الوحدة اليمنية في التاريخ.. هل كانت الأصل أم الاستثناء؟

الوحدة اليمنية في التاريخ.. هل كانت الأصل أم الاستثناء؟[1]

أ.د. عبدالله أبوالغيث

لوحظ في الأعوام الأخيرة من عمر الوحدة ظهور كتابات صحفية تشكك بحقيقة الوحدة اليمنية وتنفي أي جذور تاريخية لها، حتى أن الأمر قد وصل ببعضهم لأن يقول إن اليمن لم تشهد أي وحدة عبر تاريخها الطويل، وأن المناطق الجنوبية والشرقية لم تكن في أي يوم من الأيام جزء من أراضي الدولة اليمنية، وبالتالي فإن ما يسمى بالوحدة اليمنية اليوم لا يعدو أن يكون مجرد سيطرة يمنية على مناطق ليست أصلاً من اليمن.

ونرى آخرون يتبنون الفكرة نفسها القائلة بأن وحدة مايو 1990م كانت أول وحدة شاملة لليمن بهذه الصورة ولم تسبقها أي خطوه وحدوية مماثلة لها ؛ ولكن غايتهم من هذا القول مناقضة تماماً لغاية أصحاب القول الأول؛ فهم هنا إنما يقصدون التهويل من عظمة هذا الحدث، لاعتقادهم أنهم بذلك إنما يمجدون صناع ذلك الحدث، من غبر أن يدرك هؤلاء أنهم بقولهم هذا يقدمون معطيات يبني عليها أصحاب الرأي الأول استنتاجاتهم التي ترمي الوصول إلى غاية أخرى يرفضها تماماً أصحاب الرأي الأخير.

وحتى الذين يعتقدون بأن الوحدة قد امتدت لتشمل فترات زمنية أكبر من ذلك فإنهم قد ربطوها بأشخاص محدودين لا يزيد عددهم في أحسن الأحوال على ستة أشخاص هم : كرب إيل وتر وشمر يهرعش في التاريخ القديم، وعلى بن محمد الصليحي وعمر بن علي الرسولي في التاريخ الإسلامي (الوسيط)، والمتوكل على الله إسماعيل وعلى عبد الله صالح في التاريخ الحديث والمعاصر.

ونلاحظ أن الوحدة من وجهة نظر أصحاب هذه الرؤى تشكل استثناء في تاريخ اليمن عبر عصوره المختلفة.

ونظراً لأن أصحاب هذه الآراء قد استندوا إلى التاريخ لتأكيد وجهة نظرهم – بغض النظر عن صحة ما نسبه أولئك للتاريخ من عدمه - فقد ارتأيت العودة إلى تاريخنا عبر عصوره المختلفة لأتناول الجذور التاريخية للوحدة اليمنية بين أحداثه، لنستطيع الإجابة على السؤال المطروح في عنوان البحث حول ما إذا كانت الوحدة اليمنية في التاريخ تمثل الأصل أم الاستثناء، حتى نكون على بينة من أمرنا ونحن نتحدث عنها الآن، وذلك لأن الهدف الحقيقي من دراسة التاريخ هو: معرفة الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وبالتالي فإن الغاية من وراء دراسته لا تتمثل في ترديد الأحداث والحكايات المتعلقة بالأقوام الغابرة والبحث عنها لذاتها، وإنما هو استقاء العظات والعبر من تلك الأحداث، وبمعنى آخر الاستفادة من خبرات الأجداد المتراكمة عبر تاريخنا الطويل، لأنه إذا لم يكن ذلك هو هدفنا من دراسة التاريخ فإننا لن نكون إلا نباشي قبور ومقلقين لحياة أولئك الأجداد في قبورهم، من غير هدف يرتجى أو غاية تنشد؛ اللهم إلا التغني بأمجادهم من غير أي محاولة منا لاستعادة تلك الأمجاد.

وقد آليت على نفسي أن أتناول الموضوع بصورة أكاديمية بعيداً عن تعصبات السياسيين ومن لف لفهم ، الذين قد يزيفون بعض الحقائق التاريخية؛ إما عن جهل بها أو عن قصد ولشيء في نفس يعقوب. ولا أدعي هنا بأني سوف أتتبع كل الحوادث التاريخية التي تثبت وحدة اليمن أو تنفيها عبر عصور التاريخ المختلفة التي امتدت فترة زمنية طويلة تزيد على ثلاثة آلاف سنة، فذلك بحاجة إلى مجلد كبير ليس هذا مكانه، وقد يكون مشروع كتاب قادم للباحث إن أمد الله في عمره وزاد في همته وتوفرت له الإمكانيات[2].

وبطبيعة الحال فالحديث عن الجذور التاريخية للوحدة اليمنية في ثنايا البحث الذي بين أيدينا سيتركز بدرجة أساسية على العصر القديم السابق للإسلام، وذلك بحكم تخصص الباحث فيه، وستأتي التكملة في العصرين الإسلامي والحديث من باب استكمال الفكرة، وتقديم صورة ولو مختصرة عنها.

وقد تم تقسيم البحث إلى ثلاثة عناوين، على النحو التالي:

  • الوحدة اليمنية في التاريخ القديم (قبل الإسلام).
  • الوحدة اليمنية في التاريخ الإسلامي (الوسيط).
  • الوحدة اليمنية في التاريخ الحديث والمعاصر.

أولاً: الوحدة اليمنية في التاريخ القديم (قبل الإسلام):

تعد أول محاولة سجلها لنا التاريخ لتوحيد اليمن في ظل سلطة واحدة هي الوحدة التي تمت على يد المُكَرِّب السبئي كرب إيل وتر في أواخر القرن الثامن مطلع القرن السابع قبل الميلاد، عندما تمكن هذا المكرب من القضاء على دولة أوسان، وفرض هيمنة الدولة السبئية على دولتي قتبان وحضرموت ومعها دويلات المدن في منطقة الجوف[3]. ولكن لا يعني ذلك أن اليمن لم تعرف التوحد أو محاولات لتوحيدها قبل ذلك بقدر ما يعني أن الأدلة التاريخية التي تثبت ذلك لم تصل إلينا بعد، لأننا لم نصل إلى النقوش التي تعود إلى المراحل السابقة لعصر هذا المكرب[4].

ونجد أن الوحدة التي عمل كرب إيل وتر على فرضها لم تنته بموته، لكنها استمرت في عصر خلفائه من مكاربة سبأ حتى منتصف القرن السادس قبل الميلاد، عندما انتقلت مرتبة الدولة الأولى في اليمن القديم من دولة سبأ إلى دولة قَتْبَان، التي حمل ملوكها لقب مكرب، بينما عاد حكام دولة سبأ إلى حمل لقبهم القديم (ملك)، ويرجح المؤرخون أن لقب مكرب كان يتلقب به  ملك الدولة الأولى في جنوب جزيرة العرب التي تفرض هيمنتها على بقية الدول اليمنية القديمة المعاصرة لها، ولم يكن يُسمح لملوك بقية الدول بحمله معه إلا خلال فترات انتقالية محدودة من الصراع. وبعد أن ضعفت الدولة القتبانية في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد انتقل لقب المكرب إلى حكام دولة حضرموت[5].

وقد أدى توحيد سبأ المبكر لليمن إلى أن ترتبط بها معظم  الرموز التاريخية في اليمن القديم، فسبأ هي أهم الدول اليمنية، وتاريخها يمثل تاريخ الوحدة اليمنية في عصور ما قبل الميلاد[6]، وسبأ عند النسابة هو أبو حمير وكهلان؛ ومن هذين الفرعين تسلسلت أنساب أهل اليمن جميعاً[7]، وهجرة أهل اليمن في الأمصار ارتبطت بسبأ، حتى قيل في الأمثال "تفرقوا أيدي سبأ"، والبلدة الطيبة التي ذكرت في القران الكريم هي أرض سبأ[8]. وقد عمت شهرة سبأ آفاق العالم القديم، وباتت من أجله صفة سبئي تطلق على كل أهل اليمن القديم لدى الشعوب المعاصرة لها[9].

وعندما تنافس الحميريون مع سبأ ثم حلوا بدلاً عنها في أوائل عقد السبعينات من القرن الثالث الميلادي[10] نجد أنهم قد تلقبوا بقلب "ملك سبأ وذي ريدان (وذي ريدان هم حمير) أي أنهم قد عدوا أنفسهم مجرد أسرة جديدة حاكمة للدولة السبئية[11]. وبعد أن تمكن ملكهم شمر يهرعش من ضم دولة حضرموت القديمة إلى دولته في مطلع العقد الأخير من القرن الثالث الميلادي أستطاع بذلك أن يوحد كل اليمن القديم تحت إمرته، من عُمان حتى الحجاز، وحمل اللقب الملكي الطويل "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانة"[12] ليصبح بذلك أول التبابعة الحميريين؛ انطلاقاً من قول المصادر العربية بأن التبع هو الملك الحميري الذي تمتد سيطرته إلى حضرموت والشحر[13]، أي إلى المناطق الشرقية من اليمن التي كانت تسيطر عليها دولة حضرموت القديمة.

والشحر تسمية أُطلقت على في العصور الإسلامية على جزء من الساحل الجنوبي لليمن، الذي كان يسمى قبل الإسلام يمنت (يمانة)، وكان ذلك عندما امتدت تسمية يمانة لتشمل كل بلاد جنوب جزيرة العرب بصيغتها العربية الحالية (اليمن)، مع استمرار النسبة إلى التسميتين بقولهم يمني ويماني.

وقد تمكن خلفاء شمر يهرعش من المحافظة على تلك الوحدة التي تمت في عهده، بل إننا نجدهم خلال النصف الأول من القرن الرابع الميلادي وقد توسعوا ومدوا سيطرة الدولة الحميرية نحو مناطق شمال الجزيرة العربية حيث وصلوا إلى نجد وسواحل الخليج العربي كما يحكي ذلك نقش عبدان الكبير[14]. وقد مهد ذلك للتبع الحميري أسعد الكامل (أبي كرب أسعد) أن يضيف الإضافة الأخيرة إلى اللقب الملكي في مطلع القرن الخامس الميلادي وأصبح يحمل اللقب الملكي الأطول في تاريخ اليمن القديم وهو "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانة وأعرابهم طوداً وتهامة"[15]، والمقصود بالطود وتهامة هي الجبال والسهول في منطقة شمال الجزيرة العربية، وكأنه أراد أن يقول لنا أنه بذلك قد أصبح ملكاً للجزيرة العربية كلها وليس لجنوبها فقط.

وبذلك أصبح التبع الحميري حكماً تلتجئ إليه كل قبائل الجزيرة العربية، وصار التبع الحميري للعرب بمثابة الخليفة للمسلمين كما حدثتنا بذلك كتب أهل الأخبار العرب[16]، وقد استمرت الأوضاع على ما كانت عليه في عهده حتى مطلع القرن السادس الميلادي حين بدأت الدولة الحميرية بالضعف نتيجة الصراع الديني الذي شهدته إثر امتداد الديانتين اليهودية والمسيحية إلى اليمن[17]، وانتهى الأمر بسقوط الدولة الحميرية وحلول الأحباش حكاماً لليمن حتى طردهم منها الثائر اليمني سيف بن ذي يزن بمساعدة الفرس[18]، الذين سرعان ما دبروا مؤامرة لاغتياله وجعلوا من اليمن ولاية فارسية خاصة بهم حتى ظهور الإسلام.

وعلى الرغم من وجود ثغرات في الوحدة السياسية لليمن القديم إلا أن اليمن القديم قد تميز بوحدته الحضارية الممتدة والمتواصلة، حيث جعلت تلك الوحدة من اليمن قبل الإسلام كتلة متحدة في نظر أهله ونظر الآخرين، وقد تمثلت تلك الوحدة في عدة جوانب أهمها: الجانب الديني حيث اشتركت الدول اليمنية القديمة في عبادة الثالوث الكوكبي (القمر ، والشمس ، والزهرة) وكانت كل معبوداتها انعكاساً لهذا الثالوث[19]. أما في الجانب الثقافي فنجد أن اليمنيين قد كتبوا بخط واحد هو خط المسند، وكان لهم لغة واحدة هي التي نسميها اليوم باللغة العربية الجنوبية أو اللغة اليمنية القديمة، وكان لكل دولة لهجتها الخاصة في ظل لغة واحدة كما هو حاصل لدينا اليوم[20].

وأخيراً نشير إلى الوحدة في الجانب الاقتصادي، حيث قامت اقتصاديات الدول اليمنية القديمة على ما تجنيه من أرباح جراء سيطرتها على الطريق التجاري الذي يربط بين عالم المحيط الهندي وعالم البحر المتوسط، الذي يعرف لدى المؤرخين بطريق اللبان أو البخور، حيث تحكم به اليمنيون القدماء وحافظوا على أسرار تجارته، وحاكوا الأساطير المخيفة لإبعاد الأجانب عن مزارع أشجار اللبان وتجارته بصفته عصب الحياة لهذا الطريق، وقد تكاملت الأدوار بين عواصم الدول اليمنية القديمة في تنسيق رائع يدل على التكامل الذي كان قائماً بين هذه الدول، ولذلك تمكن أهل اليمن من الاحتفاظ بسيطرتهم على هذا الطريق مدة تقارب الألفين عام؛ امتدت من الألف الثاني قبل الميلاد حتى مطلع القرن السادس الميلادي عندما انهارت دولتهم وخرج الطريق من أيديهم إلى أيدي القرشيين فيما أصبح يعرف بطريق الإيلاف، وذلك عندما سيطر الأحباش على بلاد اليمن[21].

ثانياً: الوحدة اليمنية في التاريخ الإسلامي (الوسيط)[22]:

كان هناك إحساس بالوحدة الاجتماعية لأهل اليمن عند ظهور الإسلام رغم التفتت الذي عانت منه اليمن قبيل ظهوره، وقد برز ذلك الإحساس بهذه الوحدة في عدة مواقف؛ فمثلاً عندما أتى أهل الأشاعر من تهامة إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) خاطبهم بقوله "أتاكم أهل اليمن ..." ولم يقل أتاكم أهل الأشاعر أو أهل تهامة، ولم نلاحظ مثل هذا الخطاب الموحد عند استقباله لأبناء مناطق الجزيرة العربية الأخرى حيث عاملهم كقبائل ممثلة لنفسها.

وبعد دخول الإسلام إلى اليمن وانضواء اليمن في الدولة الإسلامية الفتية نجد أن اليمن قد قسمت إلى عدة مخاليف تراوحت أعدادها بين الاثنين والأربعة، ومع ذلك ظل والي أحد هذه المخاليف هو صاحب الولاية العامة على كل اليمن، وكانت هذه الولاية العامة في البداية في يد صاحب مخلاف الجند، ثم انتقلت إلى يد صاحب مخلاف صنعاء ، ثم بعد ذلك ألغي هذا التعدد وأصبحت اليمن كلها ولاية واحدة ولها والٍ واحد ، وذلك خلال العصرين الأموي والعباسي الأول[23].

وقد تعامل المؤرخون والجغرافيون العرب المسلمين يتعاملون مع اليمن بصفته إقليماً واحداً، حيث نجد أنهم عندما تحدثوا عن الأقسام الجغرافية للجزيرة العربية قد قسموا شمال الجزيرة العربية إلى أربعة أقسام على أساس التضاريس الطبيعية المكونة لها: فالجبال هي الحجاز، والهضاب نجد، والسواحل الغربية تهامة، والسواحل الشرقية البحرين. بينما عدوا اليمن قسماً واحداً، ولم يقسموه على أساس تكويناته التضاريسية رغم قولهم أنه يشمل السهل والجبل والهضبة[24]. ويعود ذلك لإحساسهم بالوحدة الحضارية التي تجمع أهله، ولذلك فقد تم تصنيف أهل اليمن خارج بلادهم عندما انتشروا في الأمصار على أنهم كتلة اجتماعية واحدة أمام الكتلة المقابلة لها والتي عرفت بالعدنانية أو المضرية.

وعندما بدأت الدول المستقلة تظهر في اليمن خلال العصر العباسي الثاني نجد أن حكام الدولة الزيادية ومن بعدها حكام الدولة النجاحية قد أعطيت لهم الولاية العامة على اليمن بصفتهم ممثلين للخلافة العباسية، وكانت بقية الدول اليمنية المعاصرة لهم تعترف لهم بذلك وتقدم لهم الولاء رغم عدم شمولية دولهم لكل اليمن[25].

ثم بعد ذلك عرفت اليمن دول أخرى تمكنت من توحيده كاملاً تحت سيطرتها، بل أن سيطرتها قد تعدت اليمن إلى خارجه. وتمثلت أولى هذه الدول بالدولة الصليحية التي أسسها على بن محمد الصليحي الموالية للخلافة الفاطمية في القاهرة، ثم الدولة الأيوبية التي مثلت امتداداً لدولة صلاح الدين الأيوبي في مصر وبلاد الشام، ومن بعدها جاءت الدولة الرسولية التي أسسها عمر بن محمد بن رسول وكانت موالية للخلافة العباسية في بغداد[26].

ثالثاً: الوحدة اليمنية في التاريخ الحديث والمعاصر:

يبدأ هذا العصر بالسيطرة العثمانية على اليمن في النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي، حيث امتدت سيطرتهم لتشمل كل اليمن التي انضوت في ظل الدولة العثمانية بصفتها ولاية واحدة، وبعد أن أصبحت اليمن أول ولاية عربية تستقل عن العثمانيين قامت فيها الدولة القاسمية التي تمكنت من فرض سيطرتها على كل اليمن، خصوصاً في عهد المتوكل على الله إسماعيل[27].

وقد شهد القرن التاسع عشر عودة العثمانيين إلى اليمن للمرة الثانية، وسيطرتهم على المناطق الشمالية والغربية، وكذلك احتلال الإنجليز لعدن ثم توسعهم في بقية المناطق الجنوبية والشرقية، وقد تم تقسيم اليمن بين العثمانيين والانجليز، وكان ذلك التقسيم أساساً للتشطير الحديث، حيث ورثت المملكة المتوكلية اليمنية ومن بعدها الجمهورية العربية اليمنية العثمانيين فيما كان يعرف بالشطر الشمالي، بينما ورث اتحاد سلطنات الجنوب العربي ومن بعده جمهورية اليمن الديمقراطية الانجليز فيما كان يعرف بالشطر الجنوبي لليمن قبل وحدة 1990م[28]

ورغم ذلك التقسيم فقد ظل المجتمع اليمني يشعر بوحدته وكيانه الواحد، حيث تبدى ذلك بوضوح في وحدة نضاله ضد الإمامة والاستعمار، فقد استخدمت حركة الأحرار المناضلة ضد الحكم الإمامي من عدن منطلقاً لها؛ بل واندمجت في حركة واحدة مع المناضلين الجنوبيين فيما عرف بالجمعية اليمانية الكبرى. وبعد قيام ثورة سبتمبر 1962م وإعلان الجمهورية في الشمال هب أبناء الجنوب إلى جانب إخوتهم الشماليين للدفاع عنها، بينما عمل الشماليون على دعم ثورة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني، وأصبح الشمال قاعدة لانطلاق ثورة أكتوبر التحررية[29].

وبعد استقلال الجنوب وقيام نظامين متناقضين في الشمال والجنوب ظل الشعب واحداً بكل مكوناته، حيث كانت تتضح تلك الوحدة عندما يلتقي أبناء اليمن في خارج بلادهم، ويتعاملون بصفتهم أبناء شعب واحد. وقد اتضح ذلك جلياً في الاتحادات الطلابية التي كونها الدارسون اليمنيون في الخارج[30].

وتجدر الإشارة أن النظامين الشطريين الحاكمين في اليمن آنذاك لم يجرؤ أي منهما على اعتبار القادمين من الشطر الآخر على أنهم أجانب، لذلك وجدنا شخصيات جنوبية تتقلد أرفع المناصب في الحكومات الشمالية مثل عبدالله الأصنج ومحمد سالم باسندوة، ونفس الوضع أيضاً احتلته شخصيات شمالية في الجنوب؛ كان أبرزهم عبدالفتاح إسماعيل الذي تمكن من الوصول إلى قمة هرم السلطة في الجنوب.

- خلاصة:

هكذا يتضح لنا في الأخير بأن الوحدة كانت هي الأصل والتشطير والتجزؤ هو الاستثناء، ولذلك عندما نتوجه إلى التاريخ لمعرفة ذلك يجب أن يكون سؤالنا الذي نطرحه هو ما هي الفترات التي تجزأت فيها اليمن؟ لأن هذه هي الصيغة الصحيحة، وليست الصيغة المعتادة التي يطرح بها هذا السؤال في معظم الأحيان، حيث جرت العادة أن نسأل عن الفترات التي توحدت فيها اليمن، وهذا يتناقض مع المعطيات التاريخية التي ذكرناها آنفاً، فقد اتضح لنا أن الوحدة كانت هي السمة المميزة لمعظم فترات التاريخ اليمني، ولم تقتصر على فترات محددة، أو ترتبط بعهود حكام بعينهم كما هو الشائع.

ولكن لا يعني ذلك أن الوحدة تظل غاية لذاتها، ولكنها وسيلة لتحقيق آمال الناس وطموحاتهم في التنمية والكرامة والنهوض في ظل عدالة اجتماعية ومواطنة متساوية، بعيداً عن العصبيات الضيقة، بكل ما تعنيه تلك المواطنة من ممارسة ديمقراطية صادقة ومساواة كاملة أمام النظام والقانون في الحقوق والواجبات، وإعطاء صلاحيات حقيقية لأبناء الوحدات الإدارية في اختيار من يديرون شؤونهم في إطار إدارة لا مركزية، لتتجذر الوحدة في النفوس وتصبح ثابتاً وطنياً لا يجوز المساس به مهما كانت المبررات.


[1]  تمت المشاركة بهذا البحث في (ندوة الوحدة اليمنية والألفية الثالثة) المنعقدة في رحاب جامعة إب- اليمن، في شهر مايو 2007م، وتم نشره في كتاب حمل نفس الاسم وتضمن البحوث المقدمة إلى الندوة، ص108-117.

[2]سيلاحظ القارئ أننالم نفصل الأحداث التاريخية في متن البحث، وذلك لأن هدفنا هو الإشارة إلى الأحداث التي تجيب على السؤال المطروح في عنوان البحث وتوثيقها من خلال المصادر، فالبحث يركز على الفكرة الموضحة في العنوان وليس على التفاصيل التاريخية التي يمكن الرجوع إليها في المصادر المثبتة، ومع ذلك فقد عملنا قدر الإمكان على تضمين هوامش البحث بعض الملاحظات والتعليقات بغرض إيضاح ما أبهم في المتن. 

[3] يحكي لنا المكرب السبئي تفاصيل حروبه لتوحيده اليمن تحت سيطرته في نقشه المشهور المعروف بنقش النصر، المنشور نصه في المدونة الفرنسية للنقوش اليمنية القديمة برقم ( REPERTOIR DEPIGRAPHIE SEMITIQUE ) RES 3945 ) ولمزيد من التفاصيل عن هذا النقش انظر: العمري، حسين عبد الله ( وآخرون ). في صفة بلاد اليمن عبر العصور، ط1، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1990م، ص12-17. وبافقيه، محمد عبد القادر. تاريخ اليمن القديم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1985م، ص57-71.

[4]  تعود أقدم النصوص اليمنية القديمة التي عثر عليها إلى القرن الثامن قبل الميلاد ، وتدل الشواهد الأثرية على أن جذور الحضارة اليمنية القديمة تمتد إلى الألف الثاني قبل الميلاد (لوندين. أ.ج . دولة مكربي سبأ، ترجمة: قائد محمد طربوش، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عدن، 2004، ص139).

[5] روبان، كريستيان. تأسيس إمبراطورية .. السيطرة السبئية على الممالك الأولى، ضمن كتاب: اليمن.. في بلاد ملكة سبأ، معهد العالم العربي ودار الأهالي، باريس-دمشق، 1999م، ص 89 ، 90.

[6]  بافقيه، محمد عبد القادر. موجز تاريخ اليمن القديم، ضمن كتاب: مختارات من النقوش اليمنية القديمة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1985م، ص16. الإرياني، مطهر. حول الغزو الروماني لليمن، مجلة دراسات يمنية، صنعاء، العدد 15، 1984م، ص56.

[7]  لمزيد من التفاصيل عن أنساب أهل اليمن وقبائلهم يمكن الرجوع إلى البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر. أنساب الأشراف، تحقيق: محمد حميد الله، دار المعارف، القاهرة، 1959م. ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد بن سعيد. جمهرة أنساب العرب، بيروت، 1983م.

[8]  سورة سبأ، الآية 15.

[9]  بافقيه، الموجز، ص23.

[10]  تم ذلك على يد الملك الحميري ياسر يهنعم وابنه شمر يهرعش، انظر النقش (Ir 14) وكان ذلك نهاية لصراع طويل امتد من القرن الأول الميلادي على لقب ملك سبأ وذي ريدان بين السبئيين في مارب والريدانيين الحميريين في ظفار (الجرو، أسمهان سعيد. موجز التاريخ السياسي القديم لجنوب الجزيرة العربية، مؤسسة حماده، إربد، 1996م، ص213- 232).

[11]  نيلسن، ديتلف. تاريخ العلم ونظرة حول المادة (التاريخ العربي القديم)، ترجمة: فؤاد حسين علي، القاهرة، 1956م، ص51.

[12]  تم ذلك في عام (290م) تقريباً (تقرير البعثة الفرنسية، خمسة أعوام من البحث العلمي في اليمن، مجلة الإكليل، العدد الأول، السنة الثالثة، 1985م، ص147). وكانت الأحداث المدونة في نقش (Sh 33) هي التي على أساسها أضاف الملك شمر يهرعش حضرموت ويمانة إلى لقبه الملكي (أبوالغيث، عبدالله. العلاقات السياسية بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها من القرن الثالث حتى القرن السادس للميلاد، ج1، وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004م ص86).

[13]  ابن خلدون، عبد الرحمن. كتاب العبر، بيروت، 1977م، ص94. وتجدر الإشارة إلى أن لقب تبع لم تذكره النقوش المعروفة، وقد أشار إليه القرآن الكريم في أكثر من موضع (الدخان / 37 ، ق / 14).

[14] نقش عبدان الكبير عبارة عن سجل لإنجازات الأسرة اليزنية خلال النصف الأول من القرن الرابع الميلادي، حيث يعددون فيه المعارك التي اشتركوا فيها خدمة لملوك الدولة الحميرية، والأحداث التي يدونها النقش ليست بعيدة عن عملية ضم حضرموت إلى الدولة الحميرية على يد الملك شمر يهرعش، نظراً لأن النقش يسجل في القسم الخاص بالأعمال العمرانية (سطر 32) أن اليزنيين قد رمموا مدينتهم عبدان التي أحرقتها حضرموت. ولمزيد من التفاصيل عن هذا النقش انظر:

Rebin, L. Inscription Du Wadi Abdan, Ridan 6, pp. 123.

وبافقيه، هوامش على نقش عبدان الكبير، مجلة ريدان، العدد 4، 1981م ، ص13.

[15]  غاجدا، إيفونا. جنوب الجزيرة العربية موحداً تحت راية حمير، ضمن كتاب: اليمن.. في بلاد ملكة سبأ، معهد العالم العربي، ص189. أبوالغيث، العلاقات السياسية، ج2، ص19.

[16]  ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبو الكرم الشيباني. الكامل في التاريخ، ج1، بيروت، 1983م، ص265.

[17]  عن الصراع الديني الذي شهدته اليمن خلال هذه الفترة انظر: المطهر، ذكرى عبد الملك. الصراع الديني في جنوب الجزيرة العربية من القرن الرابع حتى السادس الميلادي، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة صنعاء، 2003م.

[18]  حبتور، ناصر. اليزنيون موطنهم ودورهم في تاريخ اليمن القديم، ط1، جامعة عدن، عدن ، ص388-398.

[19]  الشيبة، تاريخ اليمن، ص52- 82.

[20]  إسماعيل، فاروق. اللغة اليمنية القديمة، دار الكتب العلمية، تعز، 2000 ، ص46-50.

[21]  سحاب، فكتور. إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، بيروت – الدار البيضاء ، 1992م ، ص19-213 . العمري، هادي صالح. طريق البخور القديم من نجران إلى البتراء، وزارة الثقافة، صنعاء، 2004م ، ص18-31.

[22]  كانت الفكرة أن يقتصر البحث على فترة ما قبل الإسلام، لكننا ارتأينا أن نكمل الموضوع ليشمل الفترة الإسلامية والفترة الحديثة إكمالاً للفائدة ونزولاً عند رغبة بعض المهتمين بالموضوع.

[23]  الشجاع، عبد الرحمن عبد الواحد. اليمن في صدر الإسلام، ط1، دار الفكر، دمشق، 1987م، ص232، 390. الفقي، عصام الدين عبد الرؤوف. اليمن في ظل الإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، ص17-86.

[24]  الهمداني، أبو محمد الحسن. صفة جزيرة العرب، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، صنعاء، 1990م ص86، 89. الأصطخري، إبراهيم بن محمد. مسالك الممالك، ليدن، 1967م، ص14، 15.

[25]  السروري، محمد عبده. الحياة السياسية ومظاهر الحضارة في اليمن في عهد الدويلات المستقلة، وزارة الثقافة، صنعاء، 2004م ص201. الفقي، اليمن في ظل الإسلام، ص89.

[26]  السروري، الحياة السياسية، ص53، 259-272. الحداد، محمد يحيى. التاريخ العام لليمن، ج2، دار التنوير، بيروت، ص77-87.

[27]  سالم، سيد مصطفى. الفتح العثماني الأول لليمن، ط3، معهد البحوث والدراسات العربية، 1977م، ص446-497.

[28]  لمعرفة تفاصيل أكثر عن أحداث هذه الفترة، انظر: سالم، سيد مصطفى. تكوين اليمن الحديث، ط3، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1984م. المسعودي، عبد العزيز قائد. اليمن المعاصر من القبيلة إلى الدولة، دار المجد، صنعاء، 1995م.

[29]  هذه أحداث معروفة للجميع لأن الكثير من صناعها ما يزالون على قيد الحياة، وقد تحدث عنها الكثير، انظر مثلاً: كتاب الندوة الوطنية التوثيقية للثورة اليمنية، إعداد وتوثيق مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 1993م.

[30]  حدثنا الكثير من زملائنا الذين أكملوا دراستهم في الخارج قبل الوحدة عن التلاحم الرائع الذي شكله الإيمان بوحدة الأصل ووحدة المصير وحتمية الوحدة.

التعليقات (0)