دولة كِنْدَة في دهرها الأول وعلاقتها باليمن .. (دراسة من خلال النقوش والآثار)

دولة كِنْدَة في دهرها الأول وعلاقتها باليمن

(دراسة من خلال النقوش والآثار)[1]

أ.د. عبدالله أبوالغيث

سوف يتناول البحث دراسة لعلاقة دولة كندة في دهرها الأول مع اليمن، وذلك من خلال النقوش العربية الجنوبية. وسينقسم البحث في دراسة تلك العلاقات إلى علاقات سياسية وعلاقات حضارية، حيث سيتناول البحث العلاقات السياسية التي ربطت بين الجانبين في عهود الملوك السبئيين والحميريين (شعرم أوتر) و(إيل شرح يحضب "الثاني") و(شمر يهرعش)، الذين تحدثت نقوشهم عن تلك العلاقات. وسيتطرق البحث كذلك إلى العلاقات الحضارية التي قامت بين الجانبين، والتي شملت الجوانب الدينية واللغوية والآثارية، لنعرف مدى تأثر دولة كندة بالمؤثرات الحضارية للدول اليمنية القديمة.

وقد قسمنا البحث إلى أربعة عناوين رئيسية؛ تتفرع عن بعضها عناوين ثانوية، على النحو التالي:

  • ظهور دولة كندة في دهرها الأول.
  • ملوك كندة والقبائل المشاركة لها في قرية ذات كهل.
  • العلاقات السياسية بين الجانبين.
  • العلاقات الحضارية بين الجانبين.

أولاً : ظهور دولة كندة في دهرها الأول:

قامت دولة كندة في دهرها الأول في منطقة اليمامة، وكانت عاصمتها في هذا الدهر تقوم في مدينة قرية ذات كهل. وتسمى اليوم قرية الفاو، وتقع في وسط الجزيرة العربية، على الحافة الشمالية الغربية للربع الخالي، بالقرب من ملتقى سلسلة جبال طويق مع وادي الدواسر، جنوب غرب مدينة الرياض التي تبعد عنها حوالي ( 700 كم )[2].

وليس لدينا شواهد نقشية أو أثرية حول أقدم تاريخ لدولة كندة في دهرها الأول. أما الشواهد المتوفرة لنا فإنها تدل فقط على أقدم ما يمكن معرفته من ذلك التاريخ[3]، والذي يمكن إعادته إلى القرن الأول الميلادي تقريباً، اعتماداً على شكل وأسلوب الكتابات التي عثر عليها في عاصمة الدولة (قرية ذات كهل)[4]. على أن وجود قرية ذات كهل على الفرع الشرقي لطريق اللبان التجاري يفترض أنها كانت موجودة منذ زمن بعيد قبل الميلاد كمحطة للقوافل، نظراً لتوفر الشروط الطبيعية نفسها التي جعلت منها بعد الميلاد إحدى مدن القوافل المزدهرة، وحاضرة لاتحاد قبلي[5].

وهناك من يرى أن (Chode aiatori) التي ذكرها بليني (القرن الأول الميلادي) إنما هي حوطة آل ثور، أي حاضرة آل ثور حكام كندة[6].

ثانياً : ملوك كندة والقبائل المشاركة لها في قرية ذات كهل:

بخصوص الدولة التي حكمت في قرية ذات كهل، وطبيعة شعبها وحكامها، فنحن نملك ثلاثة نقوش تعود إلى عهود مختلفة، وتشترك فيما بينها بأنها جميعاً مرتبطة في مواضيعها بقرية ذات كهل وملوكها، ولكنها تختلف في اسم الملك وصيغة اللقب الملكي الذي كان يحمله. والنقوش هي:

  • النقش الأول: عبارة عن شاهد قبر، تم العثور عليه في قرية ذات كهل باسم الملك (معاوية بن ربيعة ملك قحطان ومَذحِج) ، ويعيد الأنصاري[7] تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي، وإن كان يوسف عبد الله[8] يُرجح بأن تاريخه يعود إلى ما قبل ذلك التاريخ، ولكن دون تحديد دقيق لزمنه .
  • النقش الثاني: نقش (Ja 635) ويعود إلى عهد الملك السبئي شعرم أوتر (أواخر القرن الثاني بداية الثالث الميلادي)، ويتحدث عن الملك (ربيعة آل ثور ملك كندة وقحطان).
  • النقش الثالث: نقش (Ja 2110) ويعود إلى عهد الملك السبئي إيل شرح يحضب الثاني (منتصف القرن الثالث الميلادي)، ويتحدث عن الملك (مالك بن بُد ملك كندة ومذحج).

وهكذا نرى ثلاثة ملوك يحكمون في قرية ذات كهل وبألقاب ملكية مختلفة، وخلال عهود متتالية، وربما متقاربة إلى حد ما. ويتضح لنا بأن الألقاب الملكية للملوك الثلاثة قد احتوت على ثلاثة تجمعات قبلية، هي حسب ظهورها في تلك النقوش (قحطان ومذحج وكندة). حيث تصدرت (قحطان) اللقب الملكي في النقش الأول الذي وصف الملك فيه بأنه قحطاني، بينما تراجعت في النقش الثاني إلى المرتبة الثانية، واختفت تماماً من النقش الثالث. أما (مذحج) فقد ظهرت في المرتبة الثانية في النقشين الأول والثالث، واختفت من النقش الثاني. أما (كندة) فعلى الرغم من اختفائها من النقش الأول إلا أنها قد تصدرت النقشين الثاني والثالث.

يتضح لنا مما سبق أن (قحطان) و(مذحج) و(كندة) كانت تعيش في هذه المنطقة خلال هذه الفترة. وقد يكون بمقدورنا القول إن الغلبة كانت في بداية الأمر لقحطان التي كان الملوك من بين صفوفها، وكان ذلك قبل أن تنتقل الغلبة لكندة في الفترة اللاحقة، حيث أصبح تاريخ قرية ذات كهل منذ تلك الفترة هو تاريخ كندة. ويبدو أنه قد جمعت بين قبيلتي كندة ومذحج روابط مشتركة قوية، بدليل أن القبيلتين ظلتا تذكران مقترنتين ببعضها في النقوش العربية الجنوبية حتى أواخر عهد الحضارة اليمنية القديمة (مثلاً :Ja 665,1028 ) ، إلى جانب ما ذكرته كتب الأنساب من روابط بين القبيلتين حيث يعتبر والد مذحج لديها هو الجد الثالث لكندة[9].

ثالثاً : العلاقات السياسية بين الجانبين:

  • في عهد الملك السبئي شاعرم أوتر:

فيما يخص علاقة كندة في دهرها الأول بالدول اليمنية القديمة، نجد أن أقدم ذكر لها يعود إلى عهد الملك السبئي شاعرم أوتر[10]، فقد حدثتنا النقوش التي تعود إلى عهد هذا الملك عن حملات قام بها قادته على قرية ذات كهل. حيث نرى في النقش (Ja 635) أن مسجله قدم إلى المعبود (إلمقه بعل أوام) بعض من الغنائم التي غنمها من قرية ذات كهل، وذلك حمداً على نصره لسيده الملك (شاعرم أوتر) ملك سبأ وذي ريدان في كل المعارك التي خاضها ضد كل الجيوش والقبائل المناوئة له من ناحية الجنوب والشمال والبحر واليابسة (البر) ( سطر1-7 ، 12-13 ).

ويكرر صاحب النقش الحمد لإلمقه على ما مَنَ به عليه عندما اشترك في المعارك إلى جانب سيده الملك في سهرتم (سهرة) ، وفي نجران ضد الأحباش، وفي مدينة قرية ذات كهل التي شن عليها حملتين ضد (ربيعة آل ثور) ملك كندة وقحطان، وضد سادة مدينة (قرية) (سطر 16-28).

ويضيف مسجل النقش إنه ذهب على رأس حملة مكونة من قبيلة خولان خضلم (خولان صرواح) ومن نجران وبعض الأعراب، وذلك لمهاجمة قبيلة (يحابر) التي كانت موالية لبني ثور و(قرية) (سطر 33-37). ثم ينتهي النقش بالدعاء الأخير.

وقد ورد في نقشين آخرين يعودان إلى عهد الملك شاعرم أوتر أيضاً ذكر لبض الغنائم التي قدمت لللمعبود إلمقه التي غنمها السبئيون من قرية ذات كهل (Ja 634,641) دون ذكر تفاصيل عن الحملتين وطبيعتهما.

ونستطيع أن نعد الحملات التي تمت في عهد (شاعرم أوتر) على قرية ذات كهل بمثابة العمليات الحربية الأولى – فيما هو معروف لنا من نقوش – التي شنها عرب الجنوب في اتجاه الصحراء الشمالية[11].

  • في عهد الملك السبئي إيل شرح يحضب (الثاني):

تعود مدينة قرية ذات كهل عاصمة الدولة الكندية في دهرها الأول إلى الظهور في النقوش في عهد الملك السبئي (إيل شرح يحضب الثاني)، فنعرف من النقش (Ja 526/2-3) استمرار حملات سبأ على قرية ذات كهل، حيث جرد الملك السبئي حملة على قرية، انتهت بأسر ملكم (مالك)، ملك كندة، وكبار قبيلة كندة، وذلك لأنهم أخلوا بالضمان الذي ضمنه (مالك) عن امرئ القيس بن عوف ملك خصصتن (الخصاصة)[12]، وقد ظل الملك الكندي ومن معه رهائن في مدينة مارب، حتى أحضروا ذلك الغلام (امرؤ القيس)، وأعطوا رهائن من قبيلة كندة؛ أبناء رؤساء وكبار كندة، كما سلموا خفارة (غرامة) أفرسم (خيول)، وركبم (رواحل أو نوق ركوب)، وجملم (جمال). أما باقي النقش فيتحدث عن حروب الملك السبئي إيل شرح يحضب وأخيه يازل ضد الملك الحميري شمر ذي ريدان (شمر يهحمد) وحلفائه، خصوصاً الأحباش. وهناك من يرى أن كندة كانت جزءاً من ذلك الحلف، على الرغم من عدم ذكر النقش لذلك[13].

ونستدل مما قام به الملك السبئي (إيل شرح) تجاه كندة وإلزامها بتسليم (إمرؤ القيس) أن (كندة) قد أصبحت في هذه الفترة عبارة عن محمية سبئية[14]، وكانت العلاقة التي تربطها بسبأ مشابهة لتلك التي كانت تربط بين البتراء وتدمر من جهة وبين الدولة الرومانية من جهة أخرى، وكذلك بين الحضر وبين الدولة الفرثية (الفارسية)[15].

وهناك نقشان آخران ( Ja 2110, In 75 ) يتحدثان عن سفارات سبئية إلى ملوك شامة[16]، يعودان إلى عهد الملك إيل شرح يحضب الثاني. ويتميز النقش الأول (جام) عن الثاني (عنان) أنه يذكر أسماء ملوك الشعوب التي أوردها، ومنهم (مالك بن بد) ملك كندة ومذحج. أما النقش الثاني فيقتصر على ذكر الشعوب مغفلاً أسماء ملوكها، وقد كان من بين تلك الشعوب شعب مذحج من غير كندة. حيث نلاحظ أن القبيلتين كندة ومذحج قد ذكرتا في النقش الأول مقترنتين ببعضهما، وتحت سلطة ملك واحد، بينما اختفت (كندة) من النقش الثاني وذكرت مذحج منفردة، وذلك أمر لا نستطيع تفسيره في إطار ما نملك من نقوش.

  • في عهد الملك الحميري شمر يهرعش:

تعود كندة للظهور في النقوش العائدة إلى عهد الملك الحميري شمر يهرعش في أواخر القرن الثالث الميلادي، بعد أن تمكنت حمير من ضم دولة سبأ إليها، حيث نعرف أن كندة قد دعمت الملك شمر يهرعش بوحدة من مقاتليها أثناء حملته على حضرموت (Sh 32/4) ، وكانت كندة قد نزحت إلى حضرموت من مواطنها الشمالية لتوها، حيث كان شمر يهرعش قد أرسل أحد قادته لمراقبة ذلك النزوح ( BR-M. Bayhan 5/6-7) .

ويرى البعض أن دولة كندة في دهرها الأول قد انتهت في عهد الملك شمر يهرعش أوائل القرن الرابع الميلادي، وذلك على يد الملك اللخمي إمرؤ القيس بن عمر المعاصر لشمر، الذي يذكر في نقش النمارة أنه قد هرب مذحج، أي طردها، حيث يعتقد أن كندة قد طردت معها في الفترة نفسها، نظراً لأن كندة ومذحج قد ذكرتا في النقوش بصفتهما اتحاد قبلي في ظل ملك واحد. حيث استقرت كندة في حضرموت اليمن بين واديي العبر ودوعن فيما عرف بعد ذلك بديار كندة، بينما استقرت مذحج في مشرق اليمن فيما عرف بعد ذلك بسرو مذحج[17]. وقد أصبحت كندة ومذحج من أهم مكونات القوات الأعرابية (البدوية) التابعة للدولة الحميرية حسبما ذكرت النقوش (Ja 660, 665, Ir 32).

هذا ويعد المؤرخون الدولة التي قامت في قرية ذات كهل – بموجب ما لدينا من نصوص – أقدم دويلات وسط الجزيرة العربية[18]. ويبدو أن قرية هذه كانت في أثناء ذلك بلدة مشهورة على درجة جعلت اسمها يعم ليصبح اسماً لكل المنطقة التي عرفت بعد ذلك باليمامة[19].

ونشير أخيراً إلى أن كندة في دهرها الأول قد شكلت الحياة فيها مزيجاً من حياة الحضر والبداوة، حيث كان الكيان السياسي عبارة عن اتحاد قبلي لمناطق بدوية – إذا ما قيست بمراكز الحضارة اليمنية – وفي الوقت نفسه كانت قرية ذات كهل حاضرة لذلك الاتحاد القبلي البدوي[20].

رابعاً: العلاقات الحضارية بين الجانبين:

سوف نحاول هنا معرفة أوجه التشابه بين موجودات قرية ذات كهل النقشية والأثرية، مع مثيلاتها التي عثر عليها في دول جنوب الجزيرة العربية (اليمن)، حيث سنقسمها إلى ثلاثة أقسام على النحو التالي:

  • الكتابة واللغة:

استخدمت قرية ذات كهل عاصمة كندة في دهرها الأول قلم المسند العربي الجنوبي ليكون القلم الرسمي لها ولأهلها؛ يعبرون به عن أفكارهم وخواطرهم ومشكلاتهم. وقد اتخذ خط المسند في قرية – في بعض الأحيان – شكلاً مميزاً عن خط المسند التقليدي، حيث أصبح لمسند قرية شكل مميز، وأصبحت أشكال حروفه ذات خصائص تميزها عن حروف المسند التقليدي المعروف، من غير أن تبعدها عنه، أو تخرجها عن دائرته. ولهذا فهو يعد اتجاهاً ومدرسة خاصة في الكتابة بالمسند[21]. وقد دفع ذلك الاختلاف بين مسند قرية والمسند العربي الجنوبي بعض الباحثين إلى اقتراح تسمية كتابات قرية ذات كهل بالكتابة القحطانية، نسبة إلى اسم قحطان الذي ورد ضمن ألقاب بعض الملوك الذين حكموا في قرية[22].

وإذا كان سكان قرية ذات كهل قد كتبوا بقلم الجنوب، فإن لغتهم قد مثلت مزيجاً من لغة الشمال والجنوب، ويبدو ذلك المزيج اللغوي واضحاً في نقش (عجل بن هوف عم)، فقد تبدت اللغة الشمالية فيه عن طريق ظهور صيغة (أفعل) بدلاً من (هفعل) و(سفعل) الجنوبية، حيث جاء في النقش أفعال مثل (أعاذ). إلى جانب ذلك نرى أداة التعريف الشمالية (ال) التي تأتي شمسية، فيقال (أسمي) بمعنى السماء، و(عثر أشرق) بمعنى عثتر الشرق أو الشارق، لأن كاتب النقش قد أهمل اللام الشمسية عند الكتابة، وكتبها بموجب نطقه للكلمة، لأنه قد أثبت اللام القمرية في كلمة (لأرض) أي الأرض[23].

  • الدين والمعبودات:

تم العثور في قرية ذات كهل على العديد من أسماء المعبودات التي هي خليط من المعبودات الجنوبية والشمالية، ويأتي على رأسها المعبود (كهل) المعبود الأعظم في قرية التي أصبح اسمها مقترناً به[24].

وكهل هذا يرمز إلى القمر[25]. وقد عده الأنصاري[26] معبوداً شمالياً، لأنه كان من جملة معبودات الثموديين؛ إلا أن ورود اسم هذا المعبود في النقوش العربية الجنوبية كمعبود من المعبودات التي توجه إليها اليمنيون القدماء بتضرعاتهم يجعلنا نعتقد أن هذا المعبود هو معبود عربي جنوبي انتقل إلى منطقة شمال غرب الجزيرة العربية، وإلى قرية ذات كهل، ربما مع التجار اليمنيين، ولعل أبرز هذه النقوش العربية الجنوبية التي تذكر (كهل) هو نقش (In 11)، وهو عبارة عن ابتهال ديني مقدم إلى المعبود (كهل) بالدرجة الأولى، بدليل تردد اسمه في النقش لأكثر من خمس مرات، بينما لم يذكر (إلمقه) – المعبود الرئيسي لسبأ – في النقش إلا مرة واحدة. ويرى بعض الباحثين إن تكرار اسم (كهل) في النقش، إلى جانب الطريقة التي يرد بها يوحي بأنه معبود توجه إليه بعض الابتهالات المحددة[27].

ونُذَكر هنا بالمونجرام العربي الجنوبي المعروف بمونجرام (هجر بن حميد)، والذي يمكن اعتباره أقدم كتابة بخط المسند حتى الآن، حيث يتكون المونجرام من أربعة حروف (ك هـ ل م)، وهي الحروف نفسها التي حملها معبود قرية. بل إن جذر التسمية موجود في كلمة (كهلان)، وهي الكلمة التي وصفت بها قبيلة سبأ في مارب والتي أصبحت تعرف بسبأ كهلان (Ja 656) منذ أواخر القرن الثالث الميلادي، وكهلان هو أحد ولديّ سبأ عند النسابة، والذي تنسب إليه عدد من القبائل اليمنية المشهورة؛ منها قبيلتا قرية (كندة ومذحج)، ولا يخفى أن الفرق بين الاسمين (كهلم وكهلان) يكمن في كون الأول نكرة والثاني معرفة كما هو معلوم في قواعد اللغة اليمنية القديمة[28]. إلى جانب ذلك فقد كان من ضمن معبودات المعينيين معبود يسمى (كهلان نبط)[29].

ولقد كان من ضمن معبودات قرية أيضاً (عثر أشرق)، الذي ليس إلا المعبود المعروف في النقوش العربية الجنوبية (عثتر شرقن)، أي عثتر الشرق أو الشارق[30].

نشير أخيراً أنه على نسق صيغ التسميات العربية الجنوبية يرد في نقوش قرية ذات كهل اسم العلم هفعم (هوف عم)، وعم هو معبود القمر في دولة قتبان الجنوبية.

  • التماثيل والأواني:

عثر في قرية ذات كهل على تمثال من البرونز لطفل مجنح تشير صفاته إلى أنه للطفل (هاربوكراتيس) ابن الإله (إيزيس)، وعلى الرغم من أنه قد صيغ في أسلوب هيلنستي وروماني فإنه قد شابهَ في بعض صوره تماثيل جنوب الجزيرة العربية، خصوصاً في الدلاية (القلادة) التي تتدلى على صدره، إلى جانب ملامح الوجه التي تبدو عليها ملامح الحكمة والنضوج، بعكس غيره من التماثيل الهلنستية التي تتميز ملامح الوجه فيها بصفات الطفولة البريئة، وهو بملامح وجهه تلك قريب الشبه بوجه الطفل العاري الممتطي أسداً الذي عثر عليه في العاصمة القتبانية تمنع. وقد عثر كذلك في قرية على بعض الأواني الفخارية التي وجد لها مثيل في اليمن[31].

- خلاصة :

هكذا يتضح لنا أن دولة كندة في دهرها الأول كانت دولة لها حاضرة مستقرة هي مدينة قرية ذات كهل، وتحيط بها قبائل تتبعها؛ أهمها كندة ومذحج وقحطان، وقد شغلت دولة كندة في دهرها الأول الفترة الممتدة من مطلع القرن الأول الميلادي تقريبا حتى مطلع القرن الرابع الميلادي عند سقوطها.

وقد نشأت علاقات سياسية وحضارية بين دولة كندة والممالك اليمنية القديمة، خصوصاً سبأ وحميّر، حيث أصبحت العلاقة التي تربط كندة في دهرها الأول مع دولة سبأ شبيهةً بتلك العلاقة التي كانت تربط دولة الحضر بالفرس ودولتي الأنباط وتدمر بالرومان.

وارتبطت دولة كندة في دهرها الأول أثناء مراحل سقوطها بدولة حمير في زمن ملكها شمر يهرعش، الذي كان قد تمكن من ضم دولة سبأ إلى دولته أثناء حكمه المشترك مع والده ياسر يهنعم، وبدأ يتطلع لضم دولة حضرموت، حيث كوّن من قبيلة كندة وقبيلة مذحج ومعهما العديد من القبائل الأعرابية جيشاً بدوياً صار رديفاً للخميس الحميري (الجيش الرسمي)، ولعب ذلك الجيش البدوي دوراً في ضم دولة حضرموت إلى حميّر وإخضاع كل جنوب الجزيرة العربية لدولة واحدة هي دولة حميرّ الفتية.


[1] تمت المشاركة بهذا البحث في (المؤتمر الدولي الخامس للحضارة اليمنية) المنعقد في رحاب جامعة صنعاء- اليمن، في شهر سبتمبر 2004م، وتم نشره في الكتاب الذي تضمن الأبحاث المشاركة  في المؤتمر بعنوان (صنعاء الحضارة والتاريخ)، الصادر بتاريخ 2005م، ج1، ص33-41.

[2] عن موقع قرية الفاو، انظر: فارسي، زكي محمد علي. الدليل الشامل للمملكة العربية السعودية، السعودية، (د.ت)، ص20.

[3] عبد الله، يوسف محمد. أوراق في تاريخ اليمن وآثاره، بيروت – دمشق، 1990م، ص277.

[4] الشيبة، عبد الله حسن. محاضرات في تاريخ العرب القديم، صنعاء، 1991م، ص402 .روبان، كرستيان. انتشار العرب البداة في اليمن من القرن الثاني إلى العاشر الميلادي، ترجمة: علي محمد زيد، (مجلة) دراسات يمنية، العدد 27، 1987م، ص91.

[5] عبد الله، أوراق في تاريخ اليمن، ص277.

[6] عبدالله، أوراق، ص275 .

[7] الأنصاري، عبد الرحمن الطيب. أضواء جديدة على كندة من خلال آثار قرية الفاو ونقوشها، ضمن كتاب: مصادر تاريخ الجزيرة العربية، ج1، الرياض، 1399هـ، ص9.

[8] عبدالله، أوراق في تاريخ اليمن، ص282 .

[9] عن نسب كنده ومذحج، أنظر: الأندلسي، ابن حزم. جمهرة أنساب العرب، بيروت، 1983م، ص485.

[10] بافقيه، محمد عبد القادر. تاريخ اليمن القديم، بيروت، 1985م، ص112.

[11] روبان، انتشار العرب البداة، ص96.

[12] يرى روبان أن المقصود بالخصاصة هي قبيلة (زهران) (انتشار العرب البداة، ص106). وزهران في الوقت الحاضر هي إحدى قبيلتين كبيرتين تكونان إمارة الباحة السعودية هما (غامد وزهران)، وتقع مواطن القبيلتين جنوب مدينة الطائف (الجاسر، حمد. في سراة غامد وزهران.. نصوص، مشاهدات، انطباعات)، الرياض، 1977م، ص85.

[13] عن كون كندة جزءاً من ذلك الحلف، انظر: علي، جواد. المفصل في تاريخ العرب قيل الإسلام، ج3، بيروت – بغداد، 1976م، ص317.

[14] روبان، انتشار العرب البداة، ص97.

[15] عبد الله. أوراق في تاريخ اليمن، ص283.

[16] المقصود بشامة هنا الأراضي الواقعة شمال مملكة سبأ في وسط الجزيرة العربية.

[17] عبد الله، أوراق في تاريخ اليمن، ص274-277.

[18] بافقيه، محمد عبد القادر. في العربية السعيدة.. دراسات تاريخية قصيرة، ج1 ، صنعاء، 1987، ص31.

[19] أبو الغيث، عبد الله. علاقة جنوب الجزيرة العربية بشمالها خلال القرنين الثالث والرابع للميلاد، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة صنعاء، كلية الآداب، قسم التاريخ، ص59. وعن تسمية اليمامة بقرية، انظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج1، بيروت، ص371.

[20] عبد الله، أوراق في تاريخ اليمن، ص294، 295 .

[21] الأنصاري، عبد الرحمن الطيب. كندة صورة للحضارة العربية قبل الإسلام، الرياض، 1982م، ص23.

[22] هبو، أحمد أرحيم. تاريخ العرب قبل الإسلام السياسي والحضاري، دمشق، 1990م، ص42.

[23] هبو،  العرب قبل الإسلام، ص42. الإرياني، مطهر. إعادة النظر في نقش عجل بن هفعم في قرية الفاو، (مجلة) دراسات يمنية، العدد 13، 1983م، ص199، 200.

[24] الأنصاري، كندة صورة للحضارة العربية، ص23.

[25] الصلوي، إبراهيم. أعلام يمنية قديمة مركبة، (مجلة) دراسات يمنية، العدد 38، 1989م، ص135. علي، جواد. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج6، 1976م، ص295.

[26] الأنصاري، أضواء جديدة على كندة، ص8.

[27] بافقيه، محمد عبدالقادر – روبان، كريستيان، من نقوش محرم بلقيس، (مجلة ريدان)، العدد 1، 1978م، ص20.

[28] عبد الله، أوراق في تاريخ اليمن، ص281، 282. بافقيه، نحمد عبدالقادر. الأنساب والسير اليمانية.. عناصرها ومصادرها، (مجلة) ريدان، العدد 5، 1988م، ص29.

[29] انظر النقش رقم (23) في المجموعة الأولى من نقوش خربة براقش لخليل يحيى نامي، المفصول من مجلة كلية الآداب، مج16، ج1، 1954م.

[30] عبد الله، أوراق في تاريخ اليمن، ص291. الإرياني ، نقش عجل بن هفعم، ص198-200.

[31] الأنصاري ، كندة صورة للحضارة العربية، ص26، 140.

التعليقات (0)