السيطرة الآشورية على سوريا.. صورة لطبيعة العلاقات التي ربطت بين الشعوب السامية (2)

السيطرة الآشورية على سوريا..

صورة لطبيعة العلاقات التي ربطت بين الشعوب السامية

أ.د. عبدالله أبوالغيث

ثالثاً: في عهد الملك آشور ناصر بال الثاني:

ورث "آشور ناصر بال" الثاني (883-859ق.م) عن أبيه "توكلتي ننورتا" الثاني مملكة واسعة قوية وموطدة. وقد جمع هذا الملك الصفات النموذجية للملك الآشوري العسكري، والفاتح القاسي، والإداري المنظم، والبنّاء الكبير، وتشير ملامحه في تماثيله إلى شخصية قوية حازمة وقاسية. ويعود الفضل إلى هذا الملك وإلى ابنه "شلمنصر" الثالث بذلك التنظيم العسكري الآشوري الذي جعل من دولة آشور سيدة آسيا الغربية[1].

صبغت نصوص الملك "آشور ناصر بال" الثاني حروبه وانتصاراته بطابع القسوة الشديدة، والرغبة في تخويف الخارجين عن سيطرته، فتحدثت عن سلخ جلود كبار الأعداء أحياء ونشرها على الأعمدة والأسوار وأبواب المدن، إلى جانب تقطيع الأيدي وبتر الأصابع وجدع الأنوف وصمل الآذان وسمل العيون، وإن كانت هذه الشدة لم تمنعه من الإشادة بفضل أربابه في تأييده، واهتمامه بتقديم القرابين لهم[2].

وما يهمنا هنا هو حملته العسكرية على سوريا، حيث ذكرت نصوصه أنه غزا في بلاد أمور (سوريا) حتى غمس أسلحته في بحرها العظيم (المتوسط)، وأنه تلقى الجزية من الموانئ والجزر الفينيقية الكبيرة: صور وصيدا وجبيل وأرواد وغيرها، وكذلك إمارات الآراميين، وأنه صعد جبال لبنان وجبال خامان (الأمانوس) وجلب أخشاب الأرز والصنوبر لاستخدامها في المعابد والقصور التي بناها[3].

ويشير فيليب حتى أن حملة "آشور ناصر بال" هذه على سوريا كانت أول غزو كامل لسوريا من جهات بلاد الرافدين، حيث يقابلها من الجهة الغربية ما تم على يد الفرعون المصري تحوتمس الثالث قبل ستة قرون[4].

رابعاً: في عهد الملك شلمنصر الثالث:

خلف "شلمنصر" الثالث (858-824ق.م) أباه "آشور ناصر بال" على العرش الآشوري، وقد ورث عنه امبراطورية واسعة برهن على أنه كفؤ ليس في المحافظة عليها فحسب؛ بل إنه وسعها إلى حدود بعيدة لم تبلغها من قبل. وقد كان حكمه الذي دام خمسة وثلاثون عاما عبارة عن سلسلة من الحملات الحربية التي جعلته سيد الشرق الأدنى من الخليج العربي إلى جبال أرمينية، ومن تخوم الأراضي الميدية إلى سواحل البحر المتوسط[5].

وفيما يخص سوريا في سياسات هذا الملك نجد أنها قد حظيت باهتمام خاص لديه، حيث قاد أكثر من حملة بغرض إخضاعها لسيطرته، امتدت على معظم سنوات حكمه.

كانت الحملة الأولى في بداية عهده رداً على تشكل حلف من بعض الدويلات الآرامية الواقعة في شمال غرب سوريا الحالية، شمل كل من كركميش وبيت أديني (عديني) وسمأل (سمعل) مما هدد طرق آشور التجارية إلى آسيا الصغرى، وقد تمكن "شلمنصر" من دحر قوات الحلف بعد أربع سنوات من بدء حكمه، وقام بإلحاق دويلة "عديني" بالإمبراطورية الآشورية، وفرض الجزية على الدويلات المتحالفة معها[6].

مثلت هذه الانتصارات التي حققها "شلمنصر" تهديداً لبقية الدويلات السورية بما فيها المدن الساحلية والجنوبية، ما حدا بها لتشكيل حلف جديد بزعامة مملكة دمشق الآرامية.

اصطدم الملك "شلمنصر" الثالث في معركة "قرقر" (القرقار) في وادي العاصي عام (853ق.م) بقوات الحلف السوري الذي ضم اثني عشر ملكاً؛ على رأسهم "بن حدد" ملك دمشق، و"آخاب" (آحاب) ملك إسرائيل، وممثلون عن صور وسائر المدن الفينيقية، وقد وصل عدد جيوش الحلف التي وقفت بوجه "شلمنصر" في موقعة "قرقر" قرابة ستون ألف مقاتل[7].

أكدت نصوص "شلمنصر" انتصاره الكبير على خصومه ملوك الدويلات السورية، حيث ذكر الملك أنه ذبح منهم الآلاف، وجعل دماءهم تسيل في الوديان، ولم يستوعب السهل الصغير جثثهم المبعثرة[8]. بينما أكد نقش آخر لخصومه السوريين انتصارهم الحاسم في هذه المعركة، وهكذا نرى أن كلا الطرفين يدعي أنه قد حقق نصراً كبيراً على الطرف الآخر. وحول ذلك التضارب يمكن أن نستنج أن معركة قرقر لم تنتهِ بنتيجة حاسمة لأي من الطرفين، وهو ما دفع كل طرف لأن يعتبرها انتصاراً له.

زحف "شلمنصر" بعد خمس سنوات من معركة "قرقر" مرة أخرى على سوريا ليجد أمامه نفس الحلف بالقرب من مدينة حماه، واضطره ذلك للوقوف هناك. وقد قاد حملة جديدة بعد ثلاث سنوات، لكنه لم يستطع بلوغ الشيء الكثير رغم كثرة عدد جيشه[9].

أما مملكة دمشق الآرامية – زعيمة الحلف السوري – فإن عزيمتها لم تهن مع من بقى على الولاء لحلفها إلا بعد أن مزقتها الأطماع الداخلية، فاغتيل ملكها "بن حدد"، وولي بعده "حزائيل"، وكان ذا كفاءة حربية مثله (يعتبره فيليب حتى أعظم محارب في التاريخ الآرامي[10])، حيث يذكر "شلمنصر" أنه في العام الثامن عشر من حكمه قد عبر الفرات، وقاتل "حزائيل" وأنزل به الهزيمة. وقد تكرر لقاؤهما مرات؛ كانت إحداها في العام الحادي والعشرين من حكم "شلمنصر"، وقد أدت تلك الحملات الآشورية في النهاية إلى إضعاف دمشق، مما يسرَ للآشوريين بسط سلطانهم على الإقليم الواقع شماليها الممتد بين نهر الفرات والبحر المتوسط[11].

وبعد أن تمكن "شلمنصر" من إضعاف دمشق اتجه بزحفه نحو الساحل الفينيقي وأقام نصباً عند نهر "الكلب" بالقرب من بيروت، واستقبل الجزية من "يهو" (ياهو) الذي كان قد استولى على عرش اسرائيل في عام (842ق.م)[12]، إلى جانب أخذه الجزية من المدن الفينيقية؛ خصوصاً: صور وصيدا وجبيل، أما أرواد فقد خلع ملكها طاعة الآشوريين، فتمكن "شلمنصر" من هزيمته في معركة حامية[13].

خامساً: الفترة من نهاية عهد شلمنصر الثالث إلى نهاية عصر الإمبراطورية الأولى:

دب الضعف في أوصال الدولة الآشورية أواخر حكم الملك "شلمنصر" الثالث، وتمثلت البداية بخروج ولده الأكبر عليه، ودامت هذه الثورة أربع سنوات مات في أثنائها الملك "شلمنصر". وكانت الحرب الأهلية التي نتجت عن الثورة قد سببت الوهن للملكة الآشورية، وحلت فترة ضعف وانكماش دامت زهاء الثمانين عاماً، حكم خلالها خمسة ملوك كان أولهم "شمس أدد" الخامس[14]. وظلت آشور خلال هذه المدة تتلقى ضربات جيرانها الآراميين والبابليين، وثورات الدول السورية حيناً وتضربهم هي حيناً آخر، ولكن بغير نتائج حاسمة لها أو لجيرانها[15].

حكم بعد "شمس أدد" الخامس (823-811ق.م) ابنه الصغير "أدد نيراري" الثالث (811-783ق.م) الذي كان قاصراً، فتولت أمه مقاليد الأمور كوصية عليه طوال خمس سنوات، وعندما بدأ يحكم بعد انتهاء فترة الوصاية أظهر قدراً من الكفاءة وقوة الشخصية، واستطاع أن يوجه حملة عسكرية إلى سوريا، معيداً بذلك خضوع عدد من الأقاليم التابعة[16]. وقد استطاع بذلك أن يحافظ على القليل الباقي من إرث أجداده، وساعده الحظ فهادنته بعض الإمارات السورية، وقد سبب ذلك زيادة العزلة على دمشق، حيث أصابها الوهن أكثر من ذي قبل[17].

حكم بعد "أدد نيراري" الثالث ملوك من أبنائه ازدادت الدولة الآشورية ضعفاً في عهدهم، فانتهزت الفرصة معظم الأقاليم التابعة والموالية للانسلاخ عن التبعية الآشورية، وتجرأت الدول الآرامية على التحرش ببلاد آشور نفسها[18]. واستمرت تلك الأوضاع إلى أواخر عهد الملك "آشور نيراري" الخامس (754-745ق.م)، وقد آل العرش الآشوري من بعده إلى أخيه "تيجلات بليزر" الثالث على إثر ثورة داخلية، وهو الذي بدأ بحكمه عهد الامبراطورية الآشورية الثانية.

المبحث الرابع: السيطرة الآشورية على سوريا خلال عصر الامبراطورية الثانية

يعد عصر الإمبراطورية الآشورية الثانية فيما يخص السيطرة الآشورية على سوريا عصراً متميزاً عن العهود السابقة له، فهو عصر قوة متواصل، حكم خلاله ملوك عظام تمكنوا من إيصال الفتوحات الآشورية إلى  أقصى مدى وصلت إليه. وكانت السيطرة الآشورية على سوريا خلال هذا العصر سيطرة متواصلة حتى سقوط الامبراطورية الآشورية في عام (612ق.م) حسبما سيتضح لنا.

أولاً: في عهد الملك تيجلات بليزر الثالث:

الملك تيجلات بليزر الثالث (744-727ق.م) هو مؤسس الإمبراطورية الآشورية الثانية، فقد استطاع أن يخلص الدولة الآشورية من حالة الاضطراب والتدهور – التي شملت الفترة الأخيرة من عصر الإمبراطورية الأولى – ويعيدها لسابق عهدها وقوتها، وقد مهد لذلك بالقيام بإصلاحات واسعة في الجيش ونظام إدارة الدولة.

تمثلت تلك الإصلاحات بتقويته لسلطة الملك على حساب النافذين من علية القوم، ومضاعفة عدد الوحدات الإدارية لتسهل إدارتها. وكذلك قيامه بتبديل نظام الجيش الذي كان يعتمد على تجنيد الفلاحين والعبيد إبان الحملات الحربية، وأقام بدلاً عن ذلك ما يشبه نظام التجنيد الإجباري، بحيث أصبح الجيش الآشوري جيشاً قائماً، وسمح لأهالي الأقاليم التابعة للدولة الدخول في سلك الجيش[19].

وبالنسبة لسياسته في الأقاليم المفتوحة – ومن أجل تثبيت قبضته عليها – قام "تيجلات بليزر" بعزل معظم ملوكها وحكامها، وحول الكثير منها إلى ولايات يدير شؤونها حكام أو ولاة يعينهم هو. أما الأقاليم التي لم تدمج بالإمبراطورية فقد عين عليها مندوبين آشوريين إلى جانب حكامها، وفرض عبادة المعبودات الآشورية على بعض أهل المدن العنيدة، ووفر وسائل منتظمة للمواصلات والاتصالات ما بين البلاط والولايات المختلفة. ومن الأمور الجديدة التي أدخلها هذا الملك هي تهجيره لبعض سكان الأقاليم المفتوحة التي تكررت ثوراتها ونقلهم بالجملة إلى أقاليم أخرى[20]، وإسكان أقوام آخرين في بلدانهم. وقد سار على سياسته الملوك الذين خلفوه[21].

لقد كانت سوريا واحدة من الأقاليم التي عمل تيجلات بليزر الثالث على إعادة إخضاعها للدولة الآشورية، حيث توجه إليها في حملة حربية كبيرة لإخضاع الدول المتنامية التي قامت فيها، وقد توجهت الحملة في بداية أمرها صوب الشمال السوري، فوقعت "أرباد" (أرفد) في يده عام (740ق.م)، وكانت تمثل مركز المعارضة ضد آشور في تلك الفترة. وبعد ذلك توجه الملك إلى "سمأل" (سمعل) التي كان قد اغتصب عرشها رجل يدعى "عزريا" وبدأ العمل لإقامة حلف معادٍ للآشوريين، فتمكن "تيجلات بليزر" من هزيمته وقتله، وأعاد العرش للملك الشرعي "بنمو" الثاني[22].

أقام "تيجلات بليزر" معسكره الرئيسي في "أرباد"، ومنها وجه حملاته لإعادة فتح باقي المدن السورية، وقام بقيادتها بنفسه، وبعد عامين من الحروب تمكن من استعادة أغلبها للنفوذ الآشوري[23].

بعد تأكيد ملوك وأمراء سوريا ولاءهم لتيجلات بليزر وتقديمهم الجزية له اتجه بغزواته إلى النواحي الشرقية من جبال زاجروس، لكنه سرعان ما أعاد الكرة في توجيه حملة جديدة إلى سوريا عام (734ق.م)، وكان ذلك استجابة لطلب "آحاز" ملك "يهوذا" حين هدده "فقح" ملك "إسرائيل" و"رصين" ملك دمشق لحمله على التحالف معهما ضد العدو الآشوري المشترك. وقد اجتاح الملك "تيجلات بليزر" المقاطعات التابعة لدمشق، ثم حاصر مدينة دمشق حتى تمكن من فتحها (732ق.م) وقتل ملكها "رصين"، وقطع أشجارها، ونفى أهلها، وهكذا انتهى أمر "آرام دمشق" وانتهت معها السيادة الآرامية إلى الأبد[24].

اتجه الملك الآشوري بعد ذلك جنوباً، حيث تمكن من ضم نصف مملكة إسرائيل، وعين "هوشع" ملكاً على السامرة بصفته تابعاً له، ودفعت السامرة جزية ثقيلة لآشور، كما فعلت يهوذا و"فلسطيا" (المدن الفلسطينية) و"عمون" و"مؤاب" و"أدوم"[25] (في الأردن الحالية). وامتدت الحملة الآشورية هذه إلى المدن الفينيقية وفرضت غرامة على "جبيل" و"أرواد" و"صور"[26].

لم يسلم أهل سوريا للآشوريين وملكهم "تيجلات بليزر" الثالث تسليماً مطلقاً، فاندلعت ثوراتهم من حين لآخر، وظلت مصر ملجأ للفارين من وجهه، وزادت هذه الثورات بعد وفاته في عهد ابنه وخليفته "شلمنصر" الخامس[27].

ثانياً: في عهد الملك شلمنصر الخامس:

خلف "شلمنصر" الخامس (726-722ق.م) أباه على العرش الآشوري، وحكم لفترة قصيرة لا نعرف عن أحداثها إلا أشياء قليلة؛ أهمها الحملة العسكرية التي قام بها إلى سوريا. وكان اهتمام هذا الملك بسوريا دون غيرها بسبب حوادث الشغب التي اندلعت فيها ضد الآشوريين؛ خصوصاً من العام الثاني لحكمه، الأمر الذي جعله يخصص كامل قوته حتى آخر أيامه في سبيل إعادة تثبيت دعائم السلطة الآشورية في الغرب كما كانت في عهد والده[28].

كانت الثورة التي قامت بها "صور" (التي في الجزيرة) ضد سيادة هذا الملك واحدة من حوادث الشغب تلك، مما جعل الملك الآشوري يجتاح فينيقيا ومدنها، وكانت "صيدا" و"عكا" و"صور البر" ترغب في تحرير نفسها من السيطرة المالية لصور الجزيرة وزعامتها فاعترفت بالفاتح الآشوري وسيادته، وأعطته أسطولاً مؤلفاً من ستين سفينة يعمل فيها نحو ثمان مئة مجدف فينيقي لمحاصرتها[29].

حاول "شلمنصر" غزو جزيرة صور بالأسطول الذي جهزته له المدن الفينيقية، لكن السفن الصورية تمكنت من تدميره وأسر خمس مئة من الآشوريين[30]، فلجأ الملك "شلمنصر" لمحاصرة الجزيرة من الساحل، وانتهى الحصار بإبرام معاهدة تحفظ لصور كرامتها في عام (722ق.م)[31].

أما السامرة التي سبق القول أن الملك الآشوري السابق "تيجلات بليزر" الثالث قد عين "هوشع" ملكاً عليها بصفته تابعاً له، لكننا نجد أن "هوشع" هذا خلع طاعة الآشوريين في عهد الملك "شلمنصر" الخامس وثار عليهم، وكان ذلك بتحريض من المصريين ومساعدتهم، فحاصر "شلمنصر" مدينة السامرة ثلاث سنوات دون جدوى، حيث لم تسقط المدينة إلا في عهد خلفه سرجون الثاني[32].

ثالثاً: في عهد الملك سرجون الثاني:

حكم بعد "شلمنصر" الخامس الملك الشهير "سرجون" الثاني (721-705ق.م) الذي لا يعرف اسمه الحقيقي ولا أصله، حيث انتحل الاسم التاريخي سرجون الذي يعني الملك الصادق أو الملك الشرعي. وكذلك لا نعرف صلته بالملك السابق له "شلمنصر" الخامس، وهل كان من ذوي قرباه؟ أم أنه اغتصب العرش عن طريق الانقلاب؟ خصوصاً أنه قد ورد في بعض نصوصه تعريض بسياسات سلفه، المهم في الأمر أن هذا الملك قد تمكن من تأسيس سلالة حاكمة جديد حكمت آشور حتى سقوطها[33].

قضى سرجون السنة الأولى من حكمه في إخماد بعض الاضطرابات التي ظهرت في بلاد آشور نفسها، وبعد ذلك تفرغ لمعالجة قضايا الأقاليم التابعة؛ ومنها سوريا التي كانت الدولة المصرية قد بدأت تتدخل في شؤونها وتحرض أهلها للثورة على الآشوريين، لأن سوريا تعد من أهم مصادر الموارد الاقتصادية للمصريين، وتشكل ممراً مهماً لطرقهم البرية والبحرية[34].

أجل "سرجون" أمر الأقاليم الأخرى المضطربة وقرر أن يبدأ بسوريا، حيث وجه جيوشه نحو الجنوب السوري (فلسطين) فأخضعها، وقام بتخريب السامرة وشرد أهلها، وقام بتهجير الكثير من أهلها إلى مناطق بعيدة، ثم أعاد بناءها إلى أكبر مما كانت عليه، وأسكن فيها أقوام آخرين أتى بهم من بلاد بابل وعيلام وشمال سوريا وبلاد العرب، وعين عليها حاكماً جديداً تابعاً له يؤدي له الجزية[35].

هكذا زالت مملكة "إسرائيل"، أما "يهوذا" فإنها أصبحت عرضة للهجمات المباشرة من الآشوريين، ونجد أن ملكها "حزقيا" قد اتبع سياسة التحدي للآشوريين بتشجيع من مصر، وتحالفت معه المدن الفلسطينية وغيرها من الدويلات المجاورة، وقد أدى ذلك لزيادة الضغط الآشوري على مملكة يهوذا في عهد "سرجون" وخلفه "سنحاريب"[36]، كما سياتي معنا.

وفي "حماه" الآرامية نجد أن ملكها عمل على تحريض بعض المدن السورية ضد الآشوريين، مثل "أرواد" و"سميرا" و"دمشق"، وبدأ يُكَوِّن حلفاً يشبه حلف "قرقر" القديم، فحشد "سرجون" قواته وتقابل مع ملك حماه عند مدينة "قرقر" مدينة ملك حماه المفضلة، ودارت معركة انتهت بحصار المدينة وحرقها، وأسر ملك حماه مع مقاتليه، وسلخ جلود البعض منهم، وأسكن مكانهم في حماه قرابة ستة آلاف آشوري[37].

أما أشدود الفلسطينية فقد امتنعت عن دفع الجزية للآشوريين، وبدأ ملكها بتحريض جيرانه لأن يحذون حذوه، فعزله "سرجون" وولى أخاه الصغير بدلاً عنه، لكن أهل أشدود عزلوا الملك المعين وطردوه، ونصبوا ملكاً عليهم من غير الأسرة الحاكمة. وعلى إثر ذلك اتجه سرجون إلى أشدود، فهرب ملكها الجديد إلى الحدود المصرية، فحاصر "سرجون" المدينة حتى سلمت له هي وجيرانها، فعين حاكماً آشورياً على منطقتها، ونقل إليها مهجرين من خارجها[38].

وبخصوص المدن الفينيقية فغالب الظن أنها فضلت الاستسلام لتبعية الملك الآشوري "سرجون" الثاني، خصوصاً بعد تدميره للسامرة[39].

رابعاً: في عهد الملك سنحاريب:

بعد أن خلف "سنحاريب" (704-681ق.م) والده "سرجون" وجه نشاطه الحربي بالدرجة الأولى إلى الجهتين الغربية (سوريا) والجنوبية (بابل)، أما الجهتين الشمالية والشرقية فقد ساد فيهما شيء من الهدوء والاستقرار النسبيين في عهده. وبالنسبة لسوريا فقد تركزت جهوده في المناطق الساحلية والجنوبية على وجه الخصوص، حيث كانت عدد من دويلاتها قد أظهرت العصيان والثورة على سلطة الآشوريين بمساعدة الجيش المصري[40].

وفيما يخص المنطقة الساحلية (فينيقيا والمدن الفلسطينية) نجد بأن "ايلو ايلي" ملك صيدا كان يميل للمصريين اكثر من ميله للآشوريين، وكان قد فرض سيطرته على قسم كبير من فينيقيا[41]، ولم يكتفِ بذلك بل حاول السيطرة على قبرص التي كان حكامها قد أعلنوا الولاء للملك "سرجون" الثاني، إلى جانب تحالفه مع مملكة يهوذا ضد الآشوريين، لكن محاولته لم تجدِ أمام قوة الجيش الاشوري ففر إلى قبرص، وعين الملك "سنحاريب" خلفاً له على صيدا الملك "ايتبعل"، وأقام "سنحاريب" نصباً لانتصاره على صخور نهر "الكلب" ورد فيه ذكر لملك أرواد "عبدي ليتي" وملك جبيل "أور ملكي"[42].

بعد السيطرة على "صيدا" تمكن "سنحاريب" من السيطرة على "عكا"، وكذلك خضع له موفد "أشدود". بعد ذلك توجه جنوباً فأخذ "يافا" والمدن الفلسطينية الأخرى حتى "عسقلان" وأسر ملكها "صدقيا" الذي لم يسبق له الخضوع للآشوريين[43]، أما الدول الواقعة شرقي نهر الأردن (عمون ومؤاب وأدوم) فأرسلت مندوبين عنها يعلنون خضوعها للملك "سنحاريب"[44].

بعد أن خضعت لسنحاريب كل الدويلات المحيطة بمملكة يهوذا وجه جيوشه صوبها، حيث تذكر التوراة أنه تمكن من أخذ جميع مدن يهوذا الحصينة (سفر الملوك الثاني 18: 13) مما جعل الملك "حزقيا" ملك يهوذا يرسل للملك الآشوري يعتذر منه عن خطئه، ويطلب منه الرجوع عن دخول أورشليم مقابل دفع الجزية، ففرض عليه "سنحاريب" ثلاث مئة وزنة من الفضة، وثلاثون وزنة من الذهب (سفر الملوك الثاني 18: 14).

ولكن يبدو أن ذلك كان مجرد مناورة من ملك يهوذا الهدف منها تأجيل المواجهة مع الآشوريين ريثما يصل دعم حلفائه المصريين، لأن الملك الآشوري أرسل جزءاً من جيشه بقيادة أحد قادته لحصار أورشليم (سفر الملوك الثاني 18: 17)، بينما اتجه هو ببقية جيشه لمقابلة جيش "ترهاقة" ملك مصر الكوشي (سفر الملوك الثاني 19: 8). ويبدو أن الملك "سنحاريب" قد فعل ذلك لتخوفه من ترك حصن مهم مثل أورشليم في مؤخرته وهو يستعد لمواجهة الجيش المصري، حيث التقى الجيشان بالفعل وتمكن "سنحاريب" من وقف تقدم الجيش المصري صوب سوريا[45].

ويري بعض الدارسين بأن زحف الملك الآشوري نحو الجنوب الغربي كان بغرض غزو مصر، وأن الجيش الآشوري قد تمكن من الوصول إلى العريش أو رفح وأن الزوابع الترابية هي التي حالت دون مواصلته السير إلى داخل الأراضي المصرية[46].

وبغض النظر عن أهداف الحملة نجد أن التوراة تذكر لنا أن الرب قد خرج على الجيش الآشوري ليلاً وقتل منهم أعداداً كبيرة، مما جعل "سنحاريب" يعود خائباً إلى آشور (سفر الملوك الثاني 19: 35، 36 و سفر أخبار الأيام الثاني 32: 21)، لكن التوراة لا توضح بالضبط هل حدث ذلك مع الجيش الآشوري الرسمي بقيادة الملك "سنحاريب" الذي كان في معركة مع المصريين، أم أنه حدث مع الفرقة الآشورية المحاصرة لأورشليم بقيادة أحد قادة الملك الآشوري.

ويبدو أن التوراة كانت تتحدث عن الجيش الآشوري المواجه للمصريين، لأنها قد ذكرت عودة "سنحاريب" وهو الذي كان يقود ذلك الجيش، ولم تذكر اسم قائد الفرقة المحاصرة لأورشليم الذي تسميه "ربشاقي"، يؤيد ذلك ما ذكره "هيرودوت" من كارثة حلت بالجيش الآشوري المواجه للمصريين، بسبب أن المصريين – بوحي من معبوداتهم – أطلقوا جرذاناً على معسكرات الآشوريين، فقطعت وأتلفت الجلود والحبال في سلاح الجيش الآشوري، مما سهل تمزيقهم إرباً[47].

ويعيد "فيليب حتى" ذلك إلى كارثة طبيعية أصابت الجيش الآشوري؛ سواء تمثلت بالزوابع الترابية، أو بسبب مرض الطاعون المنتشر في هذه المنطقة، والذي كان كثيراً ما يصيب الحجاج المسلمين بعد ذلك، وهو الذي أصاب جيش نابليون في تلك المنطقة عام (1799م)[48]. ويبدو أن السببين قد ترافقا بحيث كان الطاعون سبباً في كثرة القتلى الذي نسبته التوراة إلى ملاك الرب، بينما تسببت العواصف الرملية بتدمير بعض العتاد المربوط بالحبال وهو ما نسبه "هيرودوت" إلى الجرذان.

أما النصوص الآشورية فإنها لم تذكر لنا شيئاً عن ذلك الحدث، وبدلاً من ذلك فإن نصوص "سنحاريب" قد ذكرت أنه استولى على (46) مدينة من مدن يهوذا، ومعها عدد كبير من قراها، وأنه قسمها بين أنصاره حكام المدن الفلسطينية (عقرون وأشدود وغزة)، وذكرت أيضاً أنه أسر أكثر من مأتي ألف من أهلها[49]. وسمح لحزقيا أن يحتفظ بعرشه، الذي اضطر لدفع الجزية المتأخرة عليه، وقام بإرسال بناته وغيرهن من نساء القصر مع كنوز ثمينة إلى "نينوى" عاصمة الآشوريين بعد عودة "سنحاريب" إليها[50].

(الجزء الثالث)


[1] حتي، تاريخ سوريا، ص 150.

[2] صالح، الشرق الأدنى القديم، ص 588.

[3] صالح، الشرق الأدنى القديم، ص587، 588.

[4] حتي، تاريخ سوريا، ص 151.

[5] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 502.

[6] سليمان، العصر الآشوري، ص148.

[7] حتي، تاريخ سوريا، 151، 179. وقد اشترك في الحلف السوري جندبو العربي مع ألف من راكبي الجمال، حيث يعد ذلك أو ظهور للعرب باسمهم هذا في الوثائق التاريخية التي ظهرت لنا حتى الآن، انظر: أبوالغيث، عبدالله. بلاد العرب في التاريخ القديم، ط3، دار الكتاب الجامعي، صنعاء، 2007م، ص 45.

[8] Lukenbill.D.D. Ancient Records of Assyria and Babylonia, Chicago. Vol.2, 1927.par611, P223.

[9] مورتكات، تاريخ الشرق الأدنى، ص 290.

[10] حتي، تاريخ سوريا، ص 180.

[11] صالح، الشرق الأدنى، ص591، 592.

[12] مورتكات، تاريخ الشرق الأدنى، ص290.

[13] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 75.

[14] سوسة، العرب واليهود، ص 86.

[15] صالح، الشرق الأدنى، ص 157.

[16] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 505. و مهران، مصر والشرق الأدنى، ص 157.

[17] صالح، الشرق الأدنى، ص 593‘ 594.

[18] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 505.

[19] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 509.

[20] يرى البعض أن الملك الآشوري الذي أدخل سياسة التهجير هو الملك توكلتي ننورتا الأول (1244-1208ق.م)، انظر: عامر. العصر الآشوري، ص 132.

[21] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 509. و صالح. الشرق الأدنى، ص 595.

[22] موسكاتي، الحضارات السامية، ص178.

[23] حتي، تاريخ سوريا، ص 151. و صالح. الشرق الأدنى، ص 594.

[24] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 510. حتي، تاريخ سوريا. ص 181،213.

[25] حتي، تاريخ سوريا، ص 213. باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 510.

[26] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 76.

[27] صالح، الشرق الأدنى، ص 596.

[28] مورتكات، تاريخ الشرق، ص 301.

[29] حتي، تاريخ سوريا، ص 153.

[30] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 76.

[31] حتي، تاريخ سوريا، ص153.

[32] صالح، الشرق الأدنى القديم، ص 596. و مورتكات. تاريخ الشرق، ص 301.

[33] هبو، أحمد أرحيم. تاريخ الشرق القديم، ج2 بلاد ما بين النهرين، دار الحكمة اليمانية، صنعاء، 1996، ص 225.

[34] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 511.

[35] صالح، الشرق الأدنى القديم، ص597. و حتي. تاريخ سوريا، ص214.

[36] حتي، تاريخ سوريا، ص 216.

[37] Lukenbill,ll. Par55. P26,27.

[38] صالح، الشرق الأدنى، ص 598، 599.

[39] كنتنو، الحضارة الفينيقية، 77.

[40] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص516.

[41] حتي، تاريخ سوريا، ص 216.

[42] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 77. و صالح. الشرق الأدنى، ص 607.

[43] Prichard. J. B. Ancient Near Eastern Texts Relating to the Old Testament, New Jersy, 1969, p287.

[44] حتي، تاريخ سوريا، 217.

[45] حتي، تاريخ سوريا، ص 217.

[46] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 516.

[47] صالح، الشرق الأدنى، ص 606.

[48] حتي، تاريخ سوريا، ص 217.

[49] صالح، الشرق الأدنى، ص 605. والراجح أن هذا العدد الكبير من الأسرى الذين تحدثت عنهم نصوص سنحاريب إنما قصدت بهم كل سكان مملكة يهوذا آنذاك، بحيث اعتبرهم الملك غنائم حرب حتى إن بقوا في ديارهم. انظر: حتي. تاريخ سوريا، 217.

[50] حتي. تاريخ سوريا، ص 217.

التعليقات (0)