قراءة تاريخية لتدوينات الكُتَّاب الإغريق عن جنوب جزيرة العرب .. (استرابون أنموذجاً) (1)

قراءة تاريخية لتدوينات الكُتَّاب الإغريق عن جنوب جزيرة العرب

(استرابون أنموذجاً)[1]

أ.د. عبدالله أبوالغيث

سنعمل من خلال هذا البحث على تقديم قراءة تاريخية لتدوينات الكُتاب الإغريق عن جنوب جزيرة العرب، مع اختيار تدوينات استرابون بصفتها أنموذجاً نقدمه لتلك الكتابات، لكون استرابون كان شاهد عيان على بعض ما دونه، حيث رافق الحملة الرومانية التي اتجهت صوب جنوب جزيرة العرب في مطلع الربع الأخير من القرن الأول قبل الميلاد.

وقد اعتمدنا في هذه القراءة على مقارنة الكتابات الإغريقية عن جنوب جزيرة العرب بالمعلومات التي صرنا نعرفها الآن من خلال الآثار والنقوش التي خلفتها لنا الدول اليمنية القديمة التي أنشأت حضارة مزهرة في جنوب جزيرة العرب. إلى جانب مقارنة المصادر الإغريقية مع بعضها، وكذلك مقارنة بعض التناقضات التي وردت في المصدر الواحد في حالة عدم توفر غيره؛ خصوصاً تدوينات استرابون عن الحملة الرومانية على اليمن.

وقد قسمنا البحث إلى أربعة مباحث، على النحو التالي:

-المبحث الأول: أصول التدوين التاريخي.

-المبحث الثاني: ظهور الكتابات الإغريقية.

-المبحث الثالث: كتابات الحقبة الهلنستية.

-المبحث الرابع: تدوينات استرابون.

المبحث الأول:

 أصول التدوين التاريخي

يعد هذا المبحث بمثابة توطئة للبحث نتعرف من خلالها على الجهود التي بذلت لتدوين التاريخ البشري قبل ظهور الكُتاب الإغريق ومؤلفاتهم، مع تعريف مصطلح "قراءة التاريخ" الذي نعتمده هنا في الدراسة التقييمية التي نجريها لما دونه أولئك الكُتاب عن جنوب جزيرة العرب. فالتاريخ علم يستمد معلوماته – بدرجة أساسية- من المصادر التاريخية؛ على ما بين تلك المصادر من تباين واختلاف، من حيث الالتزام بالمصداقية والدقة والأمانة والوضوح فيما دونته لنا من مادة تاريخية.

وذلك ما جعل المناهج العلمية للبحث التاريخي تتعامل مع عملية قراءة المصادر والمؤلفات التاريخية بصفتها عملية مهمة لغربلة تلك المؤلفات، لنصل في نهاية المطاف لتأكيد ما يثبت صحته منها؛ أو على الأقل ما لا يتضح لنا أنه مكذوب وملفق بصورة واضحة.

ويتأتى ذلك للباحثين في التاريخ – وفي طليعتهم المؤرخين المتمرسين – عن طريق إخضاع المعلومات التي تحويها تلك المصادر والمؤلفات لشك الباحث والمؤرخ؛ خصوصاً ما يتعلق منها بالمعلومات التي تضاربت بخصوصها المصادر التاريخية، أو تعارضت مع حقائق العلم والفهم المنطقي لأحداث التاريخ الإنساني، أو مع معلومات تاريخية ثبت صحتها ولم تعد مثار خلاف بين الدارسين، إلى جانب إخضاع المعلومات التاريخية التي تردنا من مصدر وحيد للنقد والتحقيق حتى إن كان مؤلفه بمثابة شاهد عيان على الأحداث؛ لكون التأريخ للأحداث المعاصرة يعد من الصعوبة بمكان لأن أحداثه ما تزال في طور الغليان والتفاعل وقد لا يستطيع المؤلف التحكم بعواطفه تجاهها[2].

إذاً، فالمؤرخ الحصيف الملتزم بالمنهج العلمي التاريخي عليه أن لا يصدق كل ما ترويه كتب التأريخ إلا بعد أن يدرس الأحداث التي وردت فيها ومعرفة ملابساتها وظروف تدوينها، ودراسة شخصية المؤلف والظروف التي ألف كتابه فيها، وغرضه من تأليفه، مع التأكد من صدقه وعدم كذبه؛ سواء بسبب غروره الشخصي أو غرور الجماعة أو البلاد التي ينتمي إليها التي تهمه مصلحتها والحفاظ على سمعتها، أو كان كذبه عن اضطرار بسبب تعرضه لظروف كانت فوق طاقته جعلته يغيّب الحقائق التاريخية أو بعض منها؛ مثل الظروف السياسية والحربية[3] التي قد تجعله يحابي جهة على أخرى، أو يجامل الزعماء والقادة، أو بغرض إرضاء الجمهور الذي يكتب له ورغبته في عدم إزعاج الرأي العام بإيراد أخبار قد تزعجه أو تصادم ذوقه، حتى لو لم يقتنع الكاتب بصحتها[4].

وتتم عملية النقد التاريخي هذه عن طريق التحليل والتعليل والاستنباط، مع المقارنة والمقابلة بين الأحداث التاريخية بمصادرها المختلفة من الناحية الموضوعية والزمانية والمكانية، ليتمكن من فهم ما لم يرد في صفحات المصادر التاريخية بشكل صريح؛ لكنه قد يكون بين سطورها بشكل غير واضح وملموس.

وتتمثل عملية النقد التاريخي بالعمل على تفسير الأحداث التاريخية عن طريق محاولة الإجابة عن (لماذا) حدث الحدث؟ لأن التاريخ لا يعطينا عادة إجابات إلا بخصوص ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ أما لماذا حدث ما حدث فهي تُقَدم بصورة سطحية متمثلة بأسباب مباشرة (معلنة) عادة ما تكون مسوغات يقدمها صناع الحدث من أجل تسويقه لدى الآخرين، بينما تظل الأسباب الحقيقية (غير المباشرة) غامضة أو غير معروفة، ولا يتأتى الوصول إليها إلا بإخضاع الحدث لقراءة تفسيرية تبحث فيما وراء الحدث، فقيمة الحدث – كما يقول المؤرخ هورس – قد تكون أهم من الحدث نفسه، ونصل إليها عن طريق تفسير المجهول بالمعلوم[5].

إذاً، مهمة المؤرخ والباحث التاريخي هي قراءة أحدث التاريخ ومحاولة تفسيرها، وليس الاقتصار على كتابتها وتدوينها كما وردت في المصادر التي استقيناها منها.

ولا ضير أن تتعدد المرات التي تتم فيها عملية قراءة التاريخ وتفسيره ما دامت الجماعة الانسانية بحاجة إلى تجديد وعيها بتاريخها، حتى وإن تمت عملية القراءة من وجهات نظر مختلفة[6] مادامت ملتزمة بأسس ومبادئ البحث العلمي.

ومع ذلك تظل الحقائق التاريخية قاصرة؛ سواء نتجت عن التدوين المباشر، أو القراءة التفسيرية، لأنها بشكل أو بآخر تعد من صناعة المؤرخ، مع أنها تصبح سلسلة من الأحكام المقبولة[7]، لأنه ليس بإمكان المؤرخ تقديم التفسير النهائي للأشياء والأحداث، ولا يمكن له أن يصل إلى اكتمال هدفه المتمثل بإعادة رسم الحياة البشرية كما كانت[8].

وقد أثارت هذه النتيجة بخصوص الحقائق التاريخية الخلاف بين الدارسين عن ما إذا كان يجوز لنا أن نسمي التاريخ علماً من عدمه، وهو الخلاف الذي لم يحسم لصالح طرف من الأطراف؛ ولا أحسبه سيحسم. ومع ذلك فقد شاع مسمى علم التاريخ مثله مثل العلوم الإنسانية الأخرى: كالعلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية وغيرها، انطلاقاً من كون هذه العلوم صارت بمثابة تخصصات تدرس في الجامعات والمعاهد العلمية، وتَخَصَصَ بدراستها أناس يمكن وصفهم بالعلماء، وذلك من باب المفهوم الواسع للعلم باعتباره كل ما يسعى الإنسان لدراسته والتوسع في معرفته، بعيداً عن التعريف الضيق الذي يحصر مسمى العلم على العلوم التي تعتمد التجربة والتطبيق وتصل إلى نتائج نهائية لا تقبل التغيير والتبديل.

ويوصلنا ذلك إلى تعريف التاريخ، والزمن الذي نشأ فيه علم التأريخ. وبهذا الخصوص يمكن تعريف التاريخ باختصار بأنه مجموع المكتسبات التي تحققت للإنسان ووصلت أخبارها إلينا[9]. وقد حاول المؤرخون التفريق بين كلمة (تاريخ) التي تعني الماضي البشري للإنسان على وجه الأرض بمجالاته المختلفة، وكلمة (تأريخ) ويقصد بها الجهد المبذول لمعرفة ذلك الماضي ورواية أخباره ومحاولة إظهار معناه، أي العلم المعني بدراسة ذلك الماضي[10]. وبتعبير آخر يمكن القول إن التاريخ يتمثل بالنشاط الإنساني على الأرض منذ أن وجد الإنسان عليها، بينما التأريخ يتمثل بالجهود التي بذلها الإنسان لتوثيق ذلك النشاط.

ويرى البعض أن التاريخ حركة متصلة تمتد من الماضي لتشمل الحاضر والمستقبل[11]، وليس المقصود بذلك أن التاريخ يمكن أن يقوم بعملية تنبوئية بالمستقبل، ولكن أن يكون من مهام المؤرخ أن يصل بين الماضي والحاضر بطريقة إبداعية خلاقة، عن طريق تقديمه قراءة تفسيرية للتاريخ يسلط الضوء من خلالها على فترات وأحداث من الماضي بعينها، تكون إلهاماً وحافزاً على تحفيز الفعل التاريخي في الحاضر، بمعنى أن تصبح المعرفة التاريخية حافزاً لتفعيل نشاط الجماعة الإنسانية، ويصبح التأريخ بذلك عبارة عن حوار بين الماضي والحاضر[12].

وبناءً على هذا التفريق بين التاريخ والتأريخ يمكننا القول أن التاريخ قد بدأ منذ وجِد الإنسان على وجه الأرض، وانطلاق مسيرته الحضارية عليها منذ العصور الحجرية قبل أن يدلف إلى العصور التاريخية التي يربطها المؤرخون باكتشاف الكتابة في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد. ولعله من الأسلم أن نقول بداية عصور التأريخ وليس التاريخ بناءً على التعريف السابق للتاريخ والتأريخ.

وقد مثلت الكتابة الصورية (نسبة لاستخدام الصِوِّر في الكتابة) أول مراحل الكتابة التي عرفها الإنسان، متمثلة بالكتابة الهيروغليفية في مصر، والكتابة المسمارية في العراق التي ما لبثت أن تحولت إلى كتابة مقطعية. وفي حدود منتصف الألف الثاني قبل الميلاد ظهرت الكتابة الأبجدية في كل من اليمن وأوغاريت وجبيل، وقد ساعدت سهولة استخدامها على انتشارها في أصقاع المعمورة، حيث انتقلت أبجدية جُبيل الفينيقية إلى الأراميين الذين طوروها وأعطوها أشكالاً أيسر، الأمر الذي ساعدها على الانتشار في الشرق، وكذلك انتقلت الأبجدية الفينيقية أيضاً إلى بلاد اليونان في مطلع الألف الأول قبل الميلاد تقريباً، الذين عملوا على تطويرها لتناسب لغتهم فأدخلوا عليها الحركات، وعنهم اقتبس الرومان كتابتهم اللاتينية في حوالي القرن الثامن قبل الميلاد، وانبرت مع مرور الزمن لتصبح وسيلة الكتابة الأولى في عالمنا المعاصر[13].

ومع ظهور الكتابة وتدوينها لكل مواضيع الحياة الإنسانية (تجارة، دين، عمارة، شؤون سياسية وعسكرية) يمكن القول إن عملية التأريخ للإنسان قد بدأت منذ تللك الفترة، لكون الهدف من تلك المدونات –خصوصاً في الجوانب السياسية والعسكرية– قد تمثل بالرغبة في تخليد منجزات أصحابها ونقلها لمن يأتي بعدهم من أجيال، بما يعنيه ذلك من ظهور للحس التأريخي لدى الإنسان القديم، خصوصاً بعد أن ظهرت قوائم بملوك بعض الدول القديمة، حيث ورد فيها ذكر تسلسلي لأسماء الملوك من أقدم العصور إلى تاريخ تدوين تلك القوائم[14]، مع إحساس بالزمن جعلهم يبتكرون التقاويم وأرقام الحساب بصورة عمت أغلب الكتابات القديمة[15].

ورغم إطلاق البعض تسمية المؤرخين على مدوني تلك القوائم الملكية في الحضارات القديمة[16]، وقولهم أن ذلك يمثل قصب السبق لتلك الحضارات في معرفة علم التأريخ الذي ينسب تأسيسه للمؤرخين الإغريق في القرن الخامس قبل الميلاد[17]، إلا أننا نميل إلى التروي في تأييد ذلك القول، لأن تلك المدونات كانت عبارة عن تسجيل لما كان يفعله الحكام والقادة تنفيذاً لما يعتبرونه مشيئة آلهتهم ومعبوداتهم، أي أن التاريخ بهذا الشكل يصبح مجرد مرآة تعكس أوامر الآلهة التي تمليها على الحكام، أما كتبة هذه المدونات فهم مجرد موظفون لا يحق لهم التدخل في مضمونها، وهذا لا يَرْقَ إلى مرتبة التدوين التاريخي المكتمل، الذي يشمل تدوين أحداث الماضي؛ سواء كانت من صنع الملوك أم من صنع عامة الناس، وهو ما يجعلنا نتفق مع كولنجود على تسمية تلك المدونات ب(شبه التأريخ)،[18] وإن كنا نرى بأن ذلك لا يمنع من اعتبار تلك المدونات والقوائم القديمة بمثابة إرهاصات ومقدمات مهدت لظهور علم التأريخ فيما بعد على يد المؤرخين الإغريق.

تجدر الإشارة أن بلاد اليونان كانت قد شهدت انطلاق حركة فكرية منذ مطلع القرن السادس قبل الميلاد، تميز أصحابها بالتفكير العقلي، وشغفهم بالبحث والتحري والتعليل، وقد كانت الفلسفة من أبرز إبداعاتهم الفكرية. وقد ساعدهم كل ذلك للتوجه نحو دراسة التاريخ، وحاولوا الإجابة على أسئلة كان الإنسان يجهل إجاباتها، وتصدوا لمعالجة مشاكل هي ليست من قبيل الإلهيات بل من أعمال الإنسان ونشاطاته المجتمعية، وإن كان ذلك لا يعني أن بلاد اليونان لم تعرف التفكير الأسطوري المرتبط بعالم الآلهة الوثنية الذي ساد في الشرق القديم، حيث نجد أن ملاحمهم المبكرة (مثل الإلياذة والأوديسا لهوميروس) لا تخرج عن ذلك، وحتى في عصر ازدهارهم الحضاري ظلت الحياة بالنسبة لهم بصورة أو بأخرى عبارة عن صراع بين الآلهة والبشر.

ومن بداهة القول أن المناهج العلمية للبحث التاريخي ظلت تتطور عبر العصور حتى وصلت إلى ما هي عليه في حقبتنا المعاصرة من تاريخ العالم.

المبحث الثاني:

ظهور الكتابات الإغريقية

يقترن ظهور التاريخ الإغريقي بمرحلة الحضارة الإيجية التي نشأت في جزيرة كريت خلال الألف الثالث قبل الميلاد، وامتدت منها إلى جنوب شبه جزيرة اليونان عبر مدينة مكيني. تجدر الإشارة أن شبه جزيرة اليونان كانت قد تعرضت لموجات من الهجرات الهمجية القادمة من الشمال؛ ابتدأت بقبائل الآخائيين في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، وقد عم اسمهم ليصبح اسماً لكل اليونانيين (كما نفهم من خلال ملاحم هوميروس في القرن التاسع قبل الميلاد)، وتمثلت آخر تلك الهجرات بالقبائل الدورية في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، وكانوا أكثر تلك الهجرات همجية ووحشية، حيث قضوا على بوادر الحضارة المكينية، وجعلوا القبائل السابقة لهم في الهجرة إلى اليونان تنزح إلى أيونيا (غرب آسيا الصغرى)، وجزر بحر إيجة، وقد انتشرت بفضل ذلك الفوضى في كل بلاد اليونان وتأخر تطورها عدة قرون[19].

ويحسب لغارات الدوريين أنها كانت السبب في اتساع بلاد اليونان اتساعاً كبيراً، إذ دفعت بجزءٍ كبيرٍ من السكان للهجرة أفواجا، حيث أسسوا لهم مستعمرات في جزر بحر إيجة وغرب آسيا الصغرى وجزيرة صقلية وجنوب إيطاليا، وامتدت هجراتهم إلى مصر وشمال أفريقيا وشواطئ البحر الأسود وفرنسا وإسبانيا، ولم يتوقف ذلك المد الاستعماري إلا في مطلع القرن السادس قبل الميلاد. وقد كان لتلك الهجرات أسباباً أخرى؛ يأتي في مقدمتها النشاط التجاري وتوسع المصالح الاقتصادية، حيث نشطت تجارة اليونانيين، خصوصاً بعد أن تعلموا من الفينيقيين صناعة السفن الكبيرة وزادوا في جودتها[20].

كان المهاجرون اليونانيون حيثما يذهبون ويستقرون لا يقطعون صلاتهم بوطنهم الأصلي، وكانوا يحافظون على لغتهم التي اكتمل انتشارها في موطنهم الأصلي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريباً، وكانوا ينظمون مستعمراتهم على نمط المدن في وطنهم الأم، وقد جعلهم ذلك يحافظون على العلاقات فيما بينهم، وأطلقوا على أنفسهم اسم الهلينيين[21]، وبعد انتصار اليونان في الوطن الأم على الغزاة الفرس - بعد حروب امتدت خلال النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد – تولد لديهم شعور بالعزة والتفاخر، وبالغ كُتَّابهم وشعرائهم في تمجيد بني جلدتهم وتفضيلهم على جميع الأمم.

هذا الاعتزاز بالشخصية الهلينية (الإغريقية) كان من شأنه أن يطلق قدراتهم الكامنة من عقالها، ويثير النشاط لديهم. فاتسعت الحركة الديمقراطية، وبذلك تحررت الأفكار وانتشر العمران، وازدهرت الحياة الاقتصادية؛ خصوصاً في مدينة أثينا التي ازدادت أهميتها وهيمنتها على بلاد اليونان منذ هذا التاريخ، وكان ذلك على حساب مدينة إسبرطة بدرجة أساسية. وقد أدى ذلك إلى ازدهار الحضارة الإغريقية في عصرها الكلاسيكي، الأمر الذي تولد عنه توقد الحركة الفكرية التي كانت قد انبثقت في مطلع القرن السادس قبل الميلاد، وكان من نتائجها نشوء علم التأريخ حسبما أشرنا في المبحث السابق.

ويعد هيكاتيوس (في القرن السادس ق.م) أقدم مؤرخ إغريقي حفظ لنا التاريخ اسمه، وقد كتب عن أصل الإغريق وأنسابهم وهجراتهم، وانتقد طريقة الإغريق في تدوين التاريخ، وعدم تمحيصهم الحقائق، واعتمادهم على الأساطير، ودعا إلى تحكيم العقل، والعناية بانتقاء الأخبار. وكان ما كتبه هيكاتيوس ودعا إليه بمثابة تمهيد لما جاء به أبو التأريخ هيرودوت (485-425 ق.م) الذي حول الأساطير إلى تاريخ علمي، وهو أمر لم يكن معروف في العقلية الإغريقية من قبل، فأصبح التاريخ في نظره دراسة اجتماعية تتميز عن دراسة الأساطير[22].

وقد خلف لنا هيرودوت كتابه (التاريخ العام) الذي عالج فيه أخبار الحروب اليونانية الفارسية، وكان خلال تدوينه لهذا الموضوع يشير إلى معلومات الشعوب والأمم الأخرى، وكانت أسفاره إلى بعض الأقطار مثل مصر والعراق وشمال أفريقيا قد مكنته من جمع تلك الأخبار والمعلومات[23]. ومع ذلك فقد خلط هيرودوت في تدويناته بين الحقيقة والأسطورة، خصوصاً ما اختص منها بالحديث عن عصور بعيدة عن زمنه، وكان كلما اقترب من العصر الذي عاش فيه ينقص لديه عنصر الخيال والقصص ويزداد عنصر الصدق والحقيقة التاريخية[24].

وبخصوص ما كتبه هيرودوت عن جنوب جزيرة العرب سنجد أنه يعد أول كاتب إغريقي يقدم لنا ذكر مطول عن العرب وبلادهم، حيث اقتصر ما أورده سابقوه على إشارات قصيرة ومبتورة وردت في ملاحم هوميروس وأشعار هزيودوس ومسرحيات ايخيلوس[25].

وقد ذكر هيرودوت في كتابه الآنف الذكر بلاد العرب وأحوال سكانها في مجالاتها المختلفة تقريباً، حيث تحدث عن موقع بلاد العرب وامتداداتها وتربتها، وعادات العرب وتقاليدهم وعقائدهم الدينية، وملابسهم وأسلحتهم وطرقهم في الحروب، وعلاقاتهم مع الآشوريين والفرس. ورغم اتصاف معلوماته بالعمومية والابتعاد عن التفاصيل، إلا أنها بصفة عامة تتميز بالصحة، مع انتشار للأخطاء وبعض المبالغات، وهو أمر قد يبدو كنتيجة طبيعية لاعتماد هيرودوت على الرواية، لكونه لم يزر جزيرة العرب[26].

والملاحظ أن اسم بلاد العرب لم يقتصر عند هيرودوت على شبه جزيرة العرب فقط، لكنه امتد ليشمل بادية الشام والأراضي المصرية الواقعة إلى الشرق من النيل، أي أنه أطلق تسمية بلاد العرب على كل المناطق التي اعتقد أن البداوة تغلب عليها[27].

أما حديثه عن تجارة العرب ومصادر سلعها فهو يجنح في أحيان كثيرة لخيالات أسطورية، فنجده يحدثنا عن أفاعي طائرة تنتشر بكثرة في بلاد العرب الجنوبية تلد ولا تبيض، وتتواجد على أشجار البخور. وكذلك عناكب مجنحة شديدة الولع بالقتال تملأ البحيرات التي ينبت فيها السناء. وكذلك حديثه عن الطرق التي يحصل بها العرب على بعض السلع التي يتاجرون بها: فاللادن (نوع من أنواع البخور) يجمع بواسطة لحية ذكر الماعز، أما القرفة فالعرب الجنوبيون حسب قوله يحصلون عليها بواسطة قطع اللحم من أعشاش طيور كبيرة ولا يعرفون من أين تأتي بها. والأمر كذلك فيما يخص حديثه عن الأغنام العربية التي ليس لها مثيل في البلدان الأخرى، وتتميز بأن لها ذيول طويلة تزيد عن ثلاثة أذرع وتسحبها في الأرض[28].

ويحسب لهيرودوت أنه أول كاتب إغريقي يذكر لنا تجارة العرب الدولية وأهم سلعها الرائجة في العالم القديم، فهو يذكر لنا اللبان والمر والقرفة واللادن والمر والسناء.

ورغم أن عرب الجنوب كانوا قد تمكنوا من إقامة طريق التجارة الدولي الذي عرف لدى المؤرخين بطريق البخور نسبة إلى أهم السلع التي تمر عبره، وامتد ليربط بين عالم المحيط الهندي وعالم البحر المتوسط عبر جزيرة العرب ابتداءً من الألف الثاني قبل الميلاد[29]، إلا أننا نفهم من هيرودوت بأن تلك البضائع لم تكن تصل إلى بلاد اليونان عن طريق التجار العرب أنفسهم وإنما عبر موانئ الفينيقيين في بلاد الشام، وكان ذلك بسبب سيطرة الفينيقيين على تجارة البحر المتوسط وتجارة البحر الأحمر منذ أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، مستغلين تدهور أوضاع بلاد اليونان في ظل غارات القبائل الدورية، وكذلك ضعف الدولة المصرية في عصور الانحطاط التي أعقبت عصور الدولة الحديثة[30].

تجدر الإشارة أن احتكار العرب للسلع التي ذكرها هيرودوت ظل هو الشغل الشاغل للكُتاب الإغريق والرومان اللاحقين له، مصحوباً بمبالغات كبيرة عن حجم الثراء الفاحش الذي يرفل فيه العرب، لما تصوروه أرباحاً طائلة تعود عليهم من تجارتهم تلك، وقد أدى ذلك إلى تحريك الأطماع الإغريقية من أجل الاستحواذ على تلك الثروات، وجعل الاسكندر المقدوني عند اكتساحه للشرق يخطط للسيطرة على بلاد العرب، خصوصاً أن الاقتصاد في بلاد اليونان في عصر الازدهار الكلاسيكي كان قد شهد تحولاً كبيراً نحو النشاط التجاري الذي اجتذب النبلاء لاستثمار اموالهم فيه بدلاً عن امتلاك الأراضي الواسعة، فاندفعوا لكسب الأموال بشتى الوسائل؛ حتى أن صولون مصلح أثينا (594-572 ق.م) – الذي بدأ حياته تاجراً – قد عبر عن حالة الجشع تلك التي سادت المجتمع الإغريقي بقوله: إن الذين يملكون أكثر من الجميع هم الذين يريدون الزيادة ولا يقف طمعهم عند أحد، واتهمهم أحد شعرائهم بأنهم صاروا يفضلون المال على الشرف[31].

تجدر الإشارة أنه لم يرد ذكر للعرب وبلادهم يستحق الحديث عنه في الكتابات الإغريقية التي تلت هيرودوت حتى مطلع الحقبة الهلنستية التي سنخصص لها المبحث التالي.

(الجزء الثاني)


[1] تمت المشاركة بهذا البحث في (الندوة العالمية لعلاقات الجزيرة العربية بالعالمين اليوناني والبيزنطي)، المنعقدة في رحاب جامعة الملك سعود في الرياض، في شهر ديسمبر 2010م، وتم نشره في مجلة شؤون العصر، الصادرة عن المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية، صنعاء، العدد47، 2013م، ص117-140.

[2] لمزيد من التفاصيل عن منهج النقد التاريخي، انظر: عثمان، عثمان حسن. منهج البحث التاريخي، ط6، دار المعارف، القاهرة، ا987م، ص 21-126.

[3] أحياناً قد يتم ذلك بشكل منهجي ومدروس وبرعاية وتوجيه من قبل جهة محددة، مثل الحركة الصهيونية التي عملت على تزوير تاريخ فلسطين والشرق الأدنى لتجعله أداة في صراعها السياسي والعسكري والثقافي ضد العرب، ساعدها على ذلك السيطرة شبه الكاملة للباحثين والمؤرخين اليهود على كراسي التاريخ في الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث الغربية؛ الأمريكية منها بصفة خاصة، والتي استمرت حتى منتصف القرن الميلادي العشرين على أقل تقدير. انظر: قاسم، قاسم عبده. إعادة قراءة التاريخ، كتاب مجلة العربي 78، الكويت، اكتوبر 2009م، ص83.

[4] عثمان. منهج البحث، ص124-129.

[5] انظر مقولة هورس في كتابه: قيمة التاريخ، ترجمة: نسيم نصر، بيروت، 1986م، ص120.

[6] قاسم، إعادة قراءة التاريخ، ص80.

[7] كار، إدوارد. ما هو التاريخ، ترجمة: ماهر الكيالي وبيار عقل، ط3، بيروت، 1986م، ص14-17.

[8] هورس، قيمة التاريخ، ص112-114.

[9] هورس، ص120.

[10] طه، عبدالوحد ذنون. أصول البحث التاريخي، مطبعة دار الحكمة، بغداد 1990، ص1-8.

[11] مؤنس، حسين. الحضارة، سلسلة كتاب عالم المعرفة (ا)، الكويت، 1978م، ص121.

[12] قاسم، إعادة قراءة التاريخ، ص18، 82.

[13] لمزيد من التفاصيل عن ظهور الكتابات القديمة، انظر: هبو، أحمد. الأبجدية.. نشأة الكتابة وأشكالها عند الشعوب، اللاذقية، 1984م.

[14] تجسد الحس التاريخي في قوائم ملوك دول العراق القديمة بصورة واضحة أكثر من غيرها، انظر: مجموعة مؤلفين، العراق في التاريخ، دار الحرية، بغداد، 1983م، ص222-227.

[15] كانت الحضارة المصرية سباقة في معرفة أرقام الحساب وظهور التقاويم المتسلسلة التي تبدأ من نقطة زمنية محددة، انظر: صالح، عبدالعزيز. الشرق الأدني القديم، ج1، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1984م، 69-106.

[16] مثلاً: الناظوري، رشيد. جنوب غرب آسيا وشمال افريقيا، الكتاب الأول، دار النهضة العربية، بيروت، ص220.

[17] مجموعة مؤلفين، العراق في التاريخ، ص225.

[18] كولنجوود، فكرة التاريخ، ترجمة: محمد بكير خليل، لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، 1961م، ص51.

[19] عياد، محمد كامل. تاريخ اليونان، ج1، دار الفكر، دمشق، 1985م، ص84 وما بعدها.

[20] عياد، تاريخ اليونان، ص102-104.

[21] شاعت بعد ذلك تسمية الإغريق، وهي تسمية أطلقها الإيطاليون على الشعوب الهلينية، ثم انتقلت في عهد الرومان إلى سائر الأمم الأوربية والعالمية. أما تسمية اليونان التي اشتهرت لدى العرب كتسمية لبلاد الإغريق فهي مشتقة من اسم إقليم أيونيا الإغريقي الواقع في غرب آسيا الصغرى، وهو اليوم جزء من الأراضي التركية، انظر: عياد، تاريخ اليونان، ص104-106.

[22] طه، أصول البحث التاريخي، ص47.

[23] باطوم، نور الدين (وأخرون). المدخل إلى التاريخ، دار الإنشاء، دمشق، 1965م، ص104-106.

[24] عثمان، منهج البحث التاريخي، ص155.

[25] يحيى. لطفي عبدالوهاب. العرب في العصور القديمة، دار النهضة العربية، بيروت، 1979م، ص196.

[26] يحيى، العرب في العصور القديمة، ص198-201.

[27] علي، جواد. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 1، بيروت- بغداد، 1976م، ص21.

[28]انظر نص ما دونه هيرودوت عن جنوب جزيرة العرب في: الشيبة، عبدالله حسن. ترجمات يمانية.. العربية السعيدة في المصادر الكلاسيكية، دار الكتاب الجامعي، 6008م، ص20-22.

[29] أبو الغيث، عبدالله. النشاط التجاري اليمني القديم وصلاته بالهند، (مجلة) التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، الرباط، العدد 55، 20011م، ص59.

[30] عن السيطرة الفينيقية، انظر: عياد، تاريخ اليونان، ص131. زيادة، نقولا. دليل البحر الأرثري ضمن كتاب: الجزيرة العربية قبل الإسلام، جامعة الملك سعود، الرياض، 1984م، ص259،260.

[31] عياد، تاريخ اليونان، ص221.

التعليقات (0)