السلطة والتوظيف السياسي للنص الديني عند النخب العربية .. مقارية تاريخية

السلطة والتوظيف السياسي للنص الديني عند النخب العربية

(مقارية تاريخية)

د. رياض الصفواني

تحاول هذه المقالة بقدر الإمكان أن تلقي نظرة سريعة على إشكالية تاريخية تمحورت حول ثنائية رجل السلطة ورجل الدين (الفقيه) في علاقتهما النفعية بالنص الديني، ومحاولة تتبع بعض ملامح وتأثيرات تلك العلاقة في الواقع السياسي العربي. مع التنويه إلى القصور أو النقص أو أي شائبة قد تعتري الموضوع لاعتماده على الذاكرة.

وتأسيساً عليه، فإن السياسة في بلاد العرب غايتها السلطة، سواء ما يتصل بممارستها من قبل السلطة الحاكمة، بهدف ترسيخ تلك الممارسة في الوعي الجمعي (الشعبوي)، أو تلك المتعلقة بالنخبة السياسية المعارضة للسلطة الحاكمة، والتي تسعى بدأب لإزاحتها واعتلاء سنام السلطة، فهي - أي السياسة - ترى في السلطة قبلتها التي تولي شطرها وفق الكثير من الشواهد التاريخية المعاصرة، ورغم أن السلطة في جوهرها وسيلة غايتها تحقيق المصالح العامة لجمهور المحكومين لا غاية تروم مصالح فردية أو فئوية أو طبقية أو حزبية، تحمل بعضها هويات تزاحم الهوية الوطنية الجامعة بل وتطغى عليها، بالنظر إلى شواهد الممارسة السياسية في الحالة اليمنية، إلا أن السلطة مع ذلك يمكن أن تتخطى مأزق ارتباطها بالغاية الموجهة لخدمة وتعزيز مصالح أي من المسميات السابقة إذا ما انطوت على مراجعة جادة من جانب القائمين على تنفيذ سياساتها ومحاولة تطوير خطوات وقواعد عملها، ليتسنى لها في ضوء ذلك النهوض بالمصلحة العامة، بحدودها القصوى، لكن الإشكال الحاصل أن الغالب على السلطة في تفكير النخب العربية أنها كانت ولا تزال في تصورهم - الذي يعد قاسم مشتركة بينهم على اختلاف صيغ حكمهم - بمثابة تتشریف لا تكليف، مغنما لا مغرم، وإن حاول جلهم إظهار خلاف ذلك، ومن أجلها ؤظف النص الديني.

(القرآن والسنة) انتقاء واجتزاء من سياقة لخدمة مقاصد رجل السلطة، وفي صدارة تلك المقاصد - كما هو معلوم - احتكاره للسلطة واستبداده بها، أو إطالة أمد بقائه فيها، أو توريثها وتحويلها إلى ملك عضوض، أو توسيع دائرة نفوذه، أو قمع كل صوت معارض له، أو قطع الطريق على أي طامح في السلطة، ذلك أن مجتمعنا العربي مجتمع مسلم متدين بفطرته وطبيعة تكوينه، وينقاد الدين بسلاسة وتلقائية، وينظر إلى النص الديني نظرة تقديس وتبجيل، ويصعب على معظم عامته تبين معنى ودلالة النص الديني بعموميته من النص الديني المسيس بكيفية خاصة.

ومن صور التوظيف السياسي للدين ما نطالعه في بعض أفكار المذاهب والفرق الإسلامية کالمذهب الشافعي والحنبلي وفرقة الأشعرية والجبرية - على سبيل المثال - التي تعتقد بأن الإنسان مجبر لا يملك إرادة نفي الفعل عن نفسه، فكل أفعاله مقدرة إلهياً، ولا يجوز الخروج على الحاكم وإن كان فاسقاً جائراً، وإنما الإذعان والخضوع حتى تحكم فيه المشيئة الإلهية، يشد من أزره القول المأثور: "سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم"، وهو قول بشري يسوغ مبدأ القوة (والتغالب) في الوصول إلى السلطة والتشبث بها.

ومن خلال فرز سريع لآراء وأقوال نماذج من أهل الفكر من المتكلمة نخلص بما يشبه الإجماع لديهم حول قضية اختلاق بعض أئمة وفقهاء الفرق والمذاهب الاسلامية الأحاديث تبت إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) أو تعمدوا الإضافة إليها أو انتزاع بعض ألفاظها وعباراتها من سياقاتها، واستبدالها بألفاظ وعبارات مخصوصة، أو تحوير بعض الألفاظ والتمويه بمعانيها ودلالاتها على الأتباع، للتأثير على عقولهم والتحكم بقناعاتهم، ليسهل السيطرة عليهم وضمان انقيادهم. وذلك على النقيض من أفكار فرقة المعتزلة ذات المنزع العقلي النقدي في هذا الشأن، وكذا الزيدية الأولى في أصولها المعتزلية. وعلى غرار الجبرية فقد ذهبت فرقة المرجئة إلى عدم جواز محاسبة الحاكم ومسائلته ما دام يقر بالشهادتين وإنما حسابه وعقابه مرجأ إلى الآخرة. وجملة هذه الأفكار سوغت للسلطان المستبد بقائه في سدة الحكم والبطش والتنكيل بمعارضيه، وفرضت على الناس الإذعان له، بوصفه ممثل المشيئة الإلهية في الخلق. وفي هذا السياق جرى في مراحل تاريخية توظيف فريضة "الجهاد" لا لمواجهة الأعداء لإعلاء كلمة الله والدفاع عن حوزة الدين، بل من أجل سحق الخصوم وبسط النفوذ، وكسب النصرة والتأييد للسلطان. وبالمثل فإن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعد ركيزة أساسية من ركائز الدين بنص القرآن والسنة يؤدي من خلال الممارسة السياسية (البراجماتية) وظيفة مزدوجة بل متناقضة، فتوجيه النقد للسلطة الحاكمة والاعتراض على بعض مظاهر سياساتها من منطلق تفعيل هذا المبدأ صراحة أو ضمنا من شأنه أن يزج بصاحبه في غياهب سجون ومعتقلات الديكتاتوريات الحاكمة، بتلفيقهم سياسية عديدة، أقساها الخروج عن طاعة ولي الأمر، لتشكل هذه التهمة عقوبة كافية في إطار توظيف مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق فتوى فقهاء السلطة، وهنا نلاحظ كيف يجری توظيف المبدأ سياسية لقمع الصوت المعارض، في الوقت الذي يعد ممارسة النقد والاعتراض على سياسات السلطة أو حتى النصح لها ترجمة دينية لهذا المبدأ في واقع الحياة السياسية.

ومن صور التوظيف السياسي للدين ظاهرة: الفتاوى التي يدبجها الفقهاء للحكام، لتمرير قضاياهم الخاصة وبعض العامة وإضفاء المشروعية عليها، وذلك بإحدى طرق استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، سواء أكان من نص صريح محكم، أو بإجماع العلماء، أو باللجوء إلى التأويل، أو بالقياس، المقصود به قياس المجهول على المعلوم، ويغلب على الظن أن التأويل والقياس هما الصيغة الغالبة على فتاوى الفقهاء في الشأن السياسي ذي المنحى الجدلي، كما حدث على سبيل المثال في عام 79م عندما أصدرت دار الإفتاء المصرية - في ولاية الرئيس السادات - فتوى تجيز معاهدة كامب ديفيد (78م) وشرعنة السلام مع الكيان الصهيوني وفق ما يذكره البعض !، وكما سمعنا في عام 90م في أعقاب غزو العراق للكويت، حيث أصدر بعض علماء الخليج حينها فتوى تجيز الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت. وكما حدث في حرب صيف عام 94م في اليمن، والتي كانت ولا تزال فتوى تسويغها - كما يطرح البعض - محل جدل ولغط في الأوساط السياسية، وغيرها الكثير الذي لا يسع المقام للاستطراد فيه. ورغم أن الفتوى الدينية تراعي المصلحة العامة أو ينبغي أن تكون كذلك، وفق شروط ومقتضيات الزمان والمكان، إلا أنها في الحالة السياسية تميل إلى الثبات، لثبات عين المصلحة القائمة على التحالف بين الفقيه والسلطان.

وقد تندرج في سياق توظيف الدين سياسية برامج بعض الهيئات والجمعيات والأحزاب والمؤسسات التشريعية، كما يلاحظ على سبيل المثال في حملات الدعاية والتعبئة الاعلامية لمرشحي المجالس النيابية والمحلية في الأوساط الشعبية والتي تعد المساجد واحدة من منابرها .

وقد لا يقتصر تدبيج الفتاوى على الفقهاء وحسب، فالوقائع التاريخية تكشف أن بعض الحكام قد مارسوا الافتاء استجابة لمقتضيات سياسية، فقد افتى الإمام المتوكل إسماعيل عام 1648م بأن مناطق ما عٌرف حينها باليمن الأسفل حكم أراضيها كحكم الأراضي الخراجية، لخضوعها للعثمانيين - ممن يعتقدون بالجبر والتشبيه - والذين اقتصر بقاؤهم فيها حتى عام 1635م، بعد انسحابهم من مناطق المرتفعات الشمالية، بموجب الاتفاق المبرم بين الإمام القاسم بن محمد عام 1619م وبين العثمانيين، وهو الأمر الذي استثار ردود أفعال معارضة من جانب عدد من علماء الزيدية، وفي مقدمتهم ابن أخيه العلامة المؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم، ودفعهم إلى الرد عليه وتفنيد حجج ومسوغات إجراءاته المالية المترتبة عليها، وفي أعقاب ذلك صاغ العلامة الحسن بن أحمد الجلال فتوى "براءة الذمة في نصح الأئمة"، ضمنها النصح للأئمة في سياق تذكيرهم بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو المبدأ الذي يشكل الأصل الخامس من أصول الفكر الزيدي - المعتزلي.

ويندرج في سياق توظيف الدين سياسياً مسألة استقطاب الحكام للعلماء والفقهاء والمتصوفة، وتقريبهم وإغداق المال عليهم، لاستغلال مكانتهم في قلوب العامة من أجل تحسين صورة الحاكم، ونيل التأييد لقراراته وبعض جوانب سياساته النفعية، بوصفها من مقتضيات المصلحة المنضوية في إطار الولاية العامة. وقد لا يحتاج الحاكم إلى استقطاب فقهاء وعلماء إلى بلاطه واستمالتهم، فثمة صنف من الفقهاء يسعى إلى خطب ود السلطة والتقرب من الحاكم والتزلف له، بهدف تحصيل مكاسب مادية، دون اكتراث الثقل المسؤولية الدينية والأمانة الملقاة على عواتقهم، أو النظر إلى شرعية الدور المنوط بهم من عدمه، وهؤلاء هم فقهاء السلاطين دائمة، الذين يشكلون أحد أسباب بلاء الأمة الإسلامية وتقهقرها حضارياً.

وفي هذا السياق، يبقى الدور السياسي للزوايا الصوفية - على نحو خاص - أساسياً خلال مراحل من التاريخ الإسلامي والحديث، انطلاقا من مساعيها لتثبيت سلطة الدولة، ولعل هذا ما يفسر الدعم المعنوي والمادي من بعض السلطات الإسلامية للزوايا الصوفية، سواء في ظل نظام السلطة العثمانية في القرون الميلادية الأربعة المتأخرة التي أولتها جل اهتمامها من خلال أعمال الترميم المقراتها وصرف الإعانات المادية والعينية، وحفظ قدر ومكانة أقطاب التصوف، أو في العهد المعاصر على غرار نموذج السلطة الحاكمة في المغرب الأقصى التي تبنت بعض المهام التي سبقتها السلطات العثمانية وإن لم تخضع لحكمها.

ولأن العرب (أمة اقرأ) لا تقرأ تاريخها في الغالب، وإن قرأت بعض نخبها السياسية صفحات من أسفاره، فهي إما أن تكون قراءتها لغرض المتعة والتسلية وشغل ما شغر من الوقت، أو للرغبة في الاطلاع نزولا عند قاعدة "علمك الشيء خير من جهلك إياه"، وهي علاوة على ذلك قد لا تحسن إدراك ئه ما قرأته عن بعض حقائق التاريخ النسبية، والإفادة منها في مراجعة مواقفها وتنظيم شؤون واقعها، واتخاذها قاعدة لرسم ملامح المستقبل، فهي غالبا ما تكرر أخطاء السابقين، وتنقل تجاربهم إلى حاضرها على نحو يبدو فيه إكراه للحاضر على القبول بالماضي، متجاهلة خصوصية وظروف كل من الماضي والحاضر، بمعنى أنها تعيد إنتاج الأخطاء التي تجاوزها الزمان والمكان في سياق مسلكياتها العملية، كترجمة واقعية لتصوراتها، في حين نجد النخب السياسية في المجتمعات الغربية ذات التاريخ المشبع بالكثير من التجارب السياسية وثيقة الصلة بجدلية السلطة والمعارضة قد قادها وعيها إلى إدراك ماهية السلطة ووظيفتها، وحقيقة أنها وسيلة تستهدف مصالح المجموع العام لا الجزئي والفردي الخاص، تتناوب - بوصفها ممثلة المجتمعاتها - على ابتكار فرص للتنمية المستدامة، وخلق مناخ ملائم للإبداع المفضي إلى إنتاج المعالجات لسائر القضايا والإشكالات التي تواجه مجتمعاتها كما يشهده واقعها الراهن.

إن ما يشهده المجتمع العربي من توظيف سياسي للدين بصور مختلفة - يبدو - إشكالية عميقة الغور في بنية التراث العربي الإسلامي، ولها أبعادها المدركة في وعي عناصر النخب الثقافية غير المنتمية إلى مؤسسة السلطة قديما وحديثا، وإن لم تدرك على ما يبدو بالصورة ذاتها لدى النخب السياسية الحاكمة، لوقوعها تحت طائلة إغراء السلطة وإغواء النفوذ، فإذا تأملنا قليلا في بعض وقائع تاريخ العرب السياسي سنجد أن كثيرا من الأنظمة السياسية مدينة الدين في نشأتها، أي أن نشأتها كانت - بتعبير مجازي - انبثاقا لمخاض قران الدين بالسياسة، ففي نجد والحجاز - على سبيل المثال - قام نظام الحكم كنتاج مصاهرة سياسية بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب (السيف والقلم) مؤسس السلفية الوهابية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، وقيام الدولة العثمانية كاستمرار الخلافة الإسلامية وامتداد سلطانها على كثير من البلاد العربية كان تحت مظلة الحفاط على الأماكن المقدسة وحمايتها من الخطر الإسباني البرتغالي، كحلقة في سلسلة الحروب الصليبية التي اجتاحت العالم الإسلامي في العصر الوسيط، وبقي تأثيرها كامنة في الثقافة العدوانية لبعض القوى السياسية الغربية، والتي رأينا تعبيرها جليا في تصريح الرئيس الأمريكي الأسبق "بوش" الابن عند غزو القوات الأمريكية للعراق عام 2003م، وقبلها جميعا كانت نشأة الخلافة الأموية والعباسية والفاطمية والأيوبية والمماليك، وبعض الكيانات السياسية - كما يظهر - التي نشأت في أحضانها أو على هامشها .

وفي واقعنا العربي الراهن لاتزال إشكالية التوظيف السياسي للنص الديني في إطار العلاقة النفعية بين الفقيه والسلطان تفرض وجودها بقوة في أتون الصراعات السياسية والأيديولوجية والعسكرية العربية، ك امتداد لما كان عليه الحال في الماضي، مع نزاهة الدين وبراءته من كل صور الاستغلال السياسي البراجماتي الفردي والفئوي وما في حكمها، إذ من شأن هذا السلوك الاستغلالي أن يسيئ إلى الدين، بوصفه منظومة تعاليم قيمية تشريعية شاملة لسائر جوانب الحياة، ويعمل على تجفيف منابعه في قلوب معتنقيه، مما يعزز من فرص الطعن فيه وثلبه وإلحاق كل أذى به من خارج محيط معتنقيه.  

المرفقات
العنوان تحميل
السلطة والتوظيف السياسي للنص الديني عند النخب العربية .. مقارية تاريخية تحميل
التعليقات (0)