رؤية تاريخية حول حضارات الأقوام العربية العتيقة .. (عاد، ثمود، مدين) (2)

رؤية تاريخية حول حضارات الأقوام العربية العتيقة

(عاد، ثمود، مدين)

أ.د. عبدالله أبوالغيث

3 – رغم أن الآيات القرآنية قد سكتت عن نظام الحكم الذي كان سائداً في ثمود عند بعثة صالح عليه السلام، إلا أنها قد تحدثت عن الرفاهية والأمن الذي كان سائداً بينهم[1]، الأمر الذي يوحي بسلطة تنظم شؤون ذلك المجتمع، وقد تحدث القرآن الكريم عن (ملأ ثمود)، وتحدثت كتب التفسير عن (نادي ثمود)، وهو ما يذكرنا بأنظمة الحكم التي سادت بعد ذلك في بعض المدن العربية خصوصاً مكة التي تميزت بدار الندوة وملائها المذكور في القرآن الكريم، ولعل التسعة الرهط الذين جهزتهم ثمود لقتل الناقة ومحاولة قتل صالح[2] يذكرنا بالفتية الذين جهزتهم قريش لقتل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى يثرب في القصة المعروفة[3].

كان ذلك ما استطعنا قوله عن مظاهر الحضارة الثمودية في الدهر الأول، أما وضعها في الدهر الثاني، فنفهم من نقوشهم ورسوماتهم أنهم كانوا يشكلون مجتمعاً حضرياً أكثر منهم بدو، حيث مارسوا الزراعة والصيد وركبوا البحر بسفنهم[4]، وعرفوا الطب والمعالجة[5]. ويعتقد أن الثموديين كانوا هم أول من قاد القوافل الأولى بين اليمن والشام[6]، حيث قاموا بدور الوسيط التجاري بين المنطقتين، نظراً لموقع بلادهم المهم في أعالي الحجاز على الطريق التجاري الذي يربط جنوب الجزيرة العربية بالشام ومصر وعالم البحر المتوسط، نستدل على ذلك من وجود النقوش الثمودية في اليمن وسيناء وأيلة (العقبة)، وكلها مراكز تجارية مهمة في تلك الفترة. ووجدت عبارات في نقوشهم تفيد أنهم كانوا أهل قوافل أو حماة قوافل، مثل عبارة (أهل عر) أي أهل العير[7].

ج) حضارة مدين:

أما فيما يخص الجوانب الحضارية لشعب مدين، فقد أشار القرآن الكريم إلى بعضها على النحو التالي:

1- ممارستهم للتجارة، حيث ركزت الآيات القرآنية على هذا النشاط الذي مارسه المديانيون، وذلك من خلال تكرارها لذكر المكيال والميزان في إطار دعوة نبيهم شعيبu لهم بإيفاء الكيل والوزن، وعدم الاحتيال في إنقاصها [فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ] [8]، [وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ] [9]، الأمر الذي يشير إلى أن التجارة قد مثلت المهنة الرئيسية لشعب مدين، واعتمدت عليها مقومات حياتهم بدرجة أساسية، وقد سبق القول عن تسييريهم للقوافل التجارية منذ عهد النبي يوسف عليه السلام .[10]

وقد ساعدهم على ذلك وقوع بلادهم على طريق التجارة الرئيسي، الذي يربط جنوب الجزيرة العربية بمصر وبلاد الشام وعالم البحر المتوسط[11]، وقد تمكنوا من جمع ثروات طائلة جراء ذلك، حسب ما نفهم من القرآن الكريم [الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا] [12]، وهذه صفة ميز بها القرآن الكريم إلى جانبهم قوم ثمود[13]، ونلفت الانتباه أن الثموديين (ثمود الدهر الأول) قد عاشوا في منطقة شمال غرب الجزيرة العربية، وكان ذلك قبل أن تستوطنها القبائل المديانية، بينما استوطنتها (ثمود الدهر الثاني) بعد زمن مدين، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن سر هذا التداخل الحضاري بينهما، وعن مدى وجود علاقة عرقية تربطهما، ولعل التنقيبات الأثرية الجديدة تكشف لنا عن هذا السر.

2- يتحدث القرآن الكريم عن ملأ مدين، وهو ما يجعلنا نشير إلى نظام الحكم الذي ساد بينهم، حيث يرجح البعض انه قد تمثل في نظام دولة المدينة، اعتماداً على ذكر التوراة لتعاصر خمسة من ملوكهم في الفترة التالية لعصر النبي شعيب عليه السلام [14]. ويتضح من القرآن الكريم أن مدين كان لها كيانها القوي خلال الفترة التي التجأ فيها موسى عليه السلام إليهم هربا من فرعون، وعدم قدرة فرعون على مطاردته في أراضيهم  [قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] [15].   

وقد حدثتنا التوراة عن صراع عنيف دار بين اليهود والمديانيين، امتد من عهد موسى عليه السلام بعد خروجه من مصر إلى الفترة التي سبقت ظهور النبي/ الملك داود في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. ووفقا لما جاء في التوراة، فقد كانت الحرب سجالاً بين الطرفين، وسوف نتجاوز هنا عن ذكر هذه الحروب لكون كُتَاب التوراة قد أضفوا عليها كثيرا من المبالغة، حيث حدثونا في أكثر من موضع عن إبادة اليهود للشعب المدياني بأكمله (رجالاً ونساءً وأطفالاً)، لكننا سرعان ما نجدهم يتحدثون عن تجدد الحروب مع المديانيين، من غير أن يحدثونا عن الكيفية التي عاد بها أهل مدين إلى الوجود[16].

3- نعرف من قصـة لجوء موسـى عليه السلام إلى مدين بأن أهل مدين قد مارسوا مهنة الرعي [وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَان] [17]، ومع أن التوراة قد ذكرت أن القطعان التي سقاها موسى عليه السلام كانت من الغنم[18]، إلا أننا نعتقد بأن كلمة (تذودان) في الآية القرآنية تشير إلى الإبل، ونتكئ في ذلك الاعتقاد على ما ورد في المعاجم العربية من أن (الذود) هو مجموعة من الإبل من الثلاث إلى العشر، والكثير (أذواد)، وفي المثل (الذود إلى الذود إبل)، و (ذاد الإبل) أي ساقها وطردها[19]، وإلى اليوم يسمى راعي الإبل (ذواد)، ونعرف من التوراة مدى اهتمام أهل مدين بتربية الجمال، وكثرتها العددية لديهم، فقد ذكرت إن " جمال أهل مدين كالرمل الذي على شاطئ البحر في الكثرة "[20]،  وأنهم قد استخدموها في نقل البضائع السبئية إلى بلاد الشام ومصر[21] ، وكذلك استخدموها في حروبهم، حيث اشتهروا في التاريخ كأول أمة تستعمل الجمل في حروبها[22]. وقد استمر ذلك التقليد لدى سكان المنطقة، حيث يحدثنا الملك الآشوري شلمنصر الثالث في القرن التاسع قبل الميلاد عن مشاركة الزعيم العربي الشمالي (جنديبو العربي) في الحرب التي دارت ضده في معركة قرقر، بألفٍ من راكبي الجمال[23].

4- رغم سكوت القرآن الكريم عن الإشارة إلى ممارسة أهل مدين للزراعة، التي أشار إليها عند حديثة عن عاد وثمود، إلا أن انتشار الواحات في المنطقة التي سكنوها يؤكد ممارستهم لهذه المهنة، إما اعتماداً على مياه الأمطار، أو على السقي من الآبار، وكان من أهم محاصيلهم التمور والأعناب والحبوب والبقول والخضر والفواكه وغيرها. وقد عرفوا كذلك استخراج المعادن (ذهب، فضة، نحاس، حديد، قصدير، رصاص)، وأيضاً صناعة الفخار، الذي يعود زمنه في بعض المستوطنات المديانية إلى القرنين الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد[24].

المبحث الثالث: عواصمهم الحضرية

أ) إرم عاد وحقيقتها التاريخية:

أختلف المفسرون وأهل الأخبار في المقصود بإرم ذات العماد التي ذكرت في القرآن الكريم  [أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ] [25]، وقد أجمل ابن كثير في تفسيره تلك الاختلافات، حيث عدها البعض وصف لقبيلة عاد ويصبح المعنى (عاد إرم) لأن المراد - حسب قول أصحاب هذا الخبر- إنما هو الإخبار عن هلاك القبيلة بدليل قوله تعالى في الآية التالية (التي لم يخلق مثلها في البلاد)، حيث كانت قبيلة عاد قد وصفت بمثل هذه الأوصاف في آيات أخرى [وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً] [26]، [وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً] [27]، إلى جانب قولهم أنه لو كان المقصود المدينة وليس القبيلة لقال (التي لم يعمل مثلها في البلاد وليس لم يخلق) وبالتالي فإن المقصود بالعماد في الآية إما أن يكون طول قاماتهم، أو الأعمدة الشداد التي ترفع بها بيوتهم المصنوعة من الشعر (الخيام)[28].

وبالمقابل فإن هناك من ذكر أن المقصود بإرم إنما هي مدينة إرم التي كانت بيت المملكة العادية (العاصمة) ويكون المعنى (عاد وإرم ذات العماد)، وتكون صفة ذات العماد هنا وصف لمدينة إرم ويقصد به أبنيتها الضخمة التي ميزت هذه المدينة. وقد بالغ بعض القائلين بهذا الرأي في وصف مدينة إرم وجعلوها مبنية من الذهب والفضة والجوهر، وجعلها بعضهم مدينة تتنقل في الأرض، فتارة تكون في اليمن وتارة في الشام وثالثة في العراق وأخرى في مصر، وهكذا في بقية أصقاع الأرض[29].

وبغض النظر عن المبالغات المشار إليها - والتي نضم صوتنا إلى صوت ابن كثير في عدها من الخرافات التي وضعها البعض نقلاً عن زنادقة الإسرائيليين - فإننا نميل إلى ترجيح الرأي القائل بأن (إرم) إنما هو اسم لمدينة عادية وليس اسماً مرادف لقبيلة عاد، وقد بنينا ترجيحنا هذا اعتماداً على العديد من الملاحظات التي نرى أنها تفند المعطيات التي اعتمد عليها أصحاب الرأي الآخر القائل بأن المقصود بإرم إنما هو قبيلة عاد، وتتمثل هذه الملاحظات في التالي:-

1- بالنسبة لقولهم: أن إرم صفة تميزية لعاد لا ينفي كون إرم مدينة لأن وصف قبيلة عاد بأنها عاد إرم قد يعني أن القبيلة نسبت إلى الإقليم الذي تعيش فيه أو إلى أهم مدنه، ربما تمييزاً لها عن أحد فروعها أو عن قبيلة أخرى تحمل نفس الاسم، كقولهم أزد عمان وأزد السراة.

2- أما قولهم بأن السياق كان يتحدث عن إهلاك القبيلة فلا ضير من ذكر عاصمتهم وعظمتها في هذا السياق لكونها المكان الذي نزل فيه العذاب، ولكون عظمتها شاهدة على نكرانهم للنعمة التي هم فيها والتي تستحق الشكر وليس الكفران الذي بسببه استحقوا نزول العذاب، ويذكرنا هذا بقوله تعالى [وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ] [30]، مع أن المقصود كل قوم ثمود في الحجر وخارجها.

3- وفيما يخص قولهم إنه لو كانت إرم عبارة عن مدينة وليس قبيلة لما قال في الآية التالية [الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ] وإنما سيقول (التي لم يُعمل مثلها في البلاد)، فذلك ليس كلاماً قطعياً لأن الخلق لا يقتصر إطلاقه على أفعال الله سبحانه وتعالى فقط ويجوز إطلاقه على ما يفعله البشر[31]، مثل قوله تعالى [إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً][32]. وحتى إن كانت صفة الخلق قاصرة على الله فلا مانع أن يكون الضمير في قوله (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا) عائداً على قبيلة عاد المذكورة في بداية الكلام وتكون إرم مشمولة بصفتها جزءاً من القبيلة، أو يكون ذكرها عبارة عن جملة اعتراضية لا تمنع عودة الضمير بعدها على ما ذكر قبلها (أي قوم عاد)، خصوصاً أن ذلك يتكرر في العديد من السور القرآنية[33].

4- نصل أخيراً إلى قولهم: إن المقصود بالعماد في الآية هو أعمدة خيامهم، فبالعودة إلى معاجم اللغة وجدناها تذكر أن عمود البيت يجمع على صيغة (أعمدة) و(عمد)، أما (العماد) فالمقصود بها لديهم الأبنية الرفيعة والواحدة منها (عمادة)[34]. وهذا يرجح كون (إرم) مدينة ذات أبنية مرتفعة، يؤكد ذلك ما سبق أن ذكرناه من أنهم قد عرفوا البناء وأقاموا القلاع والحصون [اتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون] إضافة إلى تصريح القرآن الكريم بأن مساكنهم قد بقيت بعد تدميرهم [فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ] [35]، وذلك رغم الريح الشديدة التي تعرضت لها [بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ] [36] ولذلك فهي لم تكن من الخيام بطبيعة الحال. ويدخل ضمن هذا قولهم: بأن ذات العماد ربما يكون المقصود بها طول قامات قوم عاد لأنه لا يتعارض مع ما ذهبنا إليه، على أساس ما سبق ذكره من أن القبيلة ربما تكون قد نسبت إلى عاصمتها أو مدينتها الأشهر ويكون المعنى (قوم عاد- الساكنين مدينة إرم- ذوي القامات الطويلة).

وبناء على ما تقدم ذكره فنحن نرى أن إرم - في الغالب - ما هي إلا مدينة لقوم عاد، وإذا كانت كذلك فلا بد أن تكون عاصمتهم (بيت مملكتهم)، أو على الأقل أهم وأشهر حواضرهم. ويبقى السؤال أين الموقع الحقيقي لهذه المدينة، وهذا سؤال من الصعب الإجابة عليه في الوقت الحاضر ما لم نتمكن من تحديد البقايا الأثرية لهذه المدينة، التي لا يستبعد أن تكون مطمورة تحت الرمال في مكان ما من أرض الجزيرة العربية المترامية الأطراف[37].

ب) حِجْر ثمود وموقعها الحقيقي:

لم يدر خلاف بين المفسرين وأهل الأخبار حول الحجر المذكورة في القرآن الكريم[38]، مثلما دار حول إرم عاد السالف ذكرها، والأيكة المذكورة في قصة النبي شعيب كما سنوضح ذلك في الفقرة التالية، فقد اتفقت المصادر العربية بأن الحجر كانت من مواطن الثموديين الذين قطنوا فيها وما حولها من الأرض الممتدة بين الحجاز والشام، وربما كان سبب ذلك الاتفاق عائداً إلى الرواية التي تذكر أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد مر في الحجر أثناء سيره إلى تبوك في السنة التاسعة للهجرة، واخبرهم بأنها ديار قوم ثمود، وحدد لهم الأماكن التي كانت ترتادها الناقة المذكورة في قصة نبي الله صالح المرسل إلى ثمود[39].

ويسود الاعتقاد أن حجر ثمود هي الموضع الأثري المسمى (مدائن صالح)[40] ، التي ربما سميت بهذا الاسم نتيجة لذلك الاعتقاد، لكن بعض المؤرخين المحدثين يميلون إلى أن مدائن صالح ليست هي حجر ثمود، بل حجر الأنباط. أما الموقع الحقيقي لحجر ثمود في نظرهم إنما هو موضع الخريبة، الواقع على بعد عشرة أميال من مدائن صالح، وذلك لأن وصف العذاب الذي أصاب الثموديين قوم النبي صالح، كما ذكر في القرآن الكريم (الرجفة - الزلزلة) لا يتحقق في الموقع المعروف بمدائن صالح، ويتحقق وفق مشاهدة بعضهم في موقع الخريبة[41]، وإن كان بعضهم قد وقع في خطأ آخر باعتبارهم أن الخريبة هي مدينة العلا الحالية (ديدان)[42] ، وربما كان سبب ذلك هو تقارب المواقع الثلاثة. والصحيح أن الخريبة غير العلا لأن الخريبة تقع إلى الشمال من مدائن صالح، بينما تقع العلا في الجهة الجنوبية منها[43].

ونحن إذ نميل إلى ترجيح هذا الرأي فإننا نتساءل حول ما إذا كانت الحجر هي عاصمة الثموديين، ولعل الإجابة بنعم هي الإجابة المنطقية على هذا السؤال، وذلك لأن الحجر قد حلت في القرآن الكريم نيابة عن ثمود في قوله تعالى [وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ]  الأمر الذي يعني أن ملأ ثمود (علية القوم) - الذين وصفوا في آيات أخرى أنهم من تزعموا تكذيب نبيهم صالح - كانوا يعيشون فيها، وفيها دارت قصتهم مع الناقة[44]، وغالباً هي المدينة التي ذكرت في قصة النبي صالح وقومه مع ثمود [وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ] [45]. وبالتالي لا يمكن أن تكون لها كل هذه المكانة إلا إذا كانت هي عاصمة الإقليم الثمودي الممتد بين الحجاز والشام حسبما ذكرنا سابقاً، أو على الأقل الحاضرة الأولى لهم في حالة افتراضنا عدم وجود كيان سياسي منظم لهم (دولة، مملكة) كما يذهب إلى ذلك بعض المؤرخين[46].

ج) الأيكة هل كانت عاصمة مدين؟:

ذكر القرآن الكريم في قصة شعيب عليه السلام الأيكة (لئيكة) إلى جانب مدين، وقد جعل ذلك بعض المفسرين يفترضون أنها منطقة أخرى منفصلة عن مدين بُعث إليها شعيب عليه السلام بعد هلاك مدين، مستدلين بما أورده القرآن الكريم من أن العذاب الذي أصابهم هو (الظلة)[47]، وليس (الصيحة والرجفة) التي وصف بها عذاب مدين. وقد رفض ثقاة المفسرين ذلك الافتراض مؤكدين إن الأيكة ما هي إلا جزء من مدين، نظراً لأن شعيبu قد أمر أهلها بنفس الأوامر التي أمر بها أصحاب مدين، مثل وفاء المكيال والميزان، أما وصف العذاب المختلف فهو لا يعني تعدد الأماكن والأمم، وإلا لتطلب الأمر أن تكون مدين أمتين لاشتمال عذابها على الصيحة والرجفة، ويخلصون إلى كون الأيكة من مدين، وقد اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، بحيث ذكر في كل سورة العذاب الذي يناسب سياق القصة فيها[48].

ونذكِّر هنا أن عذاب ثمود من قبلهم، قد وصف بالصيحة والرجفة والطاغية والصاعقة، ولم يقل أحد أنهم أكثر من أمة، رغم ذكر الحجر مع ثمود. والراجح أن الأيكة بالنسبة لمدين كانت كالحجر لثمود، أي أنها كانت حاضرتهم الرئيسية، خصوصاً لما نراه من تشابه في سياق ذكرهما في القرآن الكريم [وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ] [49]، [كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ] [50]. والسؤال هنا: هل كانت الأيكة هذه هي بلدة مدين التي أشار إليها أهل الأخبار المسلمين وجعلتها بعض المصادر – السابقة لهم – مدينة مدين، عندما ذكرت أن موسى عليه السلام لجأ إليها[51]؟ ويكون إطلاق اسم مدين عليها في هذه الحالة من باب إطلاق اسم الكل على الجزء الأهم والأشهر فيه، كإطلاق اسم الشام على دمشق، ومصر على القاهرة، ذلك احتمال قوي.

ويقودنا الاحتمال السابق إلى سؤال آخر، وهو أين موقع مدينة الأيكة؟ وقد تعددت الآراء بخصوص ذلك، حيث يرى البعض أنها ربما تكون (تبوك)، أو أنها (الحوراء) على الساحل الشمالي للحجاز (ساحل منطقة مدين) وأنها هي التي عرفت في المصادر الكلاسيكية بـ(لويكة كومة)[52]. ورغم عدم اعتراضنا على هذه الآراء، إلا أننا نلفت الانتباه إلى ما ذكرته المصادر العربية من أن موقع مدينة مدين (ربما الأيكة حسب افتراضنا) كان بالقرب من مدينة معان[53] (جنوب الأردن الحالية)، وكذلك قولهم أن الأيكة هي الغيظة من الشجر خصوصاً السدر المثمر (الدوم)[54]، وهو ما ينطبق كثيراً على واحة البدع الحالية، التي تقع بالقرب من وسط الساحل الشرقي لخليج العقبة إلى الناحية الجنوبية من معان، وما زالت تحتفظ بنفس تلك المواصفات حتى وقتنا الحاضر[55]، بل إن إحدى مناطقها ما زالت تحمل اسم (أيكة الدوم)، إلى جانب كونها محطة على طريق التجارة الرئيسي، واحتوائها على كثير من الآثار المديانية، ووجود كهوف جبلية تحمل اسم (مغاير شعيب)[56]، وهو ما يرجح كفتها لأن تكون هي مدينة (أيكة - مدين)، وإن كان ذلك لا يمنعنا من ختم حديثنا عن الأيكة بالإشارة إلى موضع ما زال يحمل اسم  (الأيكة - ليكة)، ويقع إلى الشمال الغربي من مدائن صالح[57]، أي في منطقة مدين، وتذكرنا ثنائية نطق اسمه حالياً بثنائية رسم الاسم في القرآن الكريم، الذي ورد بصيغة (الأيكة) مرتين[58]، وبصيغة (لئيكة) مرتين أخريين[59].

(الجزء الثالث)


[1] سورة الشعراء/ 146 _ 149.

[2] سورة النمل/ 48.

[3] ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: محمد شحاتة إبراهيم، مج1، ج2، دار المنار، القاهرة ، ( د. ت )، ص 254- 257.

[4]  مهران، دراسات، ص 284– 286.

[5]  الذييب، نقوش ثمودية من الجوف، ص 20.

[6]  بافقيه، محمد عبدالقادر. في العربية السعيدة: دراسات تاريخية قصيرة، ج1، صنعاء، 1987م، ص 19.

[7] انظر النقش في: الروسان، القبائل الثمودية والصفوية، الرياض، 1987م، ص147.

[8]  سورة الأعراف/ 85.

[9]  سورة هود/ 84.

[10] تذكر بعض المصادر العربية أنهم أول من سن ضريبة العشر على القوافل التجارية المارة بأرضهم ( ابن كثير، القصص، ص 124 ).

[11]  سلامة، مدين، ص 22.

[12]  سورة الأعراف/ 85.

[13]  سورة هود/ 68.

[14]  سفر العدد/ 8:31 - سلامة، مدين، ص 113-585.

[15]  سورة القصص/25.

[16]  لمزيد من التفاصيل عن هذه الحروب، انظر: سلامة، مدين، ص 562-588.

[17]  سورة القصص/23.

[18]  سفر الخروج/16:2-18.

[19]  الرازي. محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، مكتبة المؤيد، الطائف، 1971م، مادة (ذود).

[20]  سفر القضاة/ 7: 12.

[21]  سفر أشعيا/ 60/ 6.

[22]  سلامة، مدين، ص 298- 615.

[23]  إسماعيل، عارف أحمد. دراسات في تاريخ الشرق القديم، ج2، العراق وبلاد الشام، المنتدى الجامعي، صنعاء، 2002، ص 118 .

[24] سلامة، مدين، ص 336، 615.

[25] سورة الفجر/ 6 – 8.

[26] سورة الأعراف/ 69.

[27] سورة فصلت/ 15 .

[28] ابن كثير، التفسير، ج4، ص 507، 508 .

[29] ابن كثير، التفسير، ج4، ص 507، 508، وربما بناء على ذلك اختلفوا في تحديد موقعها حيث امتدت تلك الاختلافات ما بين أبين اليمن جنوباً، ودمشق الشام شمالاً، وأور العراق شرقاً، وإسكندرية مصر غرباً.

[30] سورة الحجر/ 80 .

[31] عن المعاني المتعددة لكلمة الخلق، انظر، مختار الصحاح، (مادة – خ ل ق).

[32] سورة العنكبوت/ 17.

[33] انظر على سبيل المثال سورة الصف التي تتحدث آياتها الأولى عن الجهاد (آية / 4) ثم تنتقل للحديث عن قصة موسى وعيسى لتعود بعد ذلك لمواصلة الحديث عن الجهاد مرة أخرى  (الآيات / 10- 12) . وكذلك سورة عبس التي تتحدث عن الأعمى (ابن أم مكتوم)   (الآيات/  1- 4)، ثم انتقلت للحديث عن الكفار من زعماء قريش لتعود بالحديث عن الأعمى من غير تكرار اسمه (الآيات / 8- 10).

[34] مختار الصحاح (مادة – ع م د).

[35] سورة الأحقاف/ 25 .

[36] سورة الحاقة/ 6.

[37] لا ندري مدى صحة الروايات التي تحكي عن التقاط الأقمار الصناعية لبقايا مدينة أثرية تحت الرمال المتحركة في صحراء الربع الخالي (الأحقاف)، وإن صدق شيء من ذلك فمن غير المستبعد أن تكون تلك هي مدينة إرم عاد التي ذكرت معظم المصادر أنها قد غاصت في رمال هذه المنطقة حسبما ذكرنا سابقاً.

[38] سورة الحجر/ 80 .

[39] انظر تفاصيل الرواية في: ابن كثير، التفسير، ج2، ص 232- 235.

[40] عن موقع مدائن صالح، انظر: دليل المواقع الجغرافية في المملكة العربية السعودية، ط1، مكتبة العبيكان، الرياض، 1998م،  ص 561 .

[41] الذييب، نقوش ثمودية من المملكة، ص4، 5 – الأنصاري، عبدالرحمن الطيب (وآخرون). مواقع أثرية وصور من حضارة العرب، الرياض، 1984، ص17.

[42] مهران، دراسات، ص 276.

[43] عن موقع الخريبة والعلا بالنسبة لمدائن صالح انظر: دليل المواقع الجغرافية، ص 205، 431، 561.

[44] انظر: سورة الأعراف/ 75- 79.

[45] سورة النمل/ 48.

[46] عن عدم وجود كيان سياسي لثمود انظر: مهران، دراسات، ص 283.

[47]  سورة الشعراء/ 189.

[48]  ابن كثير، التفسير، ج2، ص 469، ج3، ص 357.

[49]  سورة الحجر 80.

[50]  سورة الشعراء/ 176.

[51]  مهران، دراسات، ص 298- 300.

[52] سلامة، مدين، ص84- 89 .

[53] القلقشندي، ص 416.

[54] المقريزي، الخطط، ج1، ص 188.

[55] عن طبيعة واحة البدع أنظر: ابو العلاء، محمود طه. جغرافية شبه الجزيرة العربية، ج2، ط5، القاهرة، 1986م،، ص 65- 68.

[56] عن آثار واحة البدع انظر: سلامة، مدين، ص 87- 88.

[57] عن موقع (الأيكة- ليكة) الحالي، انظر: دليل المواقع الجغرافية السعودية/  ص63، 544، 561.

[58]  سورة الحجر/ 78، سورة ق/ 14 .

[59]  سورة الشعراء/ 176، وسورة ص13

التعليقات (0)