الصراع الدولي وأثره على تحول تجارة طريق اللُبَان صوب البحر الأحمر (2)

الصراع الدولي وأثره على تحول تجارة طريق اللُبَان صوب البحر الأحمر[1]

أ.د. عبدالله أبوالغيث

وعلى الرغم من فشل الحملة الرومانية وعدم تمكن الرومان من السيطرة على جنوب بلاد العرب إلا أنه قد نتج عنها تأثيرات سلبية، حيث تأثرت حواضر الدول اليمنية القديمة الواقعة في الهضبة الشرقية بسبب تحول جزء كبير من التجارة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط صوب طريق البحر الأحمر، وتحول درب ما تبقى من تجارة برية صوب القيعان في الجبال الغربية الخصبة، خصوصاً بعد أن اشتدت هجمات الأعراب على تلك الحواضر بعد أن قل دخلهم بسبب تحول الطرق التجارية صوب البحر، وأدى كل ذلك إلى ازهار مدن القيعان ومدن السواحل الغربية في القرون الميلادية، وبروز الحميّريين وكيانهم السياسي على حساب دولة سبأ بدرجة أساسية[1]، حيث تمكنت دولة حميّر في نهاية المطاف من توحيد كل جنوب جزيرة العرب (اليمن القديم) تحت سيطرتها وحكمته منفردة بداية من العقد الأخير للقرن الثالث الميلادي.

تجدر الإشارة في نهاية هذه الفقرة أن هناك من يتحدث عن حملة رومانية تمكنت من تدمير مدينة عدن، اعتماداً على إشارة وردت في كتاب دليل البحر الأرتيري بأن القيصر تمكن من تخريب عدن التي أسماها مؤلف الدليل (العربية السعيدة) خلال فترة ليست بعيدة من الزمن الذي عاش فيه مؤلف الدليل حسب قوله[2] (وهو مؤلف مجهول). وقد دارت خلافات كثيرة بين الدارسين حول الحملة المقصودة بين من يعتبرها الحملة الرومانية نفسها السالفة الذكر التي أرسلها أغسطس ووصلت إلى مارب، بينما يعتبرها بعضهم حملة أخرى مع اختلاف في من يكون القيصر الذي أرسلها وفي زمنها، وذلك بناء على التحديدات السابقة التي كانت تجعل زمن تأليف ذلك الدليل تتراوح بين القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي[3]، لكن أحدث التقديرات لزمن تأليف ذلك الدليل تعيده إلى القرن الثالث الميلادي، اعتماداً على ذكره لملوك وأحداث في جنوب جزيرة العرب ثبت من خلال النقوش المسندية أنها تعود إلى ذلك القرن[4]، وهو ما يجعل أخبار تلك الحملة غامضة وغير واضحة المعالم حتى الآن.

خامساً: التدخل الحبشي الأول في جزيرة العرب وصِلته بالرومان:

ارتبطت دولة البطالمة في مصر بالقارة الأفريقية منذ نشأتها في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد حسبما ذكرنا سابقاً. وعندما سيطر الرومان على مصر قاموا بتدمير مدينة نبتة عاصمة الدولة المروية في شمال السودان، حيث أدى ذلك إلى اضطراب طرق القوافل التجارية التي كانت تربط بين مصر والمناطق الداخلية من إفريقيا، عبر الأراضي المروية. وهو ما جعل الرومان يشجعون عملية التوسع التي قامت بها مدينة أكسوم في بلاد الحبشة على أنقاض المستوطنات السبئية التي سادت هناك خلال الألف الأول قبل الميلاد، حيث نلاحظ أنه منذ بداية القرن الأول الميلادي ظهرت في الحبشة مملكة قوية ومستقلة تتخذ من مدينة أكسوم عاصمة لها[5].

جدير بالإشارة إلى أن الوجود اليمني على الشواطئ الشرقية لأفريقيا يعود إلى عصور موغلة في القدم، حيث وردت إشارة في كتاب دليل البحر الأرتيري تسمي الساحل الأفريقي المطل على المحيط الهندي (في كينيا وتنزانيا حالياً) بالساحل الأوساني نسبة إلى الدولة الأوسانية اليمنية القديمة، التي تم القضاء عليها على يد دولة سبأ في مطلع القرن السابع قبل الميلاد، ما يعني أن الوجود الأوساني هناك يعود لفترة سابقة لسقوطها (القرن الثامن قبل الميلاد على أقل تقدير)، وهو ما يدل على ترسخ ذلك الوجود، بدليل استمرار مسمى الساحل الأوساني إلى زمن تأليف الدليل المشار إليه (في القرن الثالث الميلادي)، أي بعد قرابة ألف عام من سقوط دولة أوسان، حيث كانت المنطقة ماتزال تتبع اليمن، وكانت دولة حميّر هي من يتحكم بها خلال هذه المرحلة عبر ميناء موزع المطل على سواحل البحر الأحمر اليمنية بالقرب من مضيق باب المندب. وقد أعقب ذلك الوجود وجود سبئي في بلاد الحبشة، دلت عليه العديد من الآثار والكتابات وأسماء الحكام والمعبودات، تعود بداية ذكره في المصادر إلى القرن السادس قبل الميلاد على الأقل، واستمر حتى قيام دولة أكسوم على أنقاض ذلك الوجود في بداية العصور الميلادية، وظل تأثيره الحضاري مستمراً بعد ذلك لقرون عديده[6].

وفي نقشٍ لملك أكسومي مجهول عثر عليه في ميناء عدوليس الحبشي ويطلق عليه الدارسون تسمية النصب التذكاري لعدوليس، ويعود زمنه إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي تقريباً، نجد ذلك الملك صاحب ذلك النقش يتحدث عن حملات عسكرية امتدت من شمال السودان شمالاً إلى بلاد الصومال جنوباً، ومن سواحل البحر الأحمر شرقاً إلى بلاد الساسو غرباً، حيث تمكن ذلك الملك من إخضاع كل تلك البلاد (أثيوبيا وما جاورها) تحت سيطرته. ولعل ما يهمنا هو حديث ذلك الملك عن حملة شنها قادته "ضد شعوب العرب والكنايدوكلبتاي[7] الذين يعيشون في الجانب الآخر من البحر، وبعد أن أخضَعتُ ملوكهم أمرتهم أن يدفعوا إتاوات بلادهم لينعموا بالسلام في البر والبحر، ثم شَنيتُ حرباً من لوكي كومي وحتى بلد السبئيين. كل هذه البلاد كنتُ أول ملك يخضعها، إذ لم يسبقني إلى ذلك أحد من الملوك، وذلك بفضل ونعمة إلهي أراس" [8].

ويتضح من النص أن ذلك الغزو الحبشي لمناطق عربية قد مثل أول عبور حبشي صوب الضفة العربية للبحر الأحمر، وغالباً كان ذلك بتحريض من الرومان أنفسهم، خصوصاً بعد فشل حملتهم العسكرية التي أرسلوها إلى اليمن، حيث فضلوا الاعتماد على دولة أكسوم الحبشية لتنفيذ أجندتهم في جزيرة العرب. فالملاحظ أن المنطقة التي سيطرت عليها دولة أكسوم في حملتها تلك قد تركزت بدرجة أساسية على تهامة الحجاز، وهي المناطق التي تقابل السواحل الرومانية في ولايتهم مصر. ساعد الرومان على ذلك أن دولة أكسوم الناشئة لم تحاول تحدي روما[9]، وهو ما جعل مصالح الدولتين تلتقيان ضد منافس واحد مشترك، متمثلاً بالدول العربية الجنوبية.

ويرى البعض بأن السبئيين كانوا مؤيدين لذلك الوجود الحبشي في منطقة تهامة الحجاز، وأنهم ربما كانوا على اتفاق مع هذا الملك، بل من المحتمل أنهم ساعدوا ذلك الملك في غزوه لتلك المناطق[10]. وبغض النظر عن صحة ذلك الاستنتاج الذي لم يرد في النقش من عدمه، فما نعرفه من النقوش اليمنية القديمة أن دولة سبأ قد حاولت بالفعل استغلال ذلك التوسع الحبشي على حدودها الشمالية لتتحالف مع الأحباش ضد منافستها الصاعدة في جنوب جزيرة العرب دولة حميّر.

حيث تحدثنا تلك النقوش عن تحالف جمع بين الملك الأكسومي جدرة والملك السبئي علهان نهفان، وانضمت دولة حضرموت اليمنية القديمة إلى ذلك الحلف الذي كان موجهاً بدرجة أساسية ضد دولة حميّر[11]. وإذا عرفنا بأن الملك السبئي علهان نهفان قد حكم في حوالي منتصف القرن الثاني الميلادي، فجدرة ملك أكسوم الذي تحالف معه قد يكون هو نفسه الملك الأكسومي صاحب النصب التذكاري لعدوليس سالف الذكر أو خليفته، نظراً لقرب المدة الفاصلة بين الحادثين، وبذلك قد يكون الملك السبئي علهان نهفان أراد من تحالفه مع الأحباش المتواجدين في منطقة الحجاز (وتمتد سيطرتهم حتى حدود دولته) بأن يأمن من خطر توسعهم صوب دولته، وليستفيد منهم في تحجيم قوة دولة حميّر الصاعدة التي كانت تشكل خطراً على نفوذ دولته، وهو ما حدا بالأكسوميين ليرحبوا بمثل هكذا تحالف، لأن دولة حمير التي تمد سيطرتها على السواحل الجنوبية الشرقية للبحر الأحمر كانت تعد منافساً للدولة الأكسومية في تجارة ذلك البحر.

لكن دولة أكسوم الحبشية كانت تريد من تحالفها مع سبأ وحضرموت تحقيق أجندتها الخاصة بها وليس تحقيق أجندة الدولتين المتحالفتين معها، حيث نلاحظ أن الأحباش مدوا سيطرتهم على السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر من مدينة نجران شمالاً إلى منطقة المعافر المطلة على مضييق باب المندب جنوباً، وهو ما جعل الملك السبئي شعرم أوتر بن علهان نهفان (حكم في الفترة الممتدة بين أواخر القرن الثاني ومطلع القرن الثالث الميلادي) يغاير سياسة والده بالتحالف مع الأحباش، وبدلاً من ذلك صاغ تحالفاً سبئياً حميرياً ضد الأحباش، وقاد الجيشين السبئي والحميري واصطدم بالقوات الحبشية التي كان يقودها القائد بيجة بن الملك جدرة. وقد دفع ذلك بالأكسوميين الأحباش لتغيير محور تحالفهم في اليمن، حيث نفهم من النقوش المسندية أن الأحباش بقيادة ملكهم عذبة الذي خلف جدرة قد تحالفوا مع الحميريين ضد السبئيين، فقد خاض الملك السبئي إيل شرح يحضب الثاني وأخيه يأزل بيّن (في منتصف القرن الثالث الميلادي) معارك طاحنة ضد الأحباش والحميريين[12].

ومع ذلك نلاحظ بأن الحميريين قد تنبهوا لخطورة تحالفهم مع الأحباش، حيث نجد نقوشهم تتحدث عن حملات عسكرية شنها الملك الحميري ياسر يهنعم ضد القوات الحبشية بقيادة الملكين الحبشيين ذوتونس وزقرنس في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي، وكان ذلك آخر ذكر للأحباش في اليمن خلال هذه المرحلة بعد أن امتد وجودهم فيها لما يقارب قرن من الزمن، وتركز وجودهم فيها بدرجة أساسية في سواحل اليمن الغربية (تهامة اليمن)، حيث كانت دولة سبأ قد ضعفت، وتمكن الملك الحميري ياسر يهنعم أثناء حكمه المشترك مع ابنه شمّر يهرعش من القضاء على دولة سبأ في مارب نهائياً في عقد السبعينات من القرن الثالث الميلادي. وفي العقد الأخير من نفس القرن وبعد انفراد شمر يهرعش بالعرش الحميري تمكن من القضاء على دولة حضرموت، بينما كانت دولتي أوسان وقتبان قد انتهت في وقت سابق، وبذلك تمكنت حميّر من إخضاع كل منطقة جنوب الجزيرة العربية (اليمن القديم) لسيطرتها، وحَكَمتها حكماً منفردا[13] حتى مطلع القرن السادس الميلادي، عندما عاد الأحباش من جديد وتمكنوا من القضاء على دولة حميّر وإخضاع اليمن القديم لسيطرتهم المباشرة، وهو ما سنتناوله لاحقاً.

سادساً: الحملات السبئية والحميّرية صوب شمال الجزيرة:

بعد أن تحولت كثير من البضائع القادمة من الهند وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا إلى طريق البحر الأحمر البحري، عوضاً عن المرور في طريق اللبان البري، ظلت البضائع ذات المنشأ العربي تسير في ذلك الطريق البري، وقد أدت قلة البضائع التي تمر في الطريق البري إلى ضعف العائد المادي لأبناء القبائل العربية الشمالية التي كانت مواطنها تقع على دروب ذلك الطريق، بفرعيه الشمالي والشرقي، وقد جعلهم ذلك يتمردون على الدول اليمنية القديمة التي كانت تنظم شؤون ذلك الطريق، ويهاجمون في بعض الأحيان القوافل التجارية بغرض سلبها ونهبها، وقد دفع ذلك الدول اليمنية القديمة (سبأ وحميّر على وجه الخصوص) لأن تغير استراتيجيتها في التعامل مع منطقة وسط الجزيرة العربية وشمالها، وبدأت لأول مرة في شن حملات عسكرية صوب تلك المناطق.  

وتعود أقدم الحملات العسكرية اليمنية القديمة المتجهة صوب شمال الجزيرة التي سجلتها لنا النقوش المسندية إلى عهد الملك السبئي شعرم أوتر في مطلع القرن الثالث الميلادي، حيث دونت لنا نقوشه العديد من الحملات العسكرية التي شنتها قواته ضد مدينة قرية ذات كهل (قرية الفاو حاليا جنوب غرب منطقة نجد في وسط جزيرة العرب) عاصمة دولة كِنْدَة في دهرها الأول الذي امتد وفقاً لما نملك من نقوش من القرن الأول الميلادي حتى مطلع القرن الرابع الميلادي، على أن وجود قرية ذات كهل على الفرع الشرقي لطريق اللبان التجاري يفترض أنها كانت موجودة منذ زمن بعيد قبل الميلاد كمحطة للقوافل، نظراً لتوفر الشروط الطبيعية نفسها التي جعلت منها بعد الميلاد إحدى مدن القوافل المزدهرة وحاضرة لدولة كندة في دهرها الأول[14].

ويرى البعض أن السبب الذي من أجله انطلقت تلك الحملات العسكرية السبئية صوب منطقة وسط جزيرة العرب، وأراضي دولة كندة بشكل خاص، يتمثل بتحريض الأحباش لكندة والقبائل التابعة لها أو المرتبطة بها للتمرد على سبأ، خصوصاً أن تلك القبائل قد ربطتها مصالح اقتصادية بالأحباش. إلى جانب الرغبة بتأمين الطرق التجارية البرية[15].

وقد استمرت الحملات العسكرية للملوك السبئيين صوب منطقة وسط الجزيرة العربية خلال منتصف القرن الثالث الميلادي، في عهد الملكيين إيل شرح يحضب الثاني وأخيه يأزل بيّن الذي حكم معه بشكل مشترك، حيث استمرت تلك الحملات على العاصمة الكِندية مدينة قرية ذات كهل، ويرى البعض أن الهجمات على مدينة قرية كانت بسب تحالف كندة مع الأحباش ضد سبأ في عهد هذا الملك كما سبقت الإشارة[16]. ونعرف من خلال نقوش أخرى لهذا الملك بأن الملك أرسل سفارات سياسية إلى ممالك قبَلية تقع في منطقة وسط الجزيرة، هي حسب ذكرها في تلك النقوش: كِنْدة ومَذحِج ونِزار وغَسان والأسْد[17]. وتشير تلك الممالك القبلية التي أشارت إليها هذه النقوش إلى نمط آخر من التشكيلات السياسية في جزيرة العرب، متمثلة باتحادات للقبائل البدوية قامت إلى جانب دول مدن القوافل الحضرية كالبتراء والحضر وتدمر، وذلك قبل ظهور دول لخم وغسان وكندة في دهرها الثاني[18].

وبعد سقوط دولتي سبأ وحضرموت وتوحيد منطقة جنوب الجزيرة العربية كلها تحت سيطرة دولة حميّر خلال العقد الأخير من القرن الثالث الميلادي كما سبق القول، واصلت دولة حمير سياسة شن الحملات العسكرية صوب منطقة وسط الجزيرة العربية، حيث تحدثنا نقوش الملك الحميري شمّر يُهرعش (أول تبابعة حميّر) الذي حكم في الفترة الممتدة بين أواخر القرن الثالث ومطلع القرن الرابع الميلادي، عن حملات عسكرية شنتها قواته على القبائل القاطنة في منطقة السراة والسواحل المتاخمة لها (في مناطق عسير وجيزان الحاليتين)، وكان ذلك بسبب هجمات شنتها تلك القبائل على مناطق في عمق الدولة الحميرية، وتمكنت تلك الحملات من إلحاق هزيمة بالقبائل المهاجمة واستنقاذ الأسرى منها، وكذلك استرجاع ما كانت قد نهبته من أموال[19].

وخلال هذا العهد (عهد التبع الحميري شمر يهرعش) ظهر لقب كبير الأعراب، الذي تولى قيادة جيش الأعراب الموالي لدولة حميّر والمكون من العديد من القبائل المتبدية، وشكل رديفاً للجيش الرسمي الحميّري، وكانت قبيلتا كندة ومذحج هي أبرز تلك القبائل التي تكّون منها ذلك الجيش الأعرابي. وإلى عهد الملك شمر يهرعش يعود نقش يتحدث فيه مدونه أن سيده شمر يهرعش قد كلفه بقيادة حملات عسكرية في منطقة وسط الجزيرة العربية، ثم يذكر إنه استمر ماضياً حتى وصل قطوصف وكوك مملكتي فارس، وأرض تنوخ، وأنه عاد بعد أن أدى مهمته بنجاح[20]. ويرى بعض الباحثين أن قطوصف هي طيسفون، وكوك هي المدائن[21].

وقد اختلف الدارسون حول مضمون ذلك الوصول إلى مناطق مملكة الفرس، بين قائل أنه مثل حملة عسكرية[22]، وبين من يعتبرها مجرد سفارة دبلوماسية ليس إلا[23]، وبين قائل أنه لا يتضح من خلال النقش تماماً إن كان ذهاب مدون النقش إلى تلك المناطق بمثابة غزوة أم سفارة[24]. ونحن هنا نرجح الرأي القائل بأنها سفارة، نظراً لما يذكره المؤرخون من وجود علاقة ودية كانت تربط بين فارس وحميّر خلال هذه الفترة[25]، إلى جانب عدم ذكر المصادر الفارسية – فيما نعلم - لأي حملة عسكرية حميّرية ضد المملكة الفارسية أو المناطق الخاضعة لها، وفي كل الأحوال فما ذكره النقش الحميّري يدل على مدى امتداد نفوذ الدولة الحميّرية في جزيرة العرب آنذاك.

ويحدثنا نقش عبدان الكبير عن حملات عسكرية قام بها القادة اليزنيون خدمة لملوك حمير خلال النصف الأول من القرن الرابع الميلادي، حيث جابت تلك الحملات أرجاء الجزيرة العربية، ووصل بعض تلك الحملات إل يبرين وهجر وإياد والجو (اليمامة) والخرج[26] (بالقرب من مدية الرياض الحالية).

وتواصل النقوش المسندية حديثها عن حملات عسكرية شنها تبابعة حميّر صوب منطقة شمال الجزيرة طوال القرن الخامس الميلادي حتى مطلع القرن السادس الميلادي، ابتداءً من التبع الحميري الأشهر أسعد الكامل (أبي كرب أسعد في النقوش) الذي حكم في الفترة الواقعة بين أواخر القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الميلادي، حيث ترك لنا نقشاً في منطقة مأسل الجمح في نجد يتحدث فيه عن حملة عسكرية شنها على قبائل معد، وهو ما أكدته كتب أهل الأخبار بحديثها عن حملات لهذا التبع جابت منطقة شمال الجزيرة العربية بما فيها مدينة يثرب، وتم إضافة الأعراب إلى اللقب الملكي الحميري، وصار الملك الحميري يسمي نفسه "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانة وأعرابهم في الطود وتهامة"، وأصبح التبع الحميّري خلال هذه المرحلة للعرب بمثابة الخليفة للمسلمين، وقد عكس ذلك التقارب بين سكان الجزيرة العربية وازدياد دور القبائل البدوية في الدولة الحميّرية واختلاطها بالقبائل الجنوبية المتحضرة، وبلغت الدولة الحميرية بذلك أقصى امتداد لها، وشملت معظم أنحاء الجزيرة العربية[27].

واستمر ذلك الوضع حتى مطلع القرن السادس الميلادي، حيث تحدثنا نقوش التبع الحميري معدي كَرِب يعفر (آخر ملك حميري يحمل لقب التبابعة الطويل) عن حملة عسكرية شنها صوب منطقة وسط الجزيرة العربية لمساندة الدولة الكندية ضد الملك اللخمي المنذر الثالث، وانتهت الحملة بالصلح بين الجانبين، وتسليم الملك اللخمي ابنه رهينة للملك الحميري. وكانت دولة كندة في دهرها الثاني تمر خلال هذه المرحلة بحالة من الضعف، وذلك بعد أن أقامها الحميّريون في مطلع القرن الخامس الميلادي لتكون ممثلة لنفوذهم في منطقة وسط الجزيرة العربية وشمالها، لتؤدي لهم دور مشابه لما كانت تؤديه الإمارة اللخمية للفرس والإمارة الغسانية للروم البيزنطيين، واستمرت تؤدي ذلك الدور حتى سقوط الدولة الحميرية على يد الأحباش في مطلع القرن السادس الميلادي، حيث دخلت دولة كندة بعدها بمرحلة من الضعف انتهت بسقوط تلك الدولة في أواخر القرن السادس الميلادي، ومن ثم عودة قبيلة كندة إلى مواطنها الأولى في منطقة حضرموت بأرض اليمن[28].

(الجزء الثالث)


[1] عبدالله، أوراق في تاريخ اليمن، ص312-335.

[2] نقلاً عن: الشيبة، ترجمات يمانية، ص79.

[3] عن تلك الاختلافات انظر: الناصري، الرومان والبحر الأحمر، ص27-30.

[4] عن التقديرات الجديدة لزمن تأليف كتاب دليل البحر الأرتيري، انظر: عبدالله، يوسف محمد. مدينة السوا في كتاب الطواف حول البحر الأرتيري، مجلة ريدان، عدن، 1988م، ص101-113.

[5] الشيبة، عبدالله حسن. محاضرات في تاريخ الحبشة القديم، دار الكتاب الجامعي، صنعاء، 2006م، ص88، 99.

[6] أبوالغيث، عبدالله. الازدهار والتواصل الحضاري القديم في منطقة تعز (المعافر)، ضمن كتاب: تعز عاصمة اليمن الثقافية على مر العصور، مؤسسة السعيد للعلوم الثقافية، تعز، 2010م، ص54، 55.

[7] الكنايدو كلبتاي: يرى البعض أنها تعني لصوص البحر (القراصنة)، بينما يرى البعض الآخر أن المقصود بها دولة كِندة في دهرها الأول التي كانت تقوم خلال هذه الفترة في المنطقة الواقعة جنوب غرب نجد وما جاورها، وكانت عاصمتها مدية قرية ذات كهل الوقعة في ذلك المكان، قرية الفاو حالياً.

[8] الشيبة، محاضرات في تاريخ الحبشة، ص93-95.

[9] عن عدم تحدي أكسوم لروما، انظر: الناصري، الرومان والبحر الأحمر، ص16.

[10] Rossini, Conti,Storia d, Ethiopia, Bergam, 1928, pp.120.

[11] الأشبط، علي عبدالرحمن. اليمن والحبشة من القرن الأول حتى القرن السادس الميلادي، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 2012م، ص111.

[12] الشيبة، محاضرات في تاريخ الحبشة القديم، ص111-113.

[13] أبوالغيث، عبدالله. الأوضاع السياسية في دولة سبأ خلال القرن الثالث الميلادي، مجلة الإكليل، صنعاء، العدد29، 2006م، ص49، 50.

[14] أبوالغيث، عبدالله. دولة كندة في دهرها الأول وعلاقتها باليمن، ضمن كتاب: صنعاء الحضارة والتاريخ، مج1، المؤتمر الدولي الخامس للحضارة اليمنية، صنعاء، 2005، ص33-35.

[15] أبوالغيث، العلاقات السياسية، ج1، ص59، 60.

[16] أبوالغيث، دولة كندة في دهرها الأول، ص35، 36.

[17] أبوالغيث، العلاقات السياسية، ج1، ص76، 77.

[18] عبدالله، أوراق في تاريخ اليمن، ص60.

[19] أبوالغيث، العلاقات السياسية، ج1، ص87، 88.

[20] أبوالغيث، العلاقات السياسية، ج1، ص92، 93.

[21] عبدالله، أوراق في تاريخ اليمن، ص59.

[22] Wissmann, H. V. Himyar Ancient History, Le Museon, 77, 3-4, 1964, pp.487.

[23] شهيد، عرفان. حملة امرؤ القيس على نجران.. المصادر غير المنشورة، ضمن كتاب: مصادر تاريخ الجزيرة العربية، ج1، مطابع جامعة الرياض، الرياض، 1399هـ، ص75.

[24] عبدالله، أوراق في تاريخ اليمن، ص59.

[25] لوندين، أ. ج. الموظف الدبلوماسي السبئي، ترجمة: قائد محمد طربوش، مراجعة: محمد أحمد علي، مجلة الإكليل، العدد2، السنة السادسة، 1988م، ص21. 

[26] بافقيه، محمد عبدالقادر. هوامش على نقش عبدان الكبير، مجلة ريدان، العدد4، 1981م، ص33-38.

[27] أبوالغيث، العلاقات السياسية، ج2، ص15-20.

[28] أبوالغيث، العلاقات السياسية، ج2، ص25-30، 76-112.

التعليقات (0)