جنوب البحر الأحمر في السياسة البريطانية في ضوء كتاب العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن إبان الحكم التركي ١٩١٤ - ١٩١٩م، للمؤلف جون بولدري.(3)

جنوب البحر الأحمر في السياسة البريطانية في ضوء كتاب العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن إبان الحكم التركي ١٩١٤ - ١٩١٩م، للمؤلف جون بولدري.

د. رياض محمد أحمد الصفواني.

باحث بمركز الدراسات والبحوث اليمني - صنعاء.

وفي تلك الأثناء أبدت بريطانيا قلقها من محاولات إيطاليا إيجاد موطئ قدم لها في جزر جنوب البحر الأحمر، وذلك من خلال إلحاح السفير الإيطالي في لندن بالسؤال عما إذا كانت بريطانيا تعتزم احتلال جزر فرسان، فقررت بريطانيا رفع العلم البريطاني على إحدى الجزر لتستبق أي خطوة لإيطاليا بتوجيه ضربة في جنوب البحر الأحمر، فعبّر الإدريسي عن عدم رغبته في رفع العلم البريطاني في فرسان أو أي منطقة قريبة منها، خشية أن يثير هذا انتقام العثمانيين، اعتقاداً منهم أن بريطانيا قد احتلت الجزر، وعبّر عن استعداده لعقد معاهدة جديدة في يناير ١٩١٧م يوافق فيها على عدم التخلي عن فرسان أو رهنها لأي دولة أجنبية، في مقابل الاحتفاظ بالحماية البريطانية، وهو مااتفق مع الرغبة البريطانية([1])، التي كانت في ذلك الحين لاترغب بإثارة القوى المحلية في المنطقة عليها، تماشياً مع سياستها في الاحتفاظ بعلاقتها الودية مع العرب، ومحاولة توجيه هذه العلاقة ضد الدولة العثمانية على النحو الذي تبين.

كما ساندت بريطانيا الإدريسي قبل ذلك في الاستيلاء على ميناء " القنفدة" في ١٩١٦م، لمنع التعزيزات العثمانية من الوصول إلى الشواطئ اليمنية ومحمية عدن([2])، وهي السياسة التي اتبعتها بريطانيا طيلة سنوات الحرب ١٩١٤ - ١٩١٨م، فقد كانت باستمرار تكثف من عملياتها الحربية في جنوب البحر الأحمر، وترسل تعليماتها إلى قادة الدوريات في البحر بقصف السفن الشراعية العثمانية واليمنية والاستيلاء على حمولاتها واغراق بعضها، وتدمير العديد من المواقع والمعدات العثمانية في الشواطئ اليمنية. وكانت الاشتباكات بين القوات العثمانية والبريطانية شبه متواصلة على البحر والبر، كما أصدرت تعليماتها إلى قادة الدوريات بتفتيش السفن الشراعية في الموانئ، واستثنت منها حركة المرور التجارية بين موانئ الإدريسي وعدن وكمران، والملاحة الفرنسية والإيطالية مع جيزان([3]).

وكان من الواضح في تلك الآونة أن العمليات الحربية تسير باتجاه احتلال بريطانيا للموانئ التابعة للعثمانيين في ولاية اليمن، بعد أن فرضت عليها الحصار من البحر، وزاد من تأثير الحصار التحالف الذي تم بين ابن سعود في نجد وبريطانيا ١٩١٥م، والتحالف مع الشريف حسين في مكة، واشتعال الثورة العربية عام ١٩١٦م، فأدى ذلك الحصار إلى قطع الطريق الصحراوي على العثمانيين بين الحجاز ونجد، وهو الطريق الوحيد للعثمانيين بعد انقطاع الطريق البحري، فنتج عن ذلك حصر العثمانيين في اليمن والحجاز، وجعلهم يوقنون أن معركة البحر سيكسبها البريطانيون، فالأسطول البريطاني يسيطر تماماً على البحر الأحمر، ويساند تحركات الإدريسي ضد الحاميات العثمانية في الشريط الساحلي الشمالي لليمن، ولم تثمر تحركات العثمانيين باتجاه لحج وعدن، لمناوئة البريطانيين من ناحية البر، ومحاولة الضغط عليهم بعد أن أنهكت الحرب مواردهم، وصارت لاتكفي احتياجات الجنود العثمانيين([4])، وهو ماسبق أن تخوف منه الوالي العثماني عندما اجتمع بمشائخ لواء تعز في سبتمبر ٢٠١٤م لحثهم على حماية مناطقهم المحاددة لمحميات عدن، ومساعدة بعضهم بعضاً في حال انخرطت الدولة العثمانية في الحرب ضد بريطانيا وحلفائها([5]).

ومن الطبيعي في هذه الأحوال أن تستنزف الحرب الموارد، وتتوقف حركة الصادرات والواردات، لاسيما وأن ميزانية الدولة العثمانية حينذاك كانت منهكة، والديون قد بلغت مداها، وكانت على سبيل المثال من بين مبررات احتلال بريطانيا لمصر عام ١٨٨٢م كما سبقت الإشارة في المحور الثاني، ولكثرة الحروب التي خاضتها الدولة في ولاياتها الأوروبية ( في مناطق البلقان ١٩١١م)، وفي طرابلس الغرب، ومع روسيا حول مضائق البسفور والدردنيل، واضطراباتها الداخلية في مركز الدولة (الأستانة) وفي ولاياتها العربية .

وذلك كله مما أسفرت عنه نتائج الحرب في نهاية المطاف، والتي قضت بهزيمة الدولة العثمانية وتقاسم بريطانيا وفرنسا وروسيا  المنتصرة في الحرب ممتلكاتها، وكان الضعف قد بدأ يدب في أوصالها منذ نهاية القرن الثامن عشر والتاسع عشر وصار يُطلق عليها في أوروبا " الرجل المريض"، ولم يحل عام ١٩١٩م إلا وقد استسلمت جميع الحاميات العثمانية في اليمن للقوات البريطانية، بموجب معاهدة "موندروس" ١٩١٨م، واحتلت بريطانيا الحديدة منذ ذلك التاريخ، وسلمتها للإدريسي في يناير ١٩٢١م([6]).

الخاتمة:

وهكذا فقد شهد البحر الأحمر، وعلى وجه الخصوص الجزء الجنوبي منه ألواناً من التجاذباب الدولية خلال العصور الحديثة، بدءاً من منْح ملكة بريطانيا شركة الهند الشرقية البريطانية امتياز إقامة علاقات تجارية مع بلدان منطقة البحر الأحمر ومنها اليمن عام ١٦٠٠م، وقد وجدت الشركة في موقع البحر الأحمر الاستراتيجي كأقصر طريق بحري يربط بين مستعمراتها في شبه القارة الهندية وبين لندن مايمكنها من بسط نفوذها عليه، وكبح محاولات القوى الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا في إيجاد ثغرة للتسلل إلى أي مركز من مراكزه الاستراتيجية، أو التحكم في حركة الملاحة الدولية في مضيق باب المندب وميناء عدن عند مدخله الجنوبي، والتي يمكن من خلال السيطرة على المضيق ربط شمال البحر الأحمر بجنوبه، والتصدي لأطماع فرنسا في الوصول من خلاله إلى المستعمرات البريطانية في الهند، وهو الهدف الذي من أجله احتلت بريطانيا جزيرة بريم المتحكمة بباب المندب عام ١٧٩٩م وانسحبت منها في نفس العام بعد زوال التهديد الفرنسي من ناحية وبسبب رداءة المناخ وعدم توفر مياه الشرب من ناحية ثانية، ثم احتلت عدن عام ١٨٣٩م، وفرضت سيطرتها على سائر موانئ وجزر ساحل البحر الأحمر الشرقي الخاضعة للوالي العثماني في صنعاء، الأمر الذي مثّل تهديداً مباشراً للسلطان العثماني خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، نتج عنه انخراط السلطنة العثمانية في تحالف مع ألمانيا والنمسا والمجر (دول الوسط)، في مقابل تحالف بريطانيا مع فرنسا وروسيا وإيطاليا (دول المحور)، تمخض عن التحالفات والتحالفات المضادة نشوب عمليات عسكرية بحرية وبرية بين الطرفين في ميدان البحر الأحمر كجزء من خطة العمليات الحربية في الميدان الأوروبي، تكللت المواجهات الحربية بانتصار دول المحور بقيادة بريطانيا، وهزيمة دول الوسط بقيادة ألمانيا عام ١٩١٨م، ومن ثم تقاسم بريطانيا وفرنسا ممتلكات الدولة العثمانية ومنها اليمن، بعد انسحاب القوات العثمانية منها. وتبين أن تلك العمليات قد ألحقت أضراراً في المنشآت والممتلكات اليمنية في جزر وموانئ الساحل اليمني الغربي، فتعرضت السفن الشراعية للتدمير والغرق والنهب من جراء الحصار الذي فرضته سفن الدوريات البحرية البريطانية على الموانئ والجزر ومنها جزيرة كمران، ومنعت وصول المؤن إليها بذريعة استهداف جنود الحاميات العثمانية المتمركزة في هذه الموانئ، كما تعرضت التجارة بين الموانئ والداخل اليمني للركود، ومُنعت حركة الاستيراد والتصدير في اللحية والحديدة والصليف والمخا، باستثناء موانئ الإدريسي: جيزان والقنفدة وميدي، في سياق التحالف القائم بينه وبين بريطانيا لطرد الحاميات العثمانية من مناطقه الشمالية والمناطق المحاذية لها جنوباً.

وقد أظهرت العلاقات بين العثمانيين والإمام يحيى والقوى المحلية في لواء تعز القريب من محمية عدن والسواحل الغربية ضعف التنسيق العسكري بين هذه الأطراف، نتيجة وقوف الإمام على الحياد نوعاً ما، وذلك لمحدودية قوته من ناحية، وانشغاله بتأكيد نفوذه في مناطقه بعد توقيع صلح دعان مع الإدارة العثمانية في صنعاء عام ١٩١١م([7])، وضعف جانب بقية القوى اليمنية ومحدودية مواردها، وإن غلب على بعضها التعاطف مع القوات العثمانية بقيادة علي سعيد باشا أثناء بقائها في لحج خلال عمليات الحرب العالمية الأولى بعد دحر القوات البريطانية لها من مدينة الشيخ عثمان على مشارف عدن([8])، وتزويدها بما أمكن من المؤن وبعض المال كما حدث من جانب الشيخ "عبدالوهاب نعمان" شيخ الحُجرية([9])، بالإضافة إلى التزام قوى محميات عدن بمعاهدات الصداقة والحماية التي ربطتها بحكومة الاحتلال البريطانية في مستعمرة عدن أواخر القرن التاسع عشر.

المصادر والمراجع:

١- أباظة، فاروق عثمان: عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٦م.

٢- أنطونيوس، جورج: يقظة العرب، ترجمة: علي حيدر الركابي، دمشق، مطبعة كالترقي، ١٩٤٦م.

٣- بن بريك، أحمد محمد: اليمن والتنافس الدولي في البحر الأحمر، الشارقة، دار الثقافة العربية، ط١، ٢٠٠١م.

٤- بولدري، جون: العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن إبان الحكم التركي، ترجمة وتقديم: سيد مصطفى سالم، القاهرة، المطبعة الفنية، ١٩٨٢م.

٥- جحاف، لطف الله: درر نحور الحور العين في سيرة الإمام المنصور علي ورجال دولته الميامين، ترجمة: عارف الرعوي، صنعاء، وزارة الثقافة، ط١، ٢٠٠٤م.

٦- الجوهري، شاكر: الصراع في عدن، القاهرة، مكتبة مدبولي، ط١، ١٩٩٢م.

٧- حسن، إبراهيم محمد: البحر الأحمر في الحرب العالمية الأولى، القاهرة، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط١، ١٩٩٨م.

٨- الحميد، عبداللطيف: البحر الأحمر والجزيرة العربية في الصراع العثماني البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، الرياض، ط١، ١٩٩٤م.

٩- الرجوي، جميلة هادي: محمد علي واليمن، صنعاء، مركز عبادي للدراسات والنشر، ط١، ٢٠٠٦م.

١٠- سالم، سيد مصطفى: تكوين اليمن الحديث (اليمن والإمام يحيى ١٩٠٤ - ١٩٤٨م)، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، ط٢، ١٩٧١م.

١١- سي، يو، إتش، سن: مجموعة معاهدات والتزامات وسندات تتعلق بالهند والبلاد المجاورة لها، ترجمة: أحمد عيدروس، مج١١، عدن، دار الهمداني للطباعة والنشر، ط١، ١٩٨٤م.

١٢- شبيب، قصي كامل: أهمية مضيق باب المندب في التاريخ الحديث والمعاصر، صنعاء، مركز الدراسات والبحوث اليمني، ١٩٩٤م.

١٣- الشوكاني، محمد بن علي: ذكريات الشوكاني (رسائل المؤرخ محمد بن علي الشوكاني)، تحقيق: صالح رمضان محمود، عدن، وزارة الثقافة، ١٩٨٣م.

١٤- الصفواني، صادق محمد: الأوضاع السياسية الداخلية لليمن في للنصف الأول من القرن التاسع عشر، صنعاء، وزارة الثقافة، ط١، ٢٠٠٤م.

١٥- طه، جاد: سياسة بريطانيا في جنوب اليمن، القاهرة، دار الفكر العربي، ١٩٦٩م.

١٦- عباس، شهاب محسن: الجزر اليمنية، صنعاء، مركز عبادي، د.ت.

١٧- العبدلي، فضل: هدية الزمن في أخبار ملوك لحج وعدن، بيروت، دار العودة، ط١، ١٩٨٠م.

١٨ - عراسي، شفيقة عبدالله: السياسة البريطانية في عدن ومحمياتها، عدن، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، ٢٠٠٤م.

١٩- القاسمي، سلطان محمد: الاحتلال البريطاني لعدن ١٨٣٩م، دبي، مطابع البيان، ط١، ١٩٩١م.

٢٠- ماكرو، إيريك: اليمن والغرب، ترجمة: حسين العمري، صنعاء، د.ت.

٢١- محمد، آمال إبراهيم: الصراع الدولي حول البحر الأحمر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، صنعاء، مركز الدراسات والبحوث اليمني، ط١، ١٩٩٣م.

٢٢- مركز الدراسات العربية: جزر البحر الأحمر، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (إليكسو)، ١٩٨٩م.

٢٣-   Play Fair, R.L:A history of Arabia Felix or Yemen, U.S.A,1978

٢٤-  Bullard, sir Reader:Britain and the Middle east(From the earliest Times to 1950)Gains Press

٢٥-   Gavin, R.J:Aden under British Rule 1839 - 1967, London,1975

٢٦-   The Richard, J. Shuter Aden. Encyclopaedia of World War C and Military History Tucker, Ed. Santa Barbara. ABC - Clio, 2005, P:37

(الجزء الأول)


[1] بولدري: العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن، ص٩٤.

[2] بولدري: العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن، ص١٠٣ - ١١٠.

[3] بولدري: العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن، ص١١١ - ١١٥.

[4] بولدري: العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن، ص١١٦ - ١١٧.

[5] الحميد: البحر الأحمر والجزيرة العربية، ص٢٥٦.

[6] بولدري: العمليات البحرية البريطانية ضد اليمن، ص١٣١ - ١٣٤.

[7] سالم، سيد مصطفى: تكوين اليمن الحديث(اليمن والإمام يحيى ١٩٠٤ - ١٩٤٨م)، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، ط٢، ١٩٧١م، ص١٤٣.

[8]   The Richard, J. Shuter Aden. Evening of World War C and Military History Tucker, Ed.    Santa Barbara. ABC - Clio, 2005, P:37

[9] العبدلي، فضل: هدية الزمن في أخبار ملوك لحج وعدن، بيروت، دار العودة، ط١، ١٩٨٠م، ص٢٣٤ – ٢٣٥.

التعليقات (0)