السيطرة الآشورية على سوريا.. صورة لطبيعة العلاقات التي ربطت بين الشعوب السامية (3)

السيطرة الآشورية على سوريا..

صورة لطبيعة العلاقات التي ربطت بين الشعوب السامية

أ.د. عبدالله أبوالغيث

خامساً: في عهد الملك أسر حدون:

ذكرت التوراة أن "سنحاريب" قد لقى حتفه على يد ولديه الكبيرين اللذين هربا بعد قتلهم له، فآل العرش الآشوري من بعده إلى ولده الأصغر "أسر حدون" (680-669ق.م) (سفر الملوك الثاني 19: 37) ، وإن كانت النصوص الآشورية في عهد "أسر حدون" لم تذكر ذلك صراحة إلا أنه يمكن فهم ذلك منها. ومهما يكن من أمر فإن "أسر حدون" قد تغلب على إخوته وتولى العرش الآشوري بعد أن استقامت له الأمور، واستتبت له أحوال المملكة، حيث بدأ يوجه حملاته إلى الأقاليم التابعة، وبهذا الخصوص نجد أنه – على عكس أبيه – قد ركز نشاطه الحربي في الجبهتين الشمالية والشرقية بدرجة أكبر من الجبهتين الجنوبية والغربية[1].

وفيما يخص سوريا فقد تركزت حملات هذا الملك بصورة خاصة على منطقة فينيقيا، حيث ثارت صيدا ضده عام (677ق.م) بإيعاز من المصريين، لكن الثورة فشلت لعدم تكافؤ القوى بين الطرفين، فدك الآشوريون أسوار صيدا ومبانيها، وتعقبوا ملكها "عبدي ملقارت" (عبد ملكوتي) في البحر حتى أسروه وقطعوا رأسه[2]، وكلفوا أعداداً كبيرة من سكان السواحل الفينيقية وبقايا الحيثيين ببناء مدينة جديدة بدلاً عن صيدا؛ أسميت "كار أسر حدون"، وأسكنوا فيها أقوام من أهل الجبال وساحل الخليج العربي[3]. ويعتقد بأن هذه المدينة لم تعرف رواجاً كبيراً، ولم تعمر مدة طويلة، نظراً لضعف شأنها[4].

وقد ذكرت نصوص "أسر حدون" الغنائم القيمة التي أخذت من صيدا من الذهب والفضة والأحجار الكريمة والعاج والثياب والرقيق والدواب[5]. أما ملك صيدا وأحد حلفائه الأشداء في جنوب آسيا الصغرى فقد قطعوا رأسيهما وعلقوهما في عنقي أميرين من صيدا، وساقوهما في موكب النصر بنينوى وسط أصوات المزامير[6].

أما مدينة أرواد فقد بادر ملكها "ياكين" لتسليمها لأسر حدون ومعها ابنتيه. وقد خضعت لأسر حدون أيضاً العديد من المدن الفينيقية بزعامة "بعل" ملك صور، ووقعت معاهدة بين "بعل" و"أسر حدون"، لكن ملك صور تخلى عنها عندما شعر بأن الوقت أصبح مناسباً لنزع النير الآشوري[7]، فانضمت صور عام (672ق.م) إلى "طهرقا" ملك مصر عدو الآشوريين ترجو صيانة استقلالها، مما جعل "اسر حدون" يعود مرة أخرى لمحاصرة صور في جزيرتها[8].

وأقام "أسر حدون" نصب عند نهر "الكلب" يمثله واقفاً بجلال، بجانب كتابة تروي خبر استيلائه على "ممفيس" (مصر) و"عسقلان" و"صور". وفي نصب آخر في سمأل (زنجرلي) يقف "أسر حدون" ممسكاً بحبل ربط به ملك صور وملك مصر من الأنف[9]. ومع ذلك لا يوجد دليل على أسر هذين الملكين؛ وخاصة ملك صور، رغم أن أسر حدون قد تمكن من هزيمتهما، ولعل الرجل المصري المقصود في الرسم هو أمير من الأسرة المالكة في مصر، يؤكد ذلك أن المصري مصور وعلى أحد عارضيه ضفيرة معلقة هي شعار أبناء الملوك[10].

وبخصوص بقية مناطق سوريا الأخرى خارج فينيقيا فيبدو أنه قد ساد فيها الهدوء في عهد "أسر حدون"، حيث لم تشر نصوصه إلا إلى عسقلان كما ذكرنا. ويرى البعض بأن الدويلات السورية في عهد "أسر حدون" كانت قد تقلصت وخضعت لسيطرة الآشوريين المباشرة، ولم يتبقَ منها إلا أرواد وصور وجبيل وعسقلان ويهوذا[11].

وسبق القول أن أرواد قد خضعت لأسر حدون في حملته الأولى الموجهة إلى سوريا، بينما أخضع صور وعسقلان في حملته الثانية، أما جبيل ويهوذا فيبدوا أنهما حافظتا على ولائهما كما هو حال معظم الدويلات السورية له، خصوصاً بعد أن رأت قوات "أسر حدون" تحتل مصر نفسها التي كانت تحرضهم على الثورة ضد الآشوريين.

سادساً: الفترة من عهد الملك آشور بانيبال حتى سقوط الدولة الآشورية:

خلف "آشور بانيبال" (668-626ق.م) والده "أسر حدون" على العرش الآشوري، ورغم أن القسم الأول من عهد "آشور بانيبال" يصنف ضمن عهد القوة الذي سبقه، إلا أن الدولة الآشورية قد دخلت في عصر ضعفها الأخير منذ أواخر عهده، والذي استمر حتى سقوط الدولة الآشورية عام (612ق.م)، وهو ما جعلنا ندمج عهده مع عصر الضعف الذي تلاه في فقرة واحدة.

وقد كانت من أولى الأعمال التي حرص "آشور بانيبال" على إنجازها هي إعادة فتح مصر، التي كانت قد ثارت على الآشوريين بعد عامين من إخضاع والده أسر حدون لها[12]، حيث أتم فتح مصر، ودخل مدينة "طيبة" كبرى عواصم العالم القديم عام (569ق.م)، واتجه بعد ذلك لحصار مدينة "صور" الفينيقية من البر والبحر. وعلى الرغم من التحصينات الكثيرة التي كانت صور قد أقامتها إلا أنها اضطرت للاستسلام لآشور بانيبال ، وكان ذلك بسبب قوة الجيش الآشوري، وقلة مياهه الشرب الذي أجبر سكان صور المحاصرين لشرب ماء البحر[13].

وذكرت نصوص الملك الآشوري أن "بعل" ملك صور قد استرضاه بتقديم ولي عهده وابنته وبنات إخوته، حيث رد اليه ولي عهده وضم البنات إلى حريمه. ونجد أن "آشور بانيبال" لم يدمر مدينة صور كما دمر والده مدينة صيدا، بل إنه عقد مع ملكها صلحاً مقروناً بالجزية، بعد أن نقل الكثير من سكان المدينة إلى خارجها[14].

بعد إخضاع الملك الآشوري لصور قام باستخدام أسطولها لإخضاع "أرواد"، فاضطر ملها "ياكن لو" للاستسلام وإعلان الطاعة والولاء لآشور بانيبال، وحمل إليه الجزية التي تكونت من الذهب والحرير القرمزي والأسماك والطيور، وحمل معه أيضاً إحدى بناته لتكون ضمن حريم الملك الآشوري. ولما مات ملك أرواد هذا سار أبناؤه العشرة إلى البلاط الاشوري وقدموا واجب الطاعة بين يدي "بانيبال"، وكانوا يحملون الهدايا، وكان كل واحد منهم يطمح أن يوليه الملك الآشوري على أرواد بديلاً لأبيه، وفاز بذلك منهم "عزى بعل" الذي صار ملكاً لأرواد[15].

اكتنف الغموض السنوات الأخيرة من حكم "آشور بانيبال" بسبب انقطاع حولياته منذ العام (639ق.م) بسبب الاضطرابات الداخلية والنكسات العسكرية التي شهدتها مملكته، حيث اشتدت هجمات الميديين القادمين من شمال غرب إيران على بلاد الآشوريين، وقد ازدادت أمام الميديين فرص الانطلاق بعد أن اهتزت أركان الامبراطورية الآشورية بطرد حاميتها من مصر، وخروج أغلب ولاياتها السورية عليها، وحدوث الانقسامات الداخلية فيها. وصادف في حدود ذلك الزمن أن البابليين استأنفوا محاولاتهم لنيل الاستقلال عن التبعية الآشورية، حيث استقل "نبوبو بلاصر" – وهو من أصل كلداني/ كلدي – بعرش بابل وبدأ يصفي الحاميات الآشورية فيها[16].

أما الملك "آشور بانيبال" فقد توفى في العام (626ق.م) وخلفه على العرش ابنه "آشور أطل ايلانسي" الذي لم يدم حكمه طويلاً، فخلفه أخوه "سين شار اشكن"، الذي اشتدت في عهده هجمات البابليين مع حلفائهم الميديين على آشور، فسقطت العاصمة الآشورية "نينوى" بيد القوات المتحالفة في عام (612ق.م)، رغم بسالة واستماتة المدافعين عن المدينة، وقد دمر المهاجمون المدينة تدميراً عنيفاً وقتلوا ملكها "سين شار اشكن"، فكانت هذه نهاية الفصل الأخير من حياة أعنف قوة عسكرية منظمة شهدها الشرق القديم حتى عصرهم[17].

  • خلاصة :

   تتضمن هذه الخاتمة خلاصة لما توصل إليه البحث، أو ساعد في تأكيده، على النحو التالي:

1) على الرغم من عدم تمكن الدويلات السورية من تأسيس دولة قوية موحدة على كامل التراب السوري (بلاد الشام) إلا أنها كانت في كثير من الأحيان تتوحد في أحلاف عسكرية لمواجهة الخطر الخارجي؛ شعوراً منها بضعفها في حالة مواجهته منفردة، مثل حلف "قرقر" الذي تزعمته مملكة دمشق الآرامية في مواجهة قوات الملك الآشوري "شلمنصر الثالث".

ونجد أن الأمر قد تعدى الأحلاف الى إقامة نوع من الاتحادات، كالاتحاد الذي ربط بين دويلات المدن الفينيقية، ومثيله الذي ربط بين دويلات المدن الفلسطينية، وإن كانت تلك الاتحادات لم تمنع تلك الدويلات من مساعدة العدو ضد بعضها، بغرض التخلص من هيمنة إحداها على الدويلات الأخرى، كما حدث مع صيدا وعكا وصور البرية التي ساعدت الملك الآشوري شلمنصر الخامس ضد جزيرة صور، رغبة منها في تحرير نفسها من سيطرتها المالية.

2) كانت علاقة بلاد الرافدين بسوريا منذ فجر التاريخ علاقة تجارية بدرجة أساسية، ولم تتطور إلى سيطرة عسكرية إلا في عهد الملك الأكدي "سرجون" مؤسس أول دولة سامية في التاريخ المعروف لنا، حيث وصل "سرجون" ومن بعده حفيده "نارام سين" إلى شمال وغرب سوريا، وامتدت سيطرتهم إلى جبال الأمانوس وطوروس في جنوب تركيا الحالية.

3) لم يعر الاشوريون – ذوي الأصول السامية – أي اهتمام للروابط التي كانت تجمعهم مع الساميين في سوريا، وهو ما لاحظناه من خلال تعاملهم مع دويلات الشعوب السامية في سوريا، حيث اتضح لنا بأنهم لم يكونوا أقل قسوة معها مقارنة بتعاملهم مع بقية الشعوب غير السامية في شرق الدولة الآشورية وشمالها. بل إنه في سوريا نفسها لم يفرق الآشوريون في تعاملهم بين الدول التي تنتمي لشعوب سامية (الكنعانيين والآراميين والعبرانيين) وبين الدول التي تنتمي لشعوب غير سامية (الفلسطينيين)، حيث كان خضوع هذه الدول للسيطرة الآشورية ومدى مقاومتها لها هو الذي يحدد طريقة تعامل الآشوريين معها، وليس انتماءها العرقي أو قرب لغتها من الآشوريين.

أما تعامل الآشوريين مع البابليين بطريقة حضارية تختلف عن أسلوب تعاملهم مع الشعوب الأخرى التي خضعت لسيطرتهم فمرد ذلك ليس عائداً لتقديرهم لروابط الانتماء المشترك للسلالة السامية، بقدر ما هو عائد – بدرجة أساسية – لإحساسهم بتفوق البابليين الحضاري عليهم، وكذلك تقديراً منهم  لمشاركتهم البابليين العيش على رقعة جغرافية واحدة من غير أن تفصل بينهم موانع طبيعية كتلك التي فصلتهم عن البلاد المجاورة الأخرى، مثل الصحاري التي فصلتهم عن سوريا، والجبال التي فصلتهم عن بلاد الفرس في الشرق وآسيا الصغرى في الشمال.

4) تباينت درجة المقاومة عند الدول السورية للسيطرة الآشورية، وكانت أقوى هذه الدول مقاومة على مستوى سوريا كلها هي صور، تليها صيدا على مستوى المدن الفينيقية، ودمشق على مستوى الدول الآرامية، وعسقلان على مستوى الدول الفلسطينية، إلى جانب الدولتين العبريتين السامرة ويهوذا.

وبهذا الخصوص أصبح من المؤكد بأننا لا نستطيع أن نثق بكل ما ذكرته النصوص الآشورية عن الانتصارات التي حققها الآشوريون في سوريا لكونها تمثل وجهة نظر طرف واحد، خصوصاً أنه عندما توفرت لنا وجهة نظر الأطراف الأخرى فإنها قد ناقضت ما ورد في نصوص الآشوريين، على سبيل المثال ما ذكرته نصوص "شلمنصر" الثالث من انتصارات حققها في معركة "قرقر"، بينما تحدثت نصوص تركها لنا الحلف السوري الذي قابله في تلك المعركة عن انتصارات حققها في مواجهة "شلمنصر".

وكذلك فإننا أيضاً لا نستطيع الوثوق تماماً بكل ما أوردته نصوص الطرف السوري؛ خصوصاً التوراة التي أوردت أشياء لا يستطيع العقل تقبلها بسهولة. ويزيد الأمر تعقيداً في المواضع التي سكتت عنها النصوص الآشورية، على سبيل المثال ما ذكرته التوراة عن تدمير ملاك الرب لجيش الملك الآشوري "سنحاريب" أثناء مواجهته للجيش المصري.

(الجزء الأول)


[1] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 519.

[2] Prichard.J.B, p290,291.

[3] صالح، الشرق الأدنى، ص 607.

[4] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 77، 78. ويرى فيليب حتى أن مدينة كار أسر حدون كانت مجرد حصن آشوري بني بجانب صيدا بقصد إلقاء الرعب فيها. انظر: تاريخ سوريا، ص 155.

[5] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 77.

[6] Lukenbil. ll, par527, p211,212.

[7] حتي، تاريخ سوريا، ص 155.

[8] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 78.

[9] حتي، تاريخ سوريا، ص 155.

[10] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 78، 79.

[11] توينبي، ارنولد. تاريخ البشرية، ج1، ط2، ترجمة: نقولا زيادة، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1985م، ص199.

[12] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 522.

[13] صالح، الشرق الأدنى، ص609. و مهران، مصر والشرق الأدنى، 163.

[14] كونتنو، الحضارة الفينيقية، ص 79.

[15] مهران، مصر والشرق الأدنى، ص163. و كونتنو. الحضارة الفينيقية، ص 79.

[16] باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 526، 527.

[17] صالح، الشرق الأدنى، ص 629، 630. و باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 527، 528.

التعليقات (0)