الازدهار والتواصل الحضاري القديم في منطقة تعز (المعافر) .. بين الشواهد الأثرية والتحليلات التاريخية المقارنة (1)

الازدهار والتواصل الحضاري القديم في منطقة تعز (المعافر)

بين الشواهد الأثرية والتحليلات التاريخية المقارنة[1]

أ.د. عبدالله أبوالغيث

سوف يركز الباحث من خلال بحثه هذا بالإجابة على سؤال متعدد الأوجه عادة ما يتردد بين دارسي التاريخ اليمني القديم، مفاده: ما الموقع الذي شغلته منطقة تعز الحالية في ذلك التاريخ بشقيه السياسي والحضاري؟ ولماذا يقل وجود الآثار والنقوش العائدة إلى هذا العصر في هذه المنطقة مقارنة لها ببقية مناطق اليمن الأخرى؟ وهل يعود ذلك إلى كونها كانت منطقة هامشية لم تهتم بها الدول اليمنية القديمة؟ أم يعود إلى قصور في توثيق الدور الذي لعبته هذه المنطقة بصفتها جزء مهم على الرقعة الجغرافية التي امتدت عليها حضارة اليمن قبل الإسلام؟.

ومن أجل الإجابة عن السؤال أعلاه سيقوم الباحث بدراسة تحليلية مقارنة من خلال الأحداث التي شهدتها بلاد اليمن القديم، وكذلك منطقة البحر الأحمر قبل الإسلام؛ بغرض استكشاف دور منطقة تعز في تاريخ اليمن القديم وحضارته، وذلك عن طريق تحليل تلك الأحداث والمقارنة فيما بينها ابتداءً من إخضاع المكرب السبئي كرب إيل وتر لبلاد المعافر(منطقة تعز) في مطلع القرن السابع قبل الميلاد، وذلك قبل توجهه للقضاء على دولة أوسان، وانتهاءً باختيار الصحابي الجليل معاذ بن جبل لمدينة الجند لتكون مقراً له كأول والي لدولة الإسلام الفتية على اليمن في مطلع القرن السابع الميلادي.

ويجدر بنا التنبيه هنا بأن مهمتنا في هذا البحث لن تتمثل في تناول  تفاصيل كل الأحداث التي مرت بها المنطقة طوال هذه الفترة الزمنية الطويلة، لأن ذلك موضوع طويل أملنا أن تتكفل بتفاصيله الكثيرة بقية الأبحاث المقدمة إلى هذا المؤتمر[2]، التي ستتناول جزئيات وفترات محددة من أحداث هذا العصر، أما نحن فستتركز مهمتنا حول الإجابة عن السؤال الذي طرحناه أعلاه، عن طريق الإشارة إلى الأحداث باختصار بما يخدم الفكرة التي أردنا من خلال بحثنا هذا دراستها وإيضاحها.

وقبل الخوض في ثنايا البحث نحب أن نوضح بأن المقصود بمنطقة تعز في بحثنا هي محافظة تعز الحالية إلى جانب المناطق الـمُحاددة لها من المحافظات اليمنية المجاورة لها (إب، الحديدة، لحج، الضالع)، أي تلك البلاد التي تقع في الزاوية الجنوبية الغربية من اليمن ، وتطل على مضيق باب المندب وسواحل البحر الأحمر القريبة منه والتي عرفت في التاريخ القديم باسم المعافر[3].

   وقد قسمنا البحث إلى سبعة عناوين، على النحو التالي:

  • لمحة عن المواقع الأثرية في منطقة تعز.
  • تاريخ منطقة تعز قبل ظهور الدول اليمنية القديمة.
  • دولة أوسان وعلاقتها بمنطقة تعز قبل القرن السابع قبل الميلاد.
  • حملة المكرب السبئي كرب إيل وتر على أوسان وفرض السيطرة السبئية على منطقة تعز.
  • امتداد النفوذ القتباني إلى منطقة تعز على حساب السبئيين.
  • ضعف قتبان وتحول منطقة تعز إلى التبعية الحميّرية.
  • أوضاع منطقة تعز منذ سقوط الدولة الحميرية إلى ظهور الإسلام.

أولاً: لمحة عن المواقع الأثرية في منطقة تعز:

سنقدم في البداية لمحة عن أهم المواقع الأثرية التي تنتشر في منطقة تعز وتعود إلى عصر ما قبل الإسلام، على النحو التالي:

  • مدينة السوا القديمة: كانت مدينة السوا في العصر الحميري -على الأقل- بمثابة الحاضرة الأولى لإقليم المعافر، وتعد البقايا الأثرية لهذه المدينة من أهم الآثار المعروفة في محافظة تعز حتى الآن، وتتمثل هذه الآثار في سور المدينة، وكذلك القصر وملحقاته، إلى جانب المنشآت السكنية والمقابر، وكذلك بعض المواقع الأثرية حول المدينة، مثل موقع الظهرة (السوق)، وموقع ضمدة، وموقع سد الأعدوف[4].

الجدير بالذكر أن المدن التاريخية القديمة الأخرى المعروفة في منطقة تعز، مثل المخاء  وموزع لم يتم العثور فيها حتى الآن على آثار ذات شأن يمكن إعادتها إلى عصر ما قبل الإسلام، رغم معرفتنا لها من النقوش المسندية والمصادر التاريخية القديمة.

أما مدينة جبأ التاريخية فقد تم العثور فيها على بعض الآثار القديمة عن طريق الصدفة، وقد تمثلت تلك الآثار بتمثال ثور من المرمر ومسرجة[5]. وسيأتي الحديث عن تاريخ هذه المدن في ثنايا فقرات البحث القادمة.

2) مواقع منطقة الحجرية: يوجد في قرية صبيرات، مديرية الشمايتين، كهف عثر فوق جدرانه الداخلية على رسومات صخرية، وكتابات بخط المسند[6]، وكذلك عثر في قرية حاز، عزلة قدس، مديرية المواسط، على بعض الأواني الحجرية القديمة، وهي محفوظة في متحف صالة- تعز[7].

3) مواقع منطقة صَبِر: عثر في مديرية صبر الموادم على بقايا مستوطنات أثرية قديمة، إلى الشمال من حمام علي، وهي عبارة عن مستوطنات سكنية شبيهة بمواقع العصور الحجرية التي وجدت في منطقة خولان الطيال[8]، وكذلك تم العثور على العديد من التماثيل الحيوانية في قرية ثوجان، ومنطقة وتير، في مديرية المسراخ- صبر ، وهي محفوظة في متحف صالة - تعز[9].

4) مواقع منطقة شرعب: عثر في قرية كندة، مديرية شرعب السلام، على العديد من القطع الأثرية القديمة متمثلة في بعض الأواني الرخامية، وكذلك بعض التماثيل الآدمية والحيوانية، وهي معروضة في متحف صالة - تعز[10].

5) مواقع منطقة ماوية: عثر في جبل العسلة، مديرية ماوية، على موقع أثري قديم يحتوي على بقايا معبد قديم، وكذلك مبانٍ سكنية، وأواني حجرية وفخارية، وبقايا أحجار عليها كتابات مسندية [11]. كما عثر في قرية البيت، مديرية الحشا التابعة لمحافظة الضالع حالياً، وكانت تابعة لقضاء ماوية في محافظة تعز[12]،على موقع أثري قديم شيدت القرية على أنقاضه، حيث لوحظ وجود أساسات مباني مندثرة، إضافة إلى أحجار عليها كتابات بخط المسند، فضلاً عن صهاريج للمياه محفورة في الصخر[13].

6) مواقع منطقة العدين: تقع المنطقة اليوم في محافظة إب، مُحاددة لمحافظة تعز، وتعد من الناحية التاريخية جزءً من منطقة تعز، وتنتشر فيها بعض المواقع الأثرية القديمة، أهمها موقع قديم في مديرية فرع العدين، عبارة عن تلة كبيرة يعتقد أنها تشمل على بقايا مدينة قديمة، يتضح ذلك من خلال انتشار بعض المباني المهدمة التي طمرتها الرمال[14].

تجدر الإشارة إلى أن ما ذكرناه من مواقع أثرية لا تشمل كل الآثار القديمة المنتشرة في منطقة تعز، فهناك العديد من المواقع التي لم تشملها المسوحات السياحية والأثرية، ولم يصل إليها الباحثون، وحتى الآثار المكتشفة لم تحظَ بالدراسة الجادة لمعرفة العهود التاريخية التي تعود إليها، وبالتالي فالاستفادة التاريخية منها ماتزال محدودة. هذا إلى جانب أن المنطقة لم تشهد أي تنقيبات أثرية في مواقعها المعروفة حتى الآن، والتي لاشك أنها تخبئ لنا مفاجآت مهمة ستساعد في إزالة الغموض الذي يكتنف تاريخ منطقة تعز قبل الإسلام.

ثانياً: تاريخ منطقة تعز قبل ظهور الدول اليمنية القديمة:

لا نعرف على وجه اليقين - وفق ما نملك من مصادر-  ماهي الأوضاع السياسية والحضارية لمنطقة تعز - مثلها مثل بقية المناطق اليمنية الأخرى-  قبل ظهور الدول اليمنية القديمة في مطلع الألف الأول قبل الميلاد حسب ما نملك من نقوش، لكن البرديات الفرعونية حدثتنا عن رحلات تجارية كان يقوم بها قدماء المصريون إلى بلاد البونت التي تقع إلى الجنوب من الأراضي المصرية، خصوصاً تلك البعثة التي نُقشت تفاصيلها على جدران معبد الدير البحري في عهد الملكة حتشبسوت التي حكمت  خلال النصف الأول من القرن الخامس عشر قبل الميلاد[15].

وقد دار خلاف بين الدارسين حول المقصود ببلاد البونت، بين قائل أنها في جنوب جزيرة العرب (اليمن)، وقائل بأنها في شرق أفريقيا، وآخرين حاولوا التوفيق بين الرأيين فقالوا إن المقصود بالتسمية هي البلاد الواقعة حول مضيق باب المندب بضفتيه الأفريقية والأسيوية [16]، وبالتالي فإن منطقة تعز المطلة على باب المندب تعد جزءً من بلاد البونت، ويكون هذا أول ذكر للمنطقة وتاريخها حتى الآن، ولكنه لايعني بالضرورة أول ظهور لتاريخها وحضارتها التي يرجح أنها تعود إلى ما قبل هذا التاريخ مثلها مثل بقية اراضي اليمن الأخرى، والتي لم نعرف حتى الآن التفاصيل الكاملة لعصور ما قبل التاريخ فيها؛ متى بدأت؟ ومتى انتهت؟ لتحل بدلاً  عنها العصور التاريخية القديمة، التي مازال يكتنفها الغموض، ومازالت تقديرات المؤرخين والآثاريين حولها تتفاوت بدرجة كبيرة.

ثالثاً: دولة أوسان وعلاقتها بمنطقة تعز قبل القرن السابع قبل الميلاد:

لا نعرف بالضبط متى خضعت منطقة تعز لنفوذ الدولة الأوسانية، الذي يعتقد أنه يمثل أول ارتباط لهذه المنطقة بالدول اليمنية القديمة، وذلك لأننا نكاد نجهل تاريخ نشوء وتطور الدولة الأوسانية نفسها وامتداد نفوذها إلى المناطق المجاورة لها بما فيها منطقة تعز. فنقش النصر الذي نعرف منه تبعية منطقة تعز(المعافر) لدولة أوسان هو نفسه النقش الذي يحدثنا عن سقوط الدولة الأوسانية على يد المكرب السبئي كرب إيل وتر في مطلع القرن السابع  قبل الميلاد.

ونفهم من حرص كرب إيل في السيطرة على منطقة المعافر قبل توجهه نحو مركز دولة أوسان وعاصمتها (في وادي مرخة بمحافظة شبوة الحالية) مدى الأهمية الاقتصادية التي كانت تمثلها المنطقة لدولة أوسان؛ سواء لذاتها  أو من جراء سيطرتها على جزء من التجارة البحرية لأوسان، خصوصاً مع سواحل شرق إفريقيا، التي يبدو أن نوعاً من السيطرة الأوسانية قد فرضت عليها. ندرك ذلك من إشارة وردت في الفصل الخامس عشر من كتاب الطواف حول البحر الأرتيري، في القرن الثالث الميلادي تقريباً[17]، تُسمي الساحل الأفريقي شمال زنجبار بالساحل الأوساني[18].

وهذه الإشارة التي جاءت بعد قرابة ألف عام من انتصار سبأ على أوسان إنما تدل على عمق الأثر الذي خلفه الأوسانيون في تلك البقاع، وهو أمر لا يمكن حدوثه إلا نتيجة لتاريخ طويل من الوجود المستمر والنشاط الفعال والنفوذ الحقيقي[19]، أو ربما هجرة بعض الجماعات الأوسانية إلى هذه السواحل؛ ومن ثم أطلقت عليها هذه التسمية كما حدث من إطلاق مسميات يمنية على مناطق في الحبشة شهدت هجرات يمنية مماثلة خصوصاً من أراضي الدولة السبئية.

ونجد أن السيطرة اليمنية على المنطقة نفسها قد استمرت حتى القرن الثالث الميلادي، حيث يشير المصدر نفسه في فصله السادس عشر إلى أن  منطقة (ربطة) التي تقع بالقرب من جزيرة زنجبار[20] (أي في منطقة الساحل الأوساني سالف الذكر) كانت تتبع حاكم ميناء موزع الواقعة على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، التابعة بدورها  لقيل المعافر في السوا، الذي يتبع الملك الحميري في ظفار، وكان ذلك - حسبما ذكر صاحب كتاب الطواف - " وفقاً لاتفاقية قديمة قضت بأن يحكم هذا السوق ملك المملكة الأولى - أي المهيمنة على بقية الممالك - في الجزيرة العربية"[21].

فهل كانت  تلك الاتفاقية القديمة تعود إلى عهد الدولة الأوسانية ؟ خصوصاً إنها كانت تنظر لنفسها بأنه الدولة الأولى في جنوب جزيرة العرب أثناء سيطرتها على المعافر قبل القضاء عليها من قبل السبئيين، وفي حالة ما إذا كان ذلك صحيحاً فهل كانت هذه المنطقة الأفريقية تتبع الدول اليمنية القديمة طوال هذه الفترة الزمنية؟ وهل كان حكام إقليم المعافر - عبر موزع - هم من يؤمن سيطرة الدول اليمنية القديمة -المتعاقبة على حكم إقليمهم - على السواحل الشرقية لأفريقيا؟ تلك أسئلة قد لا نملك عليها إجابات شافية وقاطعة، لكن لا مناص من القول بأنها تنبني على معطيات تحمل الكثير من الجدية والمصداقية[22].

رابعاً: حملة المكرب السبئي كرب إيل وتر على أوسان وفرض السيطرة السبئية على منطقة تعز:

أشرنا بأن المكرب السبئي كرب إيل وتر قد ذكر في نقش النصر إنه شن حملة عسكرية في مطلع القرن السابع قبل الميلاد  تمكن خلالها من القضاء على الدولة الأوسانية. وما يهمنا من هذا النقش هو المقطع الذي يتحدث عن المعافر التي كانت وجهته الأولى قبل توجهه إلى مركز الدولة في وادي مرخة، حيث جاء في النقش التالي: "ويوم قهر كرب إيل سأد ونقبة وأحرق كل مدن المعافر واستولوا على ظبر وظلم وأروي، وأحرق كل مدنهم، وقتل منهم (3000) وأسر (8000) وضاعف ضرائبهم، وفرض عليهم إلى جانب ذلك ما يجب تسليمه من بقر وغنم. وقهر ذبحان وقشر وشرجب، وأحرق مدنهم، واستولى على عُر عصمت ومنشآتهم المائية في صير وضمها إلى إلمقه وسبأ"[23].

وباستثناء مناطق ذُبحان وشرجب التي ما زالت أسمائها مستمرة كمسميات لمناطق في بلاد الحجرية حتى اليوم فإننا لا نعرف المقصود ببقية المسميات. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي، أين مدن المعافر المختلفة التي تحدث عنها النقش؟ ولماذا إلى الآن لم يتم العثور عليها؟ وهل يعود ذلك إلى التدمير والإحراق الذي تحدث عنه النقش؟ أم يعود إلى البناء فوق أطلال تلك المدن من جديد في العصور اللاحقة؟ الأمر الذي أدي إلى إخفاء معالمها، وفي كلا الحالتين ماهي مسميات تلك المدن؟ لأنه من الواضح بأن الأسماء التي وردت في النقش هي غالباً مسميات لمناطق أو شعوب (قبائل) لكل منها مدنه المختلفة. تلك الأسئلة التي أوردناها من الصعوبة الإجابة عليها وفق المعطيات التي نملكها في الوقت الحالي؛ وإن كنا لا نستبعد أن تكون بعض المدن التي عرفناها بعد ذلك  في منطقة المعافر من خلال النقوش من ضمن تلك المدن التي قصدها النقش، وهذه المدن هي السوا وجبأ وموزع والمخاء.

تجدر الإشارة إلى إن النقوش والآثار قد تحدثت عن وجود يمني آخر في القارة الأفريقية غير ذلك الذي سبق ذكره في منطقة الساحل الأوساني (سواحل تنزانيا وكينيا)، ونقصد به الوجود اليمني في بلاد الحبشة (أثيوبيا).  ونعرف من النقوش المسندية التي عثر عليها في الحبشة أنها ذات أصول سبئية، وقد حوت على العديد من أسماء الأعلام والمعبودات الوثنية التي كانت انعكاساً لما هو معروف في دولة سبأ اليمنية القديمة، الأمر الذي يدل على أن الهجرات اليمنية إلى بلاد الحبشة قد ارتبطت بالدولة السبئية بدرجة رئيسية.

وبما أن أقدم النقوش المسندية التي عثر عليها في بلاد الحبشة حتى الآن تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد تقريباً وكانت ذات منشأ سبئي[24]، نستطيع القول بأن تلك الهجرات ربما بدأت بالتدفق على الحبشة منذ سيطرة سبأ على منطقة تعز (بلاد المعافر) وانتزاعها لها من أيدي الأوسانيين ، وبالتالي تكون هذه المنطقة هي النافذة التي انطلق منها السبئيون نحو أراضي الحبشة، خصوصاً أنها تطل على مضيق باب المندب الذي يعد أقرب نقطة  بحرية بين ضفتي البحر الأحمر العربية والأفريقة، خصوصاً إذا افترضنا بأن النفوذ الأوساني في شرق أفريقيا المطلة على المحيط الهندي (منطقة ربطة شمال زنجبار) قد آل إلى الدولة السبئية لكونها قد أصبحت منذ هذا التاريخ الدولة الأولى في جنوب الجزيرة العربية، وذلك وفقاً للاتفاقية القديمة المذكورة آنفاً التي أشار إليها كتاب الطواف.

تجدر الإشارة إلى أن هناك من يري أن هذه الهجرات قد بدأت قبل عهد كرب إيل الذي ضم منطقة المعافر إلى دولته، وذلك اعتماداً على ورود اسم (سمه علي) في أحد النقوش المسندية في الحبشة ،حيث عدوه  بأنه هو نفسه المكرب سمه علي الذي حكم قبل كرب إيل [25]، من غير دليل واضح، وذلك لأن اسم (سمه علي) يعد واحداً من خمسة أسماء كانت بمثابة الأسماء الملكية لحكام الدولة السبئية قبل كرب إيل وتر وبعده، وبالتالي فسمه علي المذكور في نقوش الحبشة يمكن أن يكون اسماً لأحد الحكام السبئيين الذين حكموا بعد كرب إيل، وذلك لأن النقش لا يحمل تاريخاً محدداً.

خامساً: امتداد النفوذ القتباني إلى منطقة تعز على حساب السبئيين:

ظلت الدولة السبئية محافظة على هيمنتها على بلاد جنوب جزيرة العرب - التي فرضها مكربها القوي كرب إيل وتر - قرابة مئة عام على الأقل عندما بدأت دولة قتبان في أنتزاع تلك الهيمنة منها، نتيجة لحروب عديدة دارت بين الدولتين منذ مطلع القرن السادس قبل الميلاد[26]. حيث نجد أن حكام الدولة القتبانية بدأوا خلال هذا القرن يتلقبون بلقب مكرب، في مقابل تخلي حكام سبأ عنه وتلقبهم بلقب ملك ابتداءً من منتصف هذا القرن تقريباً، الأمر الذي يعني بأن قتبان قد أصبحت الدولة الأولى في جنوب الجزيرة العربية؛ انطلاقاً من القول المرجح بأن لقب المكرب لم يكن بالوسع حمله في مملكتين مختلفتين في الوقت نفسه إلا خلال فترات قصيرة من الصراع، وذلك لكونه يمنح حامله سلطة على مجموع بلاد جنوب الجزيرة العربية [27].

والسؤال المطروح هنا: هل امتد النفوذ القتباني إلى منطقة تعز؟ ولعل الإجابة بنعم هي المرجحة ، حيث لا يستبعد بأن دولة قتبان قد توسعت خلال هذا القرن والقرون التالية له نحو المناطق الساحلية التي كانت تابعة لدولة أوسان قبل القضاء عليها، وتدل الشواهد بأن سيطرة الدولة القتبانية قد امتدت إلى سواحل باب المندب والمناطق المجاورة لها[28]، إلى جانب استيطان جماعة من القتبانيين في تلك المنطقة[29].

وهناك نقش دونته جالية من مدينة السوا المعافرية تقيم في مدينة هربت القتبانية (حنو الزرير الحالية في وادي بيحان) للمعبود القتباني (عم)، وكان ذلك في عهد الملك القتباني ورو إل غيلان الذي حكم في القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً[30]. وقد عثر مؤخراً أيضاً على نقش قتباني في جبل العود (محافظة إب) ويعد شاهداً على وصول السيطرة القتبانية إلى الزاوية الجنوبية الغربية من اليمن[31].

إذاً فالشواهد تتكاتف فيما بينها لتؤيد خضوع منطقة تعز بمعناها الواسع (المعافر) لدولة قتبان أثناء فترة الهيمنة القتبانية على منطقة جنوب الجزيرة العربية، وأنها استمرت كذلك حتى القرن الأول قبل الميلاد عندما تمكنت حمير من انتزاع مناطق قتبان الساحلية وتحويلها إلى دولة داخلية، الأمر الذي أضعف قتبان وأدى إلى إنهيارها التدريجي[32].

(الجزء الثاني)


[1] تمت المشاركة بهذا البحث في مؤتمر (تعز عاصمة اليمن الثقافية على مر العصور)، المنعقد في رحاب جامعة تعز-اليمن، في شهر مايو2009م، ونشر في الكتاب الذي تضمن الأبحاث المشاركة في المؤتمر وحمل نفس الاسم، الصادر في 2010م، ج1، ص51-63.

[2] المقصود مؤتمر: تعز عبر العصور، الذي قدم إليه هذا البحث.

[3]  هناك خطأ شائع يحصر المعافر في منطقة الحجرية الحالية الواقعة جنوب محافظة تعز، إلا إن الشواهد النقشية تؤكد بأن إقليم المعافر كان أوسع من ذلك بحيث يشمل محافظة تعز الحالية كاملة ويمتد إلي المحافظات المجاورة لها؛ فقد ورد في نقش لكليب قيل المعافر في عهد الحميريين بأن سلطته امتدت لتشمل بلاد الأشاعر (جنوب محافظة الحديدة) وبلاد الكلاع (محافظة إب ، وغيرها) ، وهو ما يسوغ لنا المقابلة بين إقليم المعافر التاريخي من جهة ومنطقة تعز بمعناها الواسع المشار اليه من جهة أخرى. ومما يؤسف له أن اسم المعافر قد تم حصره مؤخراً ليصبح مجرد اسم لإحدى مديريات الحجرية، والخوف أن يأتي في المستقبل من يحدد المعافر التاريخية في تلك المديرية الصغيرة، وإذا كان المقصود من ذلك هو تخليد الاسم فالأحرى إطلاقه اسماً لكل محافظة تعز، ليحتفظ الاسم بمدلوله التاريخي.

[4]  عن تاريخ هذه المدينة وآثارها انظر: الشرعبي، عبدالغني علي سعيد. مدينة السوا.. دراسة تاريخية وأثرية، وزارة الثقافة ، صنعاء ،2004م، ص57-124.

[5]   الهمداني، الحسن بن أحمد. صفة جزيرة العرب، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، ط1، مكتبة الإرشاد، صنعاء، 1990م،  هامش المحقق، ص99.

[6]  نتائج المسح السياحي، ج6، محافظة تعز، وزارة الثقافة والسياحة، 1999م، ص72.

[7] الشرعبي، السوا، ص177.

[8]  المسح السياحي، تعز، ص 64.

[9]  الشرعبي، السوا، ص173-175.

[10]  الشرعبي، السوا، ص171- 175.

[11]  المسح السياحي، تعز، ص83.

[12]  نشرة التقسيمات الإدارية، ج4، محافظة تعز، من واقع التعداد السكاني لعام 1975م، الجهاز المركزي للتخطيط، ص1-8.

[13]  المسح السياحي، ج7، محافظة الضالع، ص10.

[14]  المسح السياحي، ج6، محافظة إب، ص71.

[15]  عن بعثة حتشبسوت انظر: المخلافي، عارف أحمد إسماعيل، دراسات في تاريخ الشرق القديم، ج3 مصر والسودان، ط1، دار الشوكاني للطباعة والنشر، صنعاء، 2004م، ص104. تجدر الإشارة أن اسم بونت بدأ يظهر على الآثار المصرية منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد (بركات ، أبو العيون. بونت بين المصادر المصرية واليمنية القديمة، (مجلة) اليمن الجديد، العدد الثاني، السنة الخامسة عشرة، فبراير1986م، ص84.

[16]  محمد، عبدالحكيم شايف. البحث عن بلاد بونت، بحث مقدم إلى المؤتمر السادس للحضارة اليمنية المنعقد في جامعة عدن، أبريل، 2007م، ص11-13.

[17]  هناك خلاف حول التاريخ الذي أُلف فيه هذا الكتاب، وترجعه آخر التقديرات إلى القرن الثالث الميلادي انظر: الشرعبي، السوا، ص 23.

[18]  The periplus of the Erythraean sea: by: Wilfred  schoff , New York , 1912.

[19]  بافقيه ، محمد عبدالقادر، تاريخ اليمن القديم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985م، ص22،21. وقد صححنا المدة الزمنية المذكورة في المرجع بناء على التاريخ الجديد المرجح لتأليف كتاب الطواف حسبما ذكرنا آنفاً.

[20]  عن موقع ربطة، انظر: يحي، لطفي عبدالوهاب. العرب في العصور القديمة، ط2، دار النهضة العربية، بيروت، 1979م، ص331.

[21]  الشيبة ، عبدالله حسن. ترجمات يمانية، ط1، دار الكتاب الجامعي، صنعاء، 2008، ص75.

[22]  تجدر الإشارة إلى أن هناك من يترجم الفقرة المشار إليها في كتاب الطواف على نحو مختلف، مفاده أن رئيس  ( ربطة)  الذي ينتمي إلى أصل عربي جنوبي كان " يحكمها بمقتضى حق قديم يجعلها خاضعة لسيادة المدينة التي تصل إليها أول ما تصل إلى ساحل الجزيرة العربية (يقصد موزع) " ،انظر: (عبدالوهاب، العرب في العصور القديمة، ص 331)، وهذ يؤيد ما ذهبنا اليه من استنتاج ولا يتعارض مع سياق الحديث الذي أوردناه.

[23]  العمري، حسين عبد الله (وأخرون)، في صفة بلاد اليمن عبر العصور من القرن السابع قبل الميلاد إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ط1، دار الفكر المعاصر، بيروت،1990م، ص13.

[24]  الشيبة، عبدالله حسن. محاضرات في تاريخ الحبشة القديم، دار الكتاب الجامعي، صنعاء، 2006م، ص12.

[25] Wissmann  H. von, Die Mauer der sabaerhouptstadt Maryp, Leiden, 1976, pp41-49.

[26]  آفانزيني، اليساندرا. النفوذ القتباني ضمن كتاب: اليمن.. في بلاد ملكة سبأ، دار الأهالي، دمشق، 1999، ص100.

[27]  روبان، كريستيان ،تأسيس إمبراطورية: السيطرة السبئية على الممالك الأولى، ضمن كتاب: اليمن.. في بلاد ملكة سبا، دار الأهالي، دمشق ،ص90.

[28]  آفانزيني، النفوذ القتباني, ص100.

[29]  الشرعبي، عبد الغني علي سعيد. العلاقات اليمنية المصرية بين الشواهد الأثرية والأدلة التاريخية، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة القاهرة، كلية الآثار،1995م، ص230.

[30]  الشرعبي، السوا، ص27.

[31]   آفانزيني، النفوذ القتباني، ص100.

[32]  تجدر الاشارة أنه إلى فترة النفوذ القتباني هذه عثر على أقدم عملة قتبانية ويمنية قديمة حتى الآن، وتحديداً إلى مطلع القرن الرابع قبل الميلاد (ألكسندر سيدوف وبربارا دفيد، سك النقود أو المسكوكات، ضمن كتاب: اليمن.. في بلاد ملكة سبا، دار الأهالي، دمشق،1999م،ص118.

التعليقات (0)