النشاط التجاري اليمني القديم وصلاته بالهند (2)

النشاط التجاري اليمني القديم وصلاته بالهند[1]

أ.د. عبدالله أبوالغيث

المبحث الرابع:

المنافسة الدولية للنشاط التجاري العربي اليمني ونتائجها السلبية عليه

تعد الرحلات البحرية التي نفذها المصريون نحو بلاد البونت منذ الألف الثالث قبل الميلاد، هي أقدم ما دونه التاريخ لحركة الملاحة في البحر الأحمر؛ وربما إلى ما وراء باب المندب. وبغض النظر عن الاختلافات حول موقع بلاد البونت، والمقصود بها[1]، فنحن نرجح بأن قدماء المصريين قد أطلقوها على كل البلاد التي تقع إلى الجنوب من بلادهم، وتمتد إلى أقاصي الأرض من تلك الناحية. ويمكن مقارنة هذه التسمية بتسمية الهند عند الكتاب الكلاسيكيين، الذين ظلوا حتى القرن السادس الميلادي يطلقونها على كل البلاد التي تقع الى الجنوب من مصر وسوريا (بلاد الشام)، حيث شملت لديهم إلى جانب الهند الحالية كل من الجزيرة العربية وأثيوبيا[2]. وكذلك تسمية بلاد واق الواق عند العرب المسلمين، التي أطلقوها على أطراف الأرض البعيدة عنهم، فهي أحياناً في جنوب أفريقيا، وأحياناً أخرى في اندنوسيا أو اليابان.

ورغم قول البعض بأن سفن مصر الفرعونية قد وصلت إلى المحيط الهندي في تلك الفترة[3]، إلا أننا نستطيع القول بأن ذلك لو كان قد حدث فإنه ظل محصوراً في سواحله الأفريقية، لعدم وجود الشواهد الموثوقة التي تثبت عكس ذلك.

وقد أدى اضطراب أمور مصر الفرعونية خلال القرن الحادي عشر قبل الميلاد، إلى انتقال زمام التجارة في البحر الأحمر وما يليه خارج باب المندب إلى الفينيقيين، بواسطة ميناء تل الخليفة (أيلة: الواقعة على رأس خليج العقبة)، حيث تخصصوا  في نقل البضائع الأفريقية في الغالب، بينما ظلت عملية التواصل مع الهند في يد الملاحين العرب[4]، ومن ثم يتولون نقلها براً عبر طريق البخور. وظل لكل فريق مجاله الذي يعمل فيه.

لذلك فإن المنافسة الحقيقية التي بدأت تهدد سيطرة عرب الجنوب على طرق التجارة الدولية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، لم تبدأ بصورة فعالة إلا بعد اجتياح الإسكندر المقدوني للشرق أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وسيطرته على الشرق الأدنى ووصوله حتى الهند، ولم يتبق أمامه إلا الجزيرة العربية، وكانت دولة سبأ في اليمن بمثابة محور السلطة المركزية فيها[5]. ويبدو أن الاسكندر قد توقع منهم إعلان الولاء له، لذلك فقد غضب من عدم حدوثه، وتوعدهم بالغزو، وبدأ يرسل البعثات من الخليج العربي والبحر الأحمر لاستكشاف سواحل الجزيرة العربية وتقدير حجمها، تمهيداً لغزوها، إلا أن الموت قد عاجله في عام (323 ق.م)[6]  قبل أن يتمكن من تنفيذ وعيده في السيطرة على بلاد سبأ (اليمن). لكنه كان قد وضع بذرة الأطماع الأوروبية في بلاد العرب السعيدة، طمعاً في السيطرة على ثرواتها[7]، وانتزاع تجارتها الدولية من أيدي أهلها.

وبعد أن تقاسم قادته ما تبقى من إمبراطوريته تحت أيديهم، فإن دولة البطالمة في مصر هي من تبنت مشروع الإسكندر ضد العرب، وبدأت في اتخاذ خطوات عدة لتنفيذه، فقد أرسلت البعثات لاستكشاف الساحل العربي للبحر الأحمر، وكذلك تجديد الموانئ المصرية القديمة عليه وبناء أخرى جديدة، إلى جانب زيادة السفن التجارية، وتجهيز أسطول حربي لحماية الملاحة من القرصنة، من أجل تشجيع التجار على التحول بتجارتهم إلى طريق البحر الأحمر، بدلاً عن طريق البخور البري، رافق ذلك عملية تشجيع للجاليات الإغريقية للاستيطان في موانئ البحر الأحمر وجزره[8].

إلا أن هيمنة عرب الجنوب على الملاحة في المحيط الهندي، جعلتهم لا يسمحون لسفن البطالمة بتجاوز ميناء عدن نحو المحيط. حيث حُرموا بذلك من الوصول إلى الهند، المصدر الأساسي للسلع التي كان يتاجر بها العرب، ويجنون من ورائها الجزء الكبير من أرباحهم. وقد دفع ذلك البطالمة للعمل المتواصل من أجل معرفة حركة الرياح الموسمية في المحيط، التي ظلت سراً يحتكره العرب لأنفسهم حتى مطلع النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد.

ومنذ هذا التاريخ بدأت السفن البطلمية بالمتاجرة مع الهند مباشرة عبر المحيط الهندي، حيث أثر ذلك على طريق البخور البري، بعد أن انخفض حجم التجارة المنقولة عبره. وقد أسلفنا القول بأن ذلك مثل نقطة مهمة لتحول طرق التجارة من البر العربي إلى البحر الأحمر. ولذلك فقد اهتم حكام البطالمة بالحفاظ على المنجزات التي تحققت لهم في صراعهم مع العرب- خصوصاً انهم كانوا قد فقدوا ممتلكاتهم في بحر إيجة- فقد خصصوا موظف مسؤول، تكون مهمته الإشراف على تجارتهم في البحر الأحمر والمحيط الهندي، ومراعاة مصالحهم في هذين البحرين[9].

وبعد ظهور الرومان في الشرق في النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد، وتمكنهم من القضاء على دولة السلوقيين في سوريا، ثم دخولهم مصر والقضاء على دولة البطالمة في النصف الأخير من القرن نفسه، فإنهم لم يكتفوا بما ورثوه عن البطالمة من مكاسب تجارية، لكنهم رغبوا في تحقيق ما عجز عنه أسلافهم الإغريق، والمتمثل بفرض سيطرتهم المباشرة على العربية السعيدة (اليمن)، خصوصاً بعد القصص المبالغ فيها التي حاكها الكُتاب الكلاسيكيون، عن حجم الثراء الذي يجنيه العرب (والجنوبيون منهم بصفة خاصة) من نشاطهم التجاري.

لذلك فقد أمر الإمبراطور الروماني أغسطس (31ق.م- 14م) واليه على مصر يوليوس جاليوس بالتوجه إلى جنوب بلاد العرب عام (24ق.م). ويحكي لنا المؤرخ استرابون الذي كان مرافقاً للحملة؛ أن الحملة عبرت البحر الأحمر من مصر إلى الساحل الشمالي الغربي للجزيرة العربية، ثم توجهت براً صوب الجنوب (اليمن)، حيث تمكنت من احتلال مدينة نجران ومدن منطقة الجوف، ثم واصلت سيرها نحو العاصمة السبئية مارب، فحاصرتها لمدة ستة أيام. بعدها قرر الرومان الانسحاب من بلاد العرب والعودة من حيث أتوا، بسبب نقص المياه، وليس بسبب مقاومة عرب الجنوب لكونهم وفق استرابون لم يكونوا أمة حرب لا في البحر ولا في البر، بل ولا يجيدون حتى استعمال الأسلحة التي يمتلكونها![10].

وللأسف الشديد أنه لم يُعثر حتى الآن على ما دونه عرب الجنوب عن أخبار هذه الحملة كما جرت العادة مع أحداثهم الأخرى، ولذلك يبقى ما كتبه لنا استرابون مصدرنا عنها، ويبدو واضحاً أنه تعمد إخفاء كثير من الحقائق؛ خصوصاً ما يتعلق منها بوجود مقاومة للحملة، ويتضح ذلك من خلال التضارب الذي وقع فيه مراراً. فرغم قوله بأن اليمنيين لم يبدوا أي مقاومة لكونهم لا يجيدون القتال، إلا أننا نجده في موضع آخر (فصل:24)- ومن باب تمجيد الجيش الروماني- يحدثنا بأن هذا الجيش قد اصطدم بالعرب عند نهر في منطقة الجوف (غيل وادي الخارد)، وقتل منهم عشرة آلاف مقاتل، مقابل فقدانه لاثنين من الجنود الرومان!!، والأسئلة التى تطرح نفسها هنا هي: إذا كان هذا هو عدد القتلى العرب، فكم كان عدد مقاتليهم؟ وكيف تمت هذه المقتلة بين صفوفهم وهم أصحاب الأرض والأكثر عدداً[11] والأدرى بشعابها من الرومان، الذين كانوا يعانون من المرض والمجاعة باعتراف سترابون، حتى لو افترضنا بأن المدافعين اليمنيين كانت وسيلتهم في الدفاع عن بلادهم مجرد حجارة ؟. ثم مادام الرومان قد وصلوا إلى أبواب العاصمة السبئية مارب، فلماذا الانسحاب بعد ستة أيام من الحصار؟ وإذا كان ذلك بسبب نقص المياه وفق سترابون فلماذا انسحبوا من بقية الأراضي التي كانوا قد سيطروا عليها (نجران والجوف) رغم وجود نهر فيها؟ وإذا كان العرب لا يجيدون القتال فما هي المعركة التي دارت بينهم وبين الرومان عند مدينة نجران أثناء انسحاب الأخيرين من اليمن، والتي وصفها استرابون بأنها كانت "حامية الوطيس"؟. والملاحظ أنه رغم تهوين استرابون الواضح لعدد قتلى الرومان في المواجهات التي خاضوها مع العرب، لكننا نجده يذكر بأن قائد الحملة جاليوس قد عاد إلى الإسكندرية "بمن بقى من قواته"، وهي عبارة توحي بقلة العائدين، يؤكد ذلك عدم تحديده لعددهم رغم حرصه على تسجيل الأعداد في المواضع الأخرى.

وبعد هذه المناقشة السريعة لما دونه سترابون عن الحملة الرومانية علي جنوب الجزيرة العربية، يتضح لنا بأن الغزاة الرومان قد واجهتهم مقاومة شديدة أجبرتهم على الانسحاب، وعادوا وهم يجرون أذيال الهزيمة، خصوصاً وان نقوش قدماء اليمنيين التي تركوها لنا تكذب مقولته عن عدم خبرتهم في القتال؛ فهي تتحدث عن حروب كثيرة خاضتها الدول اليمنية القديمة عبر تاريخها في سائر أنحاء الجزيرة العربية، في إطار تنافسها من أجل السيطرة على المنطقة ومقدراتها. والمرجح أن هزيمة الرومان في اليمن هي التي جعلت الإمبراطور أغسطس يستوعب دروسها، ويترك وصية لخلفائه يطلب منهم فيها الاكتفاء بما وصلت إليه حدود إمبراطوريتهم، والكف عن التوسع أكثر[12]. والملاحظ أن أباطرة روما قد التزموا بوصية أغسطس فيما يخص اليمن حتى أواخر أيام إمبراطوريتهم، وذلك ربما ما جعلهم يفكرون في بديل آخر، تجسد في تحالفهم مع دولة أكسوم التي قامت في الحبشة (أثيوبيا) في مطلع العصور الميلادية، على أنقاض الوجود اليمني السبئي هناك الذي أشرنا إليه سابقاً.

لذلك فقد رحب الرومان بالتوسع الأكسومي في منطقة شرق أفريقيا، وشجعوها على عبور البحر الأحمر في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، والسيطرة على الساحل الشمالي الغربي لبلاد العرب، المقابل لسواحل ولايتهم المصرية، ومن ثم أنابوها عنهم في الصراع مع العرب الجنوبيين. وقد اهتبل الأحباش هذه الفرصة، مستغلين الصراعات والحروب التي نشبت بين الدول اليمنية المعاصرة لهم، خصوصاً بعد أن واتتهم الفرصة الذهبية، عندما استعان بهم الملك السبئي علهان نهفان الهمداني ضد دولة حميّر التي كانت في طور الصعود، وكانت هي من ينافس الأحباش على تجارة البحر الأحمر. وقد أدي التدخل الحبشي في اليمن إلى تمكينهم من دس أنفهم في شؤون اليمن الداخلية، وتأجيج الصراعات بين دولها القائمة آنذاك (سبأ - حمير- حضرموت)، وقد مكنهم ذلك من فرض سيطرتهم على السواحل الغربية لليمن، وظلوا فيها حتى النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي، عندما أجلاهم عنها الملك الحميري ياسر يهنعم، وخلفه على عرش حمير ابنه شمر يهرعش، الذي تمكن من توحيد اليمن القديم كله في إطار دولته، بعد قضائه على دولتي: سبأ وحضرموت في أواخر القرن الثالث الميلادي[13].

ونجد أنه منذ القرن الرابع الميلادي بدأ الصراع الدولي على طرق التجارة ينحو منحاً دينياً، حيث أعتنق الإمبراطور البيزنطي قسطنطين (312-337م) المسيحية، وجعلها الديانة الرسمية لدولته، ونقل عاصمتها من روما إلى بيزنطة (القسطنطينية/استامبول) التي نسبت اليها دولته بعد ذلك. أعقب ذلك اعتناق الملك الأكسومي عيزانا المعاصر له للديانة المسيحية أيضاً؛ وإن على مذهب مختلف لمذهب بيزنطة، الأمر الذي جعل قسطنطين يرسل المبشر ثيوفيلوس إلى مملكة حمير (اليمن)، رغبة منه في نشر المسيحية فيها على مذهب الدولة البيزنطية، بغرض إيجاد موطئ قدم لدولته هناك. وبناءً على موافقة الحميريين قام البيزنطيون ببناء كنائس لهم في كل من: ظفار عاصمة الدولة، وعدن ميناءها الرئيسي آنذاك[14]. ويبدو أن بيزنطة أرادت بذلك أن تضمن لها أنصار باسم الدين، لتقوي بهم موقفها في صراعها مع الفرس الساسانيين؛ لهذا توجهت بعثاتها التبشيرية إلى جزيرة سقطرى وميناء هرمز[15].

وكانت الديانة اليهودية قد عرفت سبيلها إلى اليمن أيضاً، ولذلك فقد اشتد التنافس بين الديانتين، وكان في ظاهره صراعاً دينياً؛ بينما يخفي من ورائه صراعاً اقتصادياً وسياسياَ، بين الفرس المتحالفين مع اليهود من جهة، وبين البيزنطيين النصارى ومعهم الأحباش إخوانهم في العقيدة من جهة أخرى. لكن نفوذ اليهود في اليمن أخذ ينحسر لصالح النصارى المدعومين بالأحباش، خصوصاً في عهد الملك الحميري معدي كرب يعفر الذي حكم في مطلع القرن السادس الميلادي. وصار وجود النصارى في اليمن يرمز إلى التبعية السياسية والاقتصادية للأحباش والبيزنطيين[16].

وذلك ما أدى إلى الإطاحة بالملك معدي كرب، على يد يوسف أسار يثأر (المعروف بذي نواس في المصادر الإسلامية)، الذي اشتد في معاملة المسيحيين في مملكته لسبب يعيده البعض لتهوده، والبعض الآخر لصداقته لليهود وتأثره بتحريضهم، والمرجح أن ذلك كان بسبب اقتران انتشار المسيحة في اليمن بالنفوذ الحبشي والبيزنطي. وقد استغل الأحباش ذلك وقاموا بغزو اليمن بعون بيزنطي، وقضوا على الدولة الحميرية فيها، وأخضعوا اليمن لسيطرتهم المباشرة (أواخر الربع الأول من القرن السادس الميلادي)[17]. حيث انتهت بذلك سيطرة اليمنيين على طريق البخور الدولي، بعد أن هيمنوا عليه أزمان طويلة، بدأت منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وكان ذلك سبباً رئيسياً لرقي حضارتهم، التي تعد إحدى الحضارات الزاهرة في العالم القديم.

المبحث الخامس:

صلات العرب التجارية مع الهند.. نهاية مرحلة وظهور أخرى

هكذا أخيراً تمكن الأحباش حلفاء البيزنطيين من تحقيق حلم الاسكندر المقدوني بالسيطرة على بلاد البخور، بعد قرابة ثمانية قرون ونصف من  رحيله. لكنهم لم يتمكنوا من وراثة النشاط التجاري اليمني القديم بأكمله؛ لعوامل جغرافية واجتماعية وسياسية واقتصادية؛ تضافرت فيما بينها، وساعدت على ظهور طرف عربي آخر شاركهم التحكم بنشاط طرق التجارة الدولية المارة عبر الجزيرة العربية.

وقد تمثل ذلك الشريك بقبيلة قريش المكية، التي استطاعت أن تؤسس شبكة عربية جديدة للتجارة الدولية، عرفت في القرآن الكريم باسم إيلاف قريش (سورة قريش:1- 2). ويقصد به العِصَم (العهود) التي أخذها أبناء عبد مناف بن قصي (الجد الثالث للنبي محمد r) من زعماء الدول الواقعة على الأطراف الأربعة لجزيرة العرب[18]. وكان هاشما، أول من أقام الإيلاف مع الدولة البيزنطية (الروم) في ولايتها السورية (بلاد الشام) التي كان يتاجر إليها، ثم توالى إخوته من بعده في إقامة عرى الإيلاف كل في البلاد التي يتاجر فيها: حيث أقامه المطلب مع أحباش اليمن، الذين سيطروا على نشاطها التجاري المحلي، وجزء من تجارتها مع بلدان المحيط الهندي. وأقامه نوفل مع إمارة الحيرة في العراق، ومن ورائها دولة الفرس الساسانيين المهيمنين عليها. تلاهم أخوهم الأكبر عبد شمس في أخذ الإيلاف من دولة أكسوم الحبشية في شرق القارة الأفريقية. حري بالذكر أن الإيلاف - بعد اكتمال شبكته - قد ساهم في تنشيط تجارة الأسواق الموسمية في الجزيرة العربية وازدهارها[19].

ونتيجة للأهمية التجارية التي أصبحت تمثلها مدينة مكة بعد أن أصبحت مركز التحكم بتجارة الإيلاف، فقد رغب الأحباش - بتحريض من بيزنطة - بالسيطرة عليها لتكتمل بذلك سيطرتهم على تجارة البحر الأحمر والظهير العربي المطل عليه، ويحققون بذلك نوع من التوازن مع خصومهم الفرس، الذين يتحكمون بطريق الحرير الداخلي، إلى جانب سيطرتهم على تجارة الخليج العرب (الفارسي) مع المحيط الهندي، التي استعادت نشاطها على يد الساسانيين، منذ مطلع القرن الثالث الميلادي.

وتعيد المصادر العربية أسباب الحملة الحبشية على مكة إلى تبَول أحد الأعراب في الكنيسة (القليس)، التي بناها أبرهة في صنعاء، لتكون محجة للعرب بدلاً عن كعبتهم في مكة[20]. ويبدو أن هذا السبب المتلفع بالدين، كان هو السبب المعلن من قبل الحاكم الحبشي في اليمن (أبرهة)، لكنه كان يخفي من ورائه أسباباً أخرى (اقتصادية وسياسية)، عُدت بمثابة المحرك الفعلي لحملته على مكة، يأتي في مقدمتها رغبتة في السيطرة على تجارتها، والاتصال المباشر مع البيزنطيين في الشام عبر منطقة الحجاز[21].

وقد انتهت حملة أبرهة الحبشي على مكة بهزيمة نكراء، تدخلت فيها القدرة الإلهية حسبما أورد القرآن الكريم (سورة الفيل:1- 5). وتمثلت أهم نتائجها باحتكار العرب (خصوصاً قريش) لتجارة الطريق الدولي المار عبر الحجاز[22]، وعلو شأن قريش بين سائر العرب، وذلك أنه لما "رد الله الحبشة عن مكة... أعظمت العرب قريشا، وقالوا: هم أهل الله، قاتل الله عنهم، وكفاهم مؤنة عدوهم"[23].

الجدير بالذكر أن أبرهة كان قد أرسل حملة سابقة لهذه الحملة (571م)، توجهت صوب منطقة نجد في وسط الجزيرة العربية عام (662 حميري= 547ميلادي)[24]. والمرجح أن هذه الحملة تمت بتحريض من البيزنطيين، وتدخل ضمن صراعهم مع الفرس في بلاد العرب[25]، بحيث استهدفت المملكة اللخمية الموالية لهم في وسط جزيرة العرب[26]، خصوصاً أنها نُفذت بعد تمرد أبرهة على الدولة الأكسومية، واستقلاله باليمن مملكة خاصة به وأولاده من بعده، وغالباً كان ذلك بإيحاءٍ من بيزنطة، لتتمكن عبر التحالف معه من إتمام مشروعها الذي أعدت له طويلاً، والمتمثل بحصولها على منفذ تطل من خلاله على ساحل المحيط الهندي، والتحكم بمداخل البحر الأحمر ومخارجة. ساعدها على ذلك اعتناق أبرهة للمسيحية على مذهبها الخلقدوني (الذي اكتسبه في صغره عندما كان عبداً لتاجرٍ بيزنطي مقيم في ميناء عدوليس الحبشي)، وليس على مذهب أكسوم اليعقوبي[27].

توفى أبرهة بعد عودته من حملته المكية، وخلفه من بعده ولديه: يكسوم ثم مسروق، وفي عهد الأخير (575م) تم طرد الأحباش من اليمن على يد الثائر اليمني سيف بن ذي يزن، بمساعدة من الفرس الساسانيين، الذين سرعان ما تخلصوا منه، وأعلنوا اليمن ولاية فارسية[28]، حتى يتمكنوا من إحكام قبضتهم على كل طرق التجارة الدولية التي تربط بيزنطة بالشرق. وظلت اليمن ولاية فارسية إلى أن انضوت في إطار الدولة العربية الإسلامية الناشئة في مطلع القرن السابع الميلادي.

  • خلاصة:

هكذا تتضح لنا الأهمية التي شكلتها الحركة التجارية لعرب الجزيرة جنوباً وشمالاً،  حيث مثلت لهم المحور الذي تمركزت من حوله حضارتهم قبل الإسلام[29]، فعلى طرقها الدولية والمحلية قامت عواصم دولهم العربية في مختلف فترات العصر القديم، واستمدت منها مصدر قوتها وازدهارها، من خلال الضرائب والمكوس (الجمارك) التي كانت تحصل عليها، إلى جانب ما منحته هذه الطرق للمناطق التي تمر فيها من فرصة للنماء والازدهار، جراء الخدمات التي صارت تقدمها للقوافل التجارية وأربابها، ما جعلها محطة جذب لمن حولها من السكان[30]. ولعل ذلك ما جعل بليني يذكر أن نصف العرب كانوا تجاراً، ويصفهم بأنهم أغنى أمم الأرض كلها[31].

وبالنسبة للهنود فقد حظيت التجارة باهتمام كبير لديهم أيضاً، فبلادهم كانت مصدراً لكثيرٍ من سلع التجارة الدولية في العالم القديم، إلى جانب كونها معبراً للعديد من السلع القادمة من الشرق الأقصى ووسط آسيا نحو القسم الغربي من المحيط الهندي والمسالك المتفرعة عنه، خصوصاً في أوقات اشتعال حروب الفرس مع الدول اليونانية الرومانية، التي كانت عادة ما تفضي إلى قطع طريق الحرير الأسيوي.

وينقل لنا سفير الدولة السلوقية إلى بلاط الملك الهندي تشاندرا جوبتا (322- 298 ق.م) – مؤسس حكم أسرة موريان، على أنقاض السيطرة المقدونية – أن الجهاز الإداري لمملكته كان يشتمل على قطاع مختص بالملاحة البحرية والنهرية، مهمته توفير وسائل المواصلات عليها، والعناية بالموانئ والجسور. إلى جانب قطاع آخر مختص بالمواصلات البرية والعناية بطرقها، التي تربط بين مختلف أنحاء البلاد، وتعبيدها وصيانتها، والتي تنوعت بين طرق عادية وتجارية وملكية[32]. وهذا ما يؤكد لنا حجم الاهتمام الذي حظيت به التجارة في الهند.

وكان طبيعياً أن تُعطي الدول المتعاقبة على حكم اليمن قبل الإسلام، اهتماماً كبيراً بالهند، وتبذل ما في وسعها لمنع وصول أي منافسين إليها، ولعل ذلك ما جعل بعض العرب يستوطنون الهند منذ أزمان بعيدة، حيث وُجدت جاليات منهم هناك، كانت مقيمة فيها من قبل أن يغزوها الإسكندر المقدوني، في أواخر القرن الرابع قبل الميلادي[33].

ولم يكن اهتمام الهنود باليمن أقل شأناً  من ذلك، فقد مثلت لهم الوسيط التجاري الأول تصديراً واستيراداً، خصوصاً في الألف الأول قبل الميلاد. ونعرف من خلال نقش مسندي يعود إلى مطلع القرن الميلادي الثالث، أن الهنود كان لهم ممثلين في بلاطات الدول اليمنية القديمة ذات العلاقة بتجارة المحيط الهندي، حيث يتحدث ذلك النقش عن وجود مندوبين من جنسيات مختلفة حضروا حفل تنصيب الملك الحضرمي إيل عز يلط، كان من ضمنهم هنديان هما: دهرة وبندرة[34]. وذلك يعبر عن أهمية دولة حضرموت للتجارة الهندية، خصوصاً خلال هذه الفترة التي انشغلت فيها دولتي سبأ وحمير المعاصرتان لها بالحروب التي دارت بينهما، وما رافقها من تدخل حبشي سبقت الإشارة إليه.

نختتم بحثنا هذا بالإشارة إلى أن صلات العرب التجارية مع الهند قد دخلت في مرحلة جديدة، ارتبطت بظهور الإسلام وتوحيده لجزيرة العرب في إطار دولة الخلافة الإسلامية، التي امتدت في أوج ازدهارها من الصين شرقاً إلى فرنسا غرباً، واحتوت في إطارها الدولة الفارسية بكاملها، إلى جانب الولايات البيزنطية في آسيا وأفريقيا، الأمر الذي جعل من العرب المسلمين بمثابة الشريك الرئيسي لتجارة الهند الدولية في المحيط الهندي، حيث تكاملت أدوارهما مع بقية القوى الأخرى (الصين وأفريقيا)، في تنافس شريف[35] استمر قرابة الألف عام، وتحديداً إلى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، عندما ظهر الأروبيون من جديد في المحيط الهندي، ابتداءً بالبرتغاليين عقب اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح.

ثم توالت الأساطيل الحربية الأوروبية على المنطقة، خصوصاً البريطانية والفرنسية، وعملت على تدمير الأساطيل التجارية التابعة لدول المنطقة، حتى يتسنى لها الاستئثار بثروات بلدانها من دون أهلها، وما لبثت القوى الأوروبية أن تقاسمت بلدان المحيط الهندي - ومعها بقية بلدان آسيا وإفريقيا - فيما بينها، وأخضعتها لحكمها الاستعماري المباشر.

(الجزء الأول)


[1] يرى البعض أن بلاد البونت تقع في جنوب جزيرة العرب(اليمن)، والبعض الآخر أنها في شرق أفريقيا(الصومال)، وحاول فريق ثالث التوفيق بين الرأيين فجعلوها تسمية عامة للبلاد الواقعة حول مضيق باب المندب بضفتيه العربية والأفريقية. انظر: محمد، عبدالحكيم شايف: البحث عن بلاد بونت، بحث مقدم إلى المؤتمر السادس للحضارة اليمنية المنعقد في جامعة عدن، أبريل 2007م، ص11- 13.

[2] عن اعتبار الرومان بأن الجزيرة العربية جزء من الهند، انظر: أولندر، جونار. ملوك  كندة من بني آكل المُرار، ترجمة: عبدالجبار المطلبي، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1973م، ص96. وعن خلطهم بين الهند وأثيوبيا وتسميتهم لها بالهند الغربية، انظر: الشيبة ، عبدالله حسن . محاضرات في تاريخ الحبشة القديم ، دار الكتاب الجامعي، صنعاء، 2006، ص4.

[3] سحاب، إيلاف قريش، ص49.

[4] زيادة، دليل البحر، ص259، 260.

[5] أبوالغيث، عبدالله. الأوضاع السياسية في دولة سبأ خلال القرن الثالث الميلادي، مجلة الإكليل، صنعاء، العدد29، مارس2006، ص46،47.

[6] الناصري، الصراع على البحر الأحمر، ص405، 406. ويفهم من بعض المصادر أن إحدى بعثات الإسكندر وصلت إلى جزيرة سقطرى، وتم إسكان جالية يونانية فيها (المسعودي، أبوالحسن. مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج2، تحقيق: شارل بلا، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1966، ص128،129.

[7] يتضح لنا من الكتابات اليونانية والرومانية اعتقادهم بأن البضائع التي تاجر بها العرب إنما كان مصدرها من بلادهم، ولم يتعرفوا على حقيقة مصادرها الأخرى إلا في فترات لاحقة. 

[8] الشيبة، تاريخ اليمن، ص18.

[9] عبدالعليم، مصطفى كمال. تجارة الجزيرة العربية بالمواد العطرية في العصرين اليوناني والروماني، ضمن كتاب: الجزيرة العربية قبل الإسلام،                                                                                        جامعة الملك سعود، الرياض، 1984م، ص203.

[10]  Strabo: IV, sec. 22-24.

[11] يذكر استرابون بأن قوام الجيش الروماني بلغ عشرة آلاف جندي، ومعهم ألف مقاتل من الأنباط ، وخمس مئة من اليهود.

[12] بخصوص وصية أغسطس ودوافعها، انظر: سحاب، إيلاف قريش، ص53- 56.

[13] لمزيد من التفاصيل عن أحداث هذه الفترة، انظر: الشيبة، تاريخ الحبشة، ص92- 115.

[14] الشيبة، تاريخ الحبشة، ص143- 145.

[15] الشيبة، تاريخ اليمن، ص30.

[16] سحاب، إيلاف قريش، ص121- 129.

[17] الشيبة، تاريخ اليمن، ص31..

[18] البلاذري ، أحمد بن يحي بن جابر. أنساب الأشراف ، ج1، تحقيق: محمد حميدالله، دار المعارف ، القاهرة، 1959، ص59.

[19] بتصرف عن سحاب، إيلاف قريش، ص211- 222.

[20] انظر على سبيل المثال: ابن هشام، عبد الملك. السيرة النبوية، مج1، ج1، تحقيق: محمد شحاتة إبراهيم، القاهرة، 1990، ص30- 32.

[21] لوندين، أ. ج. اليمن إبان القرن السادس الميلادي، الحلقة الرابعة، ترجمة: محمد على البحر، مجلة الإكليل، صنعاء، العدد الأول،1990، ص22. وخلاصة القول أن الحوافز الدينية والاقتصادية قد تداخلت مع بعضها لتبرير حملة أبرهة على مكة؛ فحصر النفوذ التجاري لمكة والسيطرة على مصدر ثروتها، يتطلب تدمير الحرم المكي الذي تمركزت فيه إدارة الإيلاف، واجتذاب العرب إلى حرم جديد يحجون إليه.(سحاب، إيلاف قريش، ص165).

[22] جليان، عطاء الله: مجتمع قريش السياسي والديني في عام الفيل، بيروت، 1987م، ص14.

[23] ابن هشام: السيرة، ص37.

[24] لمزيد من التفاصيل عن هذه الحملة، انظر: أبوالغيث، عبدالله. حملة أبرهة الحبشي على وسط الجزيرة العربية المذكورة في النقوش وعلاقتها بحملته على مكة المذكورة في القرآن الكريم، بحث مقدم إلى المؤتمر السادس للحضارة اليمنية، عدن، ابريل2007.

[25]  Caskel.W: Enteckungen in Arabien, Koln  und opladen, 1954, pp. 28-30.

[26] كوبيشانوف، يوري ميخايولوفتش. الشمال الشرقي الأفريقي في العصور الوسيطة المبكرة وعلاقته بالجزيرة العربية، ترجمة: صلاح الدين هاشم، عمّان، 1988، ص137.

[27] سحاب، إيلاف قريش، ص139- 142.

[28] أبوالغيث، عبدالله. الوحدة اليمنية في التاريخ.. هل كانت الأصل أم الاستثناء؟، ضمن كتاب: الوحدة اليمنية والألفية الثالثة)، جامعة إب، إب، 2007، ص111- 116.

[29] هبو، أحمد أرحيم. تاريخ العرب قبل الإسلام السياسي والحضاري، دمشق، 1990م، 140.

[30] لمزيد من التفاصيل حول التأثيرات الاقتصادية والسياسية والحضارية التي ارتبطت بطرق التجارة في جزيرة العرب، انظر: أبوالغيث، العلاقات السياسية، ج1، ص44- 54.

[31]  Pliny: VI, sec. 162.

[32] ديورنت، ول. قصة الحضارة، ج3 (الهند)، ترجمة: زكي نجيب محمود، إدارة الثقافة في جامعة الدول العربية، القاهرة، 1968، ص5،92- 99.

[33] النعيم، الوضع الاقتصادي، ص247.

[34] عن مضمون النقش المذكور، انظر: الجرو، التاريخ الحضاري، ص81.

[35] لمزيد من التفاصيل عن أحداث هذه الفترة، انظر: عثمان، تجارة المحيط الهندي في عصر السيادة الإسلامية.

التعليقات (0)