هل الاستبداد حكر على الشرق؟! .. (مقاربة تاريخية)

هل الاستبداد حكر على الشرق؟!

(مقاربة تاريخية)

د. رياض الصفواني

دأبت الكتابات الاستشراقية على جعل الشرق موطن الاستبداد وبيئته الحاضنة على نحو يبدو حصري، وهو مانقرأه في بعض كتابات المستشرقين العاملين في الحقل الاستعماري اعتماداً على بعض الشواهد، منها - على سبيل المثال - الاستشهاد بقول الفيلسوف اليوناني أرسطو للإسكندر المقدوني عند غزوه مصر"إنك ستواجه مجتمعاً شرقياً غير حر، هو أقرب إلى مجتمع العبيد"، وبوقائع من تاريخ حكم بني أمية ثم بني العباس وغيرهم ممن لايسع المقام لسرد تجارب حكمهم المرتكز على الاستبداد وفق نظرية هؤلاء المستشرقين. ومن هذه البيئة الحاضنة للاستبداد وفق طروحاتهم تشرّب الحاكم الشرقي ثقافته الاستبدادية المرتكزة على شواهد - غير مُلزمة - من تراث الفكر السياسي الإسلامي (الجبري) و (القدَري) و (وفكرة الحق الإلهي المطلق في الحكم)، و (الحاكم ظل الله ومشيئته في الأرض) ونحوها - من المشتركات الإنسانية - التي لم تكن حكراً على الشرق أو روافع حصرية له، وذلك بالنظر إلى الظاهرة الكنسية والملكيات المطلقة في أوروبا (آل هابسبورج ، آل بوربون) .

إن تعميم وصف الشرق بالاستبداد مع ازدحام تاريخ العرب السياسي بنماذج من الاستبداد السياسي عوضاً عن مظاهر أخرى من الاستبداد غير السياسي المستند على قواعد تربوية غير سليمة وفق ماتشيعه الكتابات الاستشراقية ينطوي على جهل بحقائق التاريخ السياسي للمجتمعات الشرقية، واعتساف للوقائع التاريخية أو قراءة اجتزائية اختزالية لها في أحسن الأحوال، ذلك أن الاستبداد كما هو معلوم تاريخياً ظاهرة بشرية عابرة للزمان والمكان والمجتمعات وإن بدت أكثر حضوراً في الشرق في مراحل من تاريخه (يُنظر الكواكبي: طبائع الاستبداد)، فمن تجارب التاريخ  نعرف أن المجتمعات الغربية شهدت أنواعاً وأشكالاً مختلفة من الاستبداد، غير المحصور في حقل السياسة والسلطة وإن كانت الصدارة للأخيرة، وما الحروب الدينية والقومية والطبقية ونموذج الكنيسة الغربية الكاثوليكية ببعيدة عنا، فقد تزاوج فيها الديني بالسياسي، بالاقتصادي، بالإثني، في تحول فكرة الاستبداد إلى نماذج عملية صارخة سادت قروناً عدة، حتى أذِن الوعي بإجهاضها لحظة أن نضجت فكرة مقاومة الاستبداد ضمن سياق زمني فارِق في تاريخ الغرب الأوروبي (في القرنين ١٥، ١٨م). ولاعلاقة للأديان بوصفها منظومة أخلاق قيمية بالاستبداد على النحو الذي يسوّقه الاستشراق، في مسعاه الدؤوب إلى تجذيره أو تأصيله وشرعنته لتمرير مشروعات سياسية استعمارية بعينها، وتصدير لفكرة تفوق الرجل الأبيض ورسالته الحضارية للعالم غير المتحضر، فلم يجبر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الناس على اعتناق الإسلام {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} يونس: الآية ٩٩، {لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ} البقرة: ٢٥٦، ولم يفعل ذلك أيٌ من الأنبياء السابقين بالبداهة المنطقية، وذلك بوصف الإسلام العنوان الجامع الحاضن لكل الأديان وهو أساس انطلاقها {إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ} آل عمران: ١٩، فلا إكراه إذاً ولااعتساف.

وماكان للحاكم يوماً أن يفرض دكتاتوريته وأن يطغى ويستبد لو لم يتوفر لاستبداده حاضنة اجتماعية مسوَّغة فقهياً على نحو "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، "أطِعه وإن أخذ مالك وجلد ظهرك …الخ"، ومالم تتوفر القابلية المجتمعية لاستبداده - وفق مالك بن نبي - مع غياب أو لنقُل ضعف أو سطحية مستوى الوعي السياسي الجمعي، الذي سهّل للحاكم توظيف القراءات والتأويلات الصادرة عن فقهاء السلاطين التي تجنح إلى تقديس الحاكم والاستسلام لاستبداده وطغيانه وفق المصلحة المتعيَّنة لهم من وراء ذلك.

التعليقات (0)