هل التاريخ يكتبه المنتصر؟

هل التاريخ يكتبه المنتصر؟

د. رياض الصفواني

تنسب بعض الكتابات مقولة "التاريخ يكتبه المنتصر" إلى رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل في سنوات الحرب العالمية الثانية (١٩٤٠ - ١٩٤٥م)، ولأننا لم نبحث ونتحرى عن صحة نسبة المقولة إلى تشرشل فسنفترض أنه هو من قالها، وفي هذه الحالة فإن خروج بريطانيا منتصرة في الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥م وخروجها منتصرة قبل ذلك في الحرب العالمية الأولى ١٩١٨م يعني أنها كتبت التاريخ بعقلية المنتصر وسطوته، وبالمثل في بقية دول أوروبا المنتصرة، ومن ثم والحال هذه فهو تاريخ لايُعتد به، ويتطلب بالتالي نقد وإعادة غربلة وتصحيح، ومحاولة الاقتراب من حقيقة الواقع التاريخي وفق المنهج العلمي الذي نما وتقنن في أوروبا القرن التاسع عشر، ويعيه المؤرخ الأوروبي جيداً .

وهذا يقودنا إلى تساؤل مفاده: هل نسلّم بمقولة "التاريخ يكتبه المنتصر" على إطلاقها، وننسف في ضوئها التاريخ كوجود وعلم من العلوم الإنسانية، وننفي من ناحية أخرى إمكانية أن يكون هناك تاريخ آخر كتبه مؤرخ غير مسيّس أو كُتِب خارج هيمنة المنتصر وهو مايمكن أن ينتمي إلى التاريح الشعبي المكتوب؟ علاوة على التاريخ الشعبي الشفهي، والتاريخ الذي يمكن استنطاقه من بين ثنايا كتابات أخرى كالكتابات الأدبية، وكتابات الاجتماع والاقتصاد والشريعة وماتوافر من أدبيات أخرى تشكل جميعها روافد تفيد الكتابة التاريخية من وجوه مختلفة وبمستويات متفاوتة. 

صحيح أن مساحة واسعة من الكتابات التاريخية قد اصطبغت بصبغة سياسية، نتيجة لهيمنة السياسي على التاريخي والثقافي والفكري والاجتماعي والاقتصاد والعسكري والفني في واقع الدول والمجتمعات التاريخية، لكن ذلك لاينفي أن ثمة كتابات تاريخية تنطوي على نسبة ما من الموضوعية والواقعية كتبها مؤرخون من خارج المؤسسة السياسية والأيديولوجية الحاكمة، بل وحتى من مؤرخين من داخل المؤسسة السياسية بمقدار معين، وذلك إذا ما أعملنا النظر المنهجي في التاريخ السياسي المدوّن واستخلصنا من بين ثنايا وقائعه وسطوره مايقارب حقيقة الصورة التاريخية، هذا إذا لم نجد من بين ثنايا بعض تلك السطور ملامح واضحة لصورة تاريخية لاتستدعي القراءة الضمنية أو التأويلية، ولعل بالإمكان إذا ما أردنا التدقيق في ضبط العبارة والمصطلح والتحرز من التعبيرات والاصطلاحات الحدية أو المطلقة أن نقول مثلاً إن كتابة التاريخ يهيمن عليها المنتصر، أو تغلب عليها أو تطغى ثقافة المنتصر بنسبة قد تكون عالية - وهذا بحد ذاته اقرار بشوائب ونتوءات الكتابة التاريخية السياسية أو المسيسة - وذلك خير من القول بأن التاريخ يكتبه المنتصر، لأن المقولة على اطلاقها وعموميتها تشي بحكم قطعي حَدِّي لامراجعة فيه ولا استئناف وكأنها نص مقدس، والمعلوم تواتراً أن المعرفة التاريخية هي معرفة مقارباتية نسبية، وأن للحقيقة التاريخية النسبية وجوه متعددة وطرائق تعبيرية متباينة.

ومادام أن مقولة "التاريخ يكتبه المنتصر" مقولة نسبية وغير مطلقة فإن جزءاً من الحقيقة التاريخية يتوفر بنسب متفاوتة لدى مؤرخي الجانب المنتصر، وذلك في ثنايا الكم الكبير والمتراكم من المبالغات والحشو والتضخيم والتمجيد للحاكم، والإشادة بسياساته ومواقفه وأدواره العامة، وتخليد مقولاته وانجازاته ومآثره، وفي الوقت ذاته سنجد مؤرخين على قدر من الصدق الواقعي غايتهم تدوين الواقع التاريخي كما شهدوه وسمعوه دونما تكلف وبمعزل عن المصلحة المتعينة من السلطوي وبعيداً عن إغراءاته وإملاءاته وضغوطه، وإن بقيت كتاباتهم حبيسة خزائنهم وضمن أصول محفوظاتهم ومقتنياتهم الخاصة.

التعليقات (0)