت مدرسة الاستشراق أن ترتكز على البحث العلمي بالرجوع إلى المصادر والوثائق، دون أن تتحرر كلياً من الأفكار المسبقة، والأيديولوجيا الإمبريالية التي كانت سائدة في أوروبا، وهناك المدرسة الاستعمارية التي أصدرت هي أيضاً أدبيات كثيرة تتعلق بتاريخ العرب، ساهم فيها العسكريون ورجال السياسة، مضيفةً "أننا مهما حكمنا مسبقاً على بطلان المدرسة الاستعمارية ونددنا بتزويرها وتحيزها وعنصريتها، فإننا لايمكن أن تتجاهل أعمالها كلية دون القيام بعملية واسعة من النقد والتمحيص"، وهو قول سبق نقاشه وتدعيمه بالأمثلة .

وثمة إشكالية فكرية شغلت حيزاً واسعاً من تفكير واهتمامات قيادة وأعضاء الاتحاد تتمثل في ماوصفوه بـ طغيان النظرة القطرية والإقليمية على الكتابة التاريخية العربية منذ عهد الانبعاث الحضاري للعرب في القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي شهد حراكاً فكرياً وثقافياً عربياً، عكس تطوراً نوعياً في بنية الوعي السياسي تحديداً لدى النخب العربية في كل من مصر والشام على وجه التركيز، وتشكلت بموازاته الجمعيات الأدبية والمعاهد العلمية، التي تمخضت عن بعضها مطالب ورؤى سياسية، تبلورت مع مطلع القرن العشرين في تيارات وأحزاب وجماعات تؤكد على حقوق العرب القومية في الحكم والإدارة والبناء المؤسسي بصورة مستقلة عن الدولة العثمانية، التي كان الضعف قد أخذ يسري في جسدها، وأنهكتها الحروب الخارجية مع الروس، ومع القوميات الأوروبية (البلقانية) المطالبة بالانفصال عنها بتشجيع ودعم من القيصرية الروسية، وباتت توصف لدى الدوائر السياسية الغربية بـ الرجل المريض، الذي تنتظر الفرصة الملائمة للإجهاز عليه، والاستيلاء على ممتلكاته، وقد عبّر الدكتور النجار عن موقفه من طغيان النظرة القطرية بقوله: "وإني أرفض التواريخ الإقليمية والقطرية التي تدعو لها بعض الأطراف العربية، لاستحداث تواريخ مصطنعة، حيث تكرس الجهود والأموال من أجل كتابة قطر ما والتأكيد فيه على تاريخه القديم والوسيط والحديث، وكانه عاش بمعزل عن التاريخ العربي الموحد، وهم في غالب الأحيان يضربون صفحاً عن كل ماجرى في الوطن العربي في ميدان الفعل التاريخي، ويهملون التفاعلات التاريخية والحضارية، فيعزلون بذلك تاريخ بلدهم عن المجاري التي تصب فيه، وتلك التي انصب فيها، ويخلّون بوحدة الحياة الكبرى، التي يؤلف هذا التاريخ جزءاً منها"، وأضاف: " أن أي فصل بين أجزاء الحياة العربية المتماسكة، أو تقطيع للخيوط التي تربطها، أو أي سد مصطنع تقيمه بين مجاريها، وأي انحراف عن هذا النوع هو خيانة تاريخية عظمى يستحق عليها فاعلها العقاب القومي"، وهو موقف وحكم يعكس شدة تحمس الدكتور النجار للأيديولوجية القومية، ويشدد من خلالها على النهج القومي في الكتابة التاريخية، ثم يختم بالقول: "وأريد أن أؤكد هنا بأن التاريخ لم يكن في يوم أجزاء ووجوها ًمنفصلة عن بعضها، بل إن التاريخ هو مجموعة تواريخ خاصة للسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب وغيرها، وهي بالتالي تكوّن وحدة عضوية تتفاعل وتتكامل فيها مختلف العناصر".

وبحسب أدبيات الاتحاد فإن هذه النظرة القطرية للتاريخ هي اتجاه تعززه مناهج التعليم، الجاري العمل بها في بلدان الوطن العربي، بحيث ينمو الطفل في مصر أو سوريا أو العراق أو في المغرب العربي - على سبيل المثال - وهو يشعر أن لاتاريخ ولاحضارة إلا تاريخ وحضارة بلده، فينظر إلى بلده كالقدوة وإلى البلدان العربية الأخرى كالأتباع، الذين يجب أن يسيروا وراء القدوة، ومن ثم تنمو في نفسه - وفق تعبير تلك الأدبيات - روح الهيمنة بصفة تكاد تكون لاشعورية، بل إن هناك جهات - لم تسمِّها - تحاول اليوم أن تكشف لنفسها تاريخاً يعود إلى أقدم العصور، بحيث تحوّل المجهود المبذول في ميدان التاريخ إلى نوع من التنافس بين البلدان العربية على مَن له أسبقية وعراقة أكثر من الآخرين في ميدان التاريخ، وتصِف ذلك بأنه "تنافس مَرَضي، من شأنه أن يخلق حزازات مصطنعة، ومهاترات ميدانية"، ويؤدي في النهاية إلى تزييف التاريخ، وإفساد الرؤيا التاريخية الصحيحة، بحيث لا التاريخ القُطْري يسلم من الخطأ، ولا التاريخ القومي العربي على شموليته يصان من العبث، فتغدو النتيجة سلبية على كل المستويات، الشيء الذي يجعل الدراسات الأجنبية عن تاريخ العرب تحظى بمصداقية أكبر لدى العرب أنفسهم من كثير مما يصدر عن أقلام عربية، وترى قيادة الاتحاد أن العلاج لهذه الإشكالية يتمثل في وجوب أن يعاد النظر في كتابة تاريخ العرب على أساس التمييز بين ماهو قطري وماهو قومي، مع الربط بينهما في إطار تصور بناء تاريخي عربي موحد، يقوم على الانسجام والتكامل بينهما، فالاتجاه القومي - وفق أدبيات الاتحاد - يعبر عن مستوى أعلى من الوعي الشمولي، وعن مرحلة قصوى من التطور الفكري، يقتضى إذابة كثير من المتناقضات والخصوصيات المحلية، وتستدرك أنه على الرغم مما على التاريخ القطري من ملاحظات فهو مع ذلك يكوّن لبنة أساسية لاغنى عنها لكتابة التاريخ العربي، وتخلص تلك الأدبيات في ضوء ماسبق إلى القول بأننا أمام ثلاثة أصناف من الأعمال التاريخية المنجزة في فترات سابقة:

١ - أعمال المؤرخين القدامى قبل ظهور فكرة القومية عند العرب في القرن التاسع عشر.

٢ - أعمال المؤرخين الذين رافقوا مايوصف بـ بداية الانبعاث العربي في القرن التاسع عشر.

٣ - أعمال الباحثين والمؤرخين الأجانب، الذين اختلفت مقاصدهم ونزعاتهم في دراسة التاريخ العربي.

وترى قيادة الاتحاد أن هذه الأصناف على أهميتها فهي غير كافية ولاوافية لما يُنتظر من كتابة التاريخ العربي، فهي تمد المؤرخ بمادة خام وببعض العناصر والأفكار، لكنها في المحصلة تظل مبتورة مبعثرة وغير واضحة في كثير من فصولها، الأمر الذي يدعو إلى الاهتمام بالاتجاهات الغالبة على البحث التاريخي في مختلف البلدان العربية، وبما هو مكتوب في ميدان العمل التاريخي، وهو مهم من حيث الكم والكيف، وذلك راجع إلى وفرة الجامعات والأساتذة والباحثين، وتعدد المؤتمرات والندوات، وبرغم ذلك الإنتاج الضخم والمتنوع من الكتابات التاريخية، وماحققته من خطوات إيجابية، إلا أن التاريخ العربي في تصور الاتحاد "مازال يبحث عن نفسه، وعن صيغته المثالية".

إن التاريخ العربي القديم والوسيط والحديث والمعاصر في رأي قيادة وأعضاء الاتحاد يحتوي على أخطاء وتزييف وثغرات، وبخاصة المؤلفات التي كتبها الأجانب، بصرف النظر عن حسن النوايا وسوئها، وعن سلامة المقاصد أو اعوجاجها، فمناهج التاريخ التي تدرس للتلاميذ في الولايات المتحدة وفي عدد من الدول الأوروبية تنطوي على تشويه للعرب والمسلمين، وطرح مغلوط لقضاياهم الأساسية، وبخاصة القضية الفلسطينية، وطبيعة عناصر الوحدة في الوطن العربي، وذكر الدكتور "محمود متولي" - رئيس قسم التاريخ بجامعة المنيا بمصر - أن تدريس التاريخ في البلاد العربية ذاتها يحتاج إلى إعادة نظر، لتصحيح الوقائع والحقائق المتصلة ببعض الأقطار العربية. والمشكلة كما يصفها الدكتور النجار أن هناك على مستوى الأقطار العربية مراحل تاريخية لم تكتب، وأنه كلما قدم بنا العهد تختفي الحقيقة التاريخية وتظهر الأسطورة، وهو محق في ذلك، فلاتزال الحاجة قائمة إلى دراسات علمية لمراحل من التاريخ العربي القديم، وبخاصة تلك الموغلة في القِدم التي تحيط بها الأساطير، ويلفها الغموض، ويعتري العديد من جوانبها النقص والقصور.

والإشكال الآخر في وصف الدكتور النجار أن أقسام التاريخ في الجامعات العربية تفتقر إلى التوازن، فهناك فروع ليس لها متخصصون، متسائلاً: فكيف نتصدى لكتابة تاريخ مرحلة ليس لها مؤرخ مؤهل لهذه المهمة؟!.

وهكذا فقد مثّلت منهجية التاريخ العربي ومفرداته المتموضعة داخل الوطن العربي وخارجه هاجساً شغل حيزاً كبيراً من تفكير قيادة وأعضاء اتحاد المؤرخين العرب، وشكّلت لهم حالة من القلق وعدم الرضا، أفضت بهم بالمحصلة إلى السعي صوب بلورة الحلول والمعالجات الكفيلة بالجواب على السؤال الجوهري - الذي من أجله وفي سبيله تأسس الاتحاد وانبثقت عنه هيئة عربية عليا لكتابة التاريخ العربي، وهو: كيف نكتب التاريخ العربي؟ سؤال يتصل بالمنهجية العلمية للتأريخ للعرب قراءة وكتابة تشتمل على كل العصور الزمنية، وقبلها معالجة إشكالية اصطلاح "إعادة الكتابة ".

التعليقات (0)