معالم التاريخ اليمني القديم وحضارته (3)

معالم التاريخ اليمني القديم وحضارته

أ.د. عبدالله أبوالغيث

ثالثا: الزراعة والصناعة في اليمن القديم:

عَرف الإنسان اليمني القديم الزراعة منذ عصور ما قبل التأريخ، حتى أنه عندما عرف الكتابة في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد كان قد أصبح يبني السدود الكبيرة التي تساعده في مشروعه الزراعي، حيث أثبتت حفريات البعثة الأثرية الألمانية أن أساسات سد مارب تعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد على الأقل.

ومثلما برع الإنسان اليمني القديم في تشييد منشآت الري وتخزين المياه (بَرِك، كِرْوَف، صهاريج، قنوات، حواجز، سدود، آبار) فقد عرف أيضاً تشييد المدرجات والحقول وإقامة الحواجز الحامية لها، وحظيت تلك الحقول باهتمامه على مدار العام، وقد جعله ذلك الاهتمام يضع لكل حقل (جربة) اسماً خاصا به.

إلى جانب ذلك فقد اهتم الإنسان اليمني القديم بسن الأعراف والقوانين التي تنظم العملية الزراعية، مثل المِلْكية العامة والخاصة للأراضي، وطرق إيجار الأراضي الزراعية والانتفاع بها، وحجم الضرائب على المحاصيل الزراعية وطريقة تحصيلها....الخ).

وقد اهتم الإنسان اليمني القديم بزراعة العديد من المحاصيل الغذائية، مثل الحبوب بمختلف أنواعها، والبقوليات، والفواكه خصوصاً التمور والأعناب. لكن تجارته الدولية كانت تعتمد على المحاصيل النقدية التي يزرعها أو يجلبها من أماكن أخرى خارج اليمن، وتمثلت أبرز المحاصيل النقدية في اليمن القديم باللبان، والمُر، والقطن، والصَبِر.

وبلغ الانسان اليمني القديم مبلغاً رفيعاً في معرفة المواسم الزراعية التي تقوم عليها مواعيد بذره وحصاده للمحاصيل المختلفة،  وقسم سنته إلى فصول ومواسم. ولازال المزارعين اليمنيين حتى اليوم يعتمدون في كثير من عادات نشاطهم الزراعي على ذلك الموروث الأصيل الذي توارثوه عن أجدادهم منذ عصر ما قبل الإسلام.

تلك نبذة استمديناها من نقوشهم المسندية التي خلفوها لنا، أما كتب التفسير وكتب أهل الأخبار فقد بالغت كثيراً في أهمية النشاط الزراعي اليمني قبل الإسلام، حتى أنها ذكرت وهي تتحدث عن أرض الجنتين المذكورة في القرآن الكريم أن الثمار كانت تتساقط من تلقاء نفسها وتملأ الأطباق المحمولة فوق رؤوس من يمشي في تلك المزارع. ورغم عدم صحة كثير مما ورد في تلك الروايات إلا أنها يمكن أن تدلنا على الأهمية التي حظيت بها الزراعة لدى الإنسان اليمني القديم.

تجدر الإشارة أن الإنسان اليمني القديم قد عرف مهنة تربية الحيوانات الأليفة على هامش نشاطه الزراعي، ونعرف من بعض النقوش الحربية لملوك الدول اليمنية القديمة وهي تتحدث عن الغنائم الحجم الوفير لتلك الحيوانات. وكانت أبرز تلك الحيوانات تتمثل بالأغنام والماعز والأبقار والإبل والحمير والبغال.

أما الصناعة فقد بلغ اليمني القديم فيها مبلغاً محترماً قياساً على ما كان معروفا منها في عصره. حيث عرف صناعة المنسوجات والملابس، يتضح ذلك لنا من خلال الملابس الأنيقة التي تبدت لنا على تماثيلهم التي تركوها لنا، سواء كانت لنساء أو لرجال. حتى أن زكاة أهل اليمن في صدر الإسلام جعلت من الثياب، كون ذلك أيسر لهم وأنفع لأهل المدينة، وهو ما يدل على الرواج الكبير الذي حظيت به تلك الصناعة لديهم.

وقد عرف الانسان اليمني القديم أيضا صناعة الأسلحة المعروفة في عصره، ومعها الأدوات الزراعية والمنزلية وأدوات الزينة.

وعرفنا من حذاء عثر عليه مع أحد الموميات المحفوظة في متحف قسم الآثار بجامعة صنعاء الرقي الكبير الذي وصلت إليه صناعة الأحذية الجلدية في اليمن القديم، حتى أنها تكاد لا تفرق عن أرقى المصنوعات المماثلة في عصرنا الراهن.

ويمكننا ونحن نتحدث عن رقي الصناعة في اليمن القديم أن نضرب مثالا بصناعة التماثيل الحجرية والمعدنية، وكذلك المشغولات الفضية والذهبية المتقنة الصنع.

ونختتم الحديث في هذه العجالة المختصرة بالإشارة إلى معرفة اليمنيين القدماء لصناعة الطيوب، حيث نعرف من بعض المصادر أن تلك الطيوب كانت تصدر إلى خارج اليمن مثل الهند ومناطق شمال الجزيرة العربية، وكانت مدينة عدن أشهر مناطق اليمن في تلك الصناعة، ولازالت تحتفظ بتلك الشهرة إلى يوم الناس هذا.

ربعا: التجارة والعلاقات الدولية لليمن القديم:

عرفت اليمن القديم مثلها مثل بقية مناطق العالم القديم التبادل التجاري منذ وجود الإنسان على الأرض، حيث بدأ الإنسان يقايض ما يملك من سلع بسلع أخرى ينتجها غيره.

وقد عرفت اليمن القديم الأسواق الداخلية التي كان اليمني القديم يصرف فيها منتجاته ويأتي منها بما يحتاجه من سلع، حيث قامت الأسواق اليومية، وكذلك الأسواق الأسبوعية التي كانت تخدم مستوطنات سكنية عديدة، ولا زالت الأسواق الأسبوعية (التي تسمى غالبا باسم اليوم الذي تقام فيه) قائمة في اليمن إلى يوم الناس هذا. أما الأسواق الموسمية (السنوية) التي ظهرت في الجزيرة العربية قبل الإسلام فقد كان حظ اليمن منها العديد من الأسواق المشهورة، مثل: سوق صنعاء وسوق عدن وسوق الشحر وسوق حضرموت (الرابية)، وكذلك سوق الجند وسوق نجران.

لكن تجارة اليمن الخارجية هي من مثلت ركيزة أساسية من الركائز التي قام عليها ازدهار الدول اليمنية القديمة، وهو ما يفسر لنا حرص تلك الدول على أن تكون عواصمها على دروب الطريق الدولي لتلك التجارة، رغم مروره في مناطق شبه صحراوية، مع أن أراضيها تمتد إلى مناطق زراعية خصبة.

ونستدل من بعض الشواهد الأثرية والتاريخية أن اليمنيين القدماء قد تمكنوا من تنظيم طريق دولي لتسويق تجارتهم، عرف لدى المؤرخين باسم طريق اللبان أو طريق البخور، حيث امتدت دروبه الجغرافية من سواحل بحر العرب جنوباً إلى سواحل البحر المتوسط شمالاً، ماراً في مشارق اليمن، ومنها إلى بلاد الحجاز، ثم إلى بلاد الشام وبقية مناطق البحر الأبيض المتوسط، وتفرع منه طريق امتد من نجران صوب مناطق الخليج العربي وبلاد الرافدين.

ويذكر الكاتب الروماني بليني أن الطريق من مدينة تمنع عاصمة الدولة القتبانية حتى مدينة غزة في فلسطين كان يمر في ستين محطة، وكل محطة تعني يوماً كاملاً من عبور القوافل التجارية على ذلك الطريق.

وتدل الشواهد الأثرية والتاريخية المشار إليها أن طريق البخور قد انتظم في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، وذلك على انقاض الطريق البحري الذي كان يربط بين بلاد الرافدين والهند قبل تلك الفترة.

وكانت مهمة التجارة الدولية التي تدار على طريق البخور المذكور تتمثل في الربط عبر جزيرة العرب بين عالمي المحيط الهندي والبحر المتوسط، اللذين كانا يعدان بمثابة أهم مسطحين مائيين في العالم القديم.

وقد أدى الازدهار التجاري في اليمن القديم إلى اهتمام اليمنيين بتنظيم ذلك النشاط والأسواق الداخلية المرتبطة به، حيث يتضح لنا ذلك جليا من خلال قانون سوق شمر في العاصمة القتبانية تمنع، الذي يعد أهم تلك القوانين في إطار ما نملك من نقوش مكتشفة.

وقد عرف اليمنيون عملية سك النقود، وكانت أول النقود التي تم اكتشافها حتى الآن تتم على غرار العملات الإغريقية، ويعود ما تم اكتشافه من تلك العملات اليمنية إلى القرن الخامس قبل الميلاد. وقد استمرت بعد ذلك عملية سك العملات في الدول اليمنية القديمة، خصوصاً العملات الفضية والبرونزية، بينما كانت تلك الدول تستخدم إلى حد كبير في تجارتها الدولية خلال العصر الميلادي العملات الذهبية الرومانية والأكسومية.

تجدر الإشارة أن العلاقات الدولية للدول اليمنية القديمة ارتبطت بدرجة رئيسية بنشاطها التجاري، فقد أكدت الشواهد الأثرية والنقشية والتاريخية أن منطقة شمال الجزيرة العربية وبلاد الحبشة كانت بمثابة الامتداد الحيوي لليمن القديم، مع العلم أن ارتباط اليمن بشرق أفريقيا المطل على المحيط الهندي يسبق ارتباطه بالحبشة المطلة على البحر الأحمر.

وقد امتدت علاقات اليمن الدولية في عالم المحيط الهندي بأذرعه المائية المختلفة لتشمل العديد من البلدان، مثل بلاد الرافدين، وبلاد الفرس، والهند، وشرق أفريقيا، وجنوب شرق آسيا. أما علاقاته في الجانب الآخر مع عالم البحر المتوسط فقد شملت بلاد الشام، ومصر، واليونان وأراضي الدولة الرومانية.

وكان اليمنيون يقومون بدور الوسيط التجاري بين عالمي المحيط الهندي والبحر المتوسط، فينقلون إلى كل منطقة ما تحتاجه من بضائع، ويستوردون منها البضائع التي تحتاجها مناطق أخرى. وقد مكنهم من القيام بذلك الدور الموقع الاستراتيجي المهم لليمن على طرق التجارة الدولية.

وكانت أهمية طريق البخور تزداد عندما تشتعل الحرب بين الفرس ودولة السلوقيين الهلنستية ومن بعدهم الامبراطوريتين الرومانية والبيزنطية، حيت تؤدي تلك الحروب لتوقف طريق الحرير الذي يمر عبر بلاد الفرس قبل وصوله إلى سواحل البحر المتوسط، وبالتالي تحول جزء من بضائعة للنقل عبر طريق البخور.

ويحدثنا كتاب دليل البحر الأرتيري (لمؤلف مجهول) الذي يعود إلى القرن الثالث الميلادي عن حركة نشطة في الموانئ اليمنية القديمة، مثل موزع (بالقرب من المخاء) وعدن، وقنا (بير علي في ساحل محافظة شبوة الحالية) وسمهر (في محافظة ظفار الواقعة في عمان حاليا)، وجزيرة سقطرى (سكرد).

ومثل ما أن للموقع الاستراتيجي فوائد مهمة جنى ثمارها اليمنيون القدماء، إلا أن ذلك الموقع المهم جعلهم عرضة لأطماع القوى الدولية المعاصرة لهم، حيث تعرضت بلادهم للتهديدات والرغبة في السيطرة عليها من قبل تلك القوى.

وكان الاسكندر المقدوني هو أول من عمل من أجل السيطرة على اليمن القديم في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، لكن الموت عاجله قبل أن يتمكن من تنفيذ مشروعه، فتولت دولة البطالمة في مصر التي أسسها أحد قادته مهمة تنفيذ ذلك المشروع.

وعلى الرغم من عدم تمكن البطالمة من تحقيق حلمهم في السيطرة على اليمن، إلا أنهم تمكنوا ابتداءً من أواخر القرن الثاني والثلثين الأولين من القرن الأول قبل الميلاد من اكتشاف حركة الرياح الموسمية في المحيط الهندي، وهو ما مكنهم من الوصول المباشر إلى الهند دون وساطة اليمنيين، فتمكنوا بذلك من تحويل جزء كبير من التجارة الدولية التي كانت تنقل على طريق اللبان إلى طريق بحري يربط بين مصر وبلاد الهند.

ومع ذلك فقد عمل الامبراطور الروماني أغسطس (الذي انتزع مصر من البطالمة بعد أن قضى على دولتهم) على إرسال حملة عسكرية إلى اليمن عام 24 ق.م لكنها باءت بالفشل وعادت أدراجها، وهو ما يؤكد لنا أن اليمن كانت ما زالت تحتفظ بجزء مهم من التجارة الدولية، خصوصا البضائع ذات المنشأ اليمني، إلى جانب الرغبة بالتحكم بموقع اليمن الاستراتيجي الذي يتحكم بالمداخل الجنوبية للبحر الأحمر.

الجدير بالملاحظة أن الرومان ومن بعدهم البيزنطيين منذ فشل حملتهم على اليمن قد أوكلوا إلى دولة أكسوم الحبشية الواقعة على الحدود الجنوبية لولايتهم المصرية مهمة التحرش باليمنيين ومنافستهم على تجارة البحر الأحمر، حيث تمكنت الدولة الأكسومية ابتداء من منتصف القرن الثاني الميلادي والنصف الأول من القرن الثالث من فرض سيطرتها المباشرة على تهامة اليمن وما جاورها شمالاً حتى نجران وجنوباً حتى المعافر.

وكان ذلك قبل أن تتمكن الدولة الحميرية من طردهم من اليمن في مطلع النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي، حيث ظلوا يتحينون الفرصة لمعاودة التدخل العسكري في اليمن، وهو ما تحقق لهم في مطلع القرن السادس الميلادي، وتمكنوا هذه المرة من فرض سيطرتهم على كل اليمن القديم بعد إسقاطهم للدولة الحميرية.

وقد استمر الأحباش في اليمن نصف قرن من الزمان، إلى أن تمكن أهل اليمن من إجلائهم عن اليمن بمساعدة الفرس عام 575م الذين ما لبثوا أن أخضعوا اليمن لسيطرتهم المباشرة وجعلوا منها ولاية فارسية، واستمروا فيها حتى ظهور الإسلام واعتناق آخر ولاتهم في اليمن لذلك الدين.

خامسا: الحياة العسكرية في اليمن القديم:

تُحدثُنا النقوش المسندية عن حروب لا تكاد تتوقف بين الدول اليمنية القديمة التي تعاصرت على الساحة اليمنية في عصر ما قبل الإسلام، وذلك يجعلنا نتساءل عن الملامح التي ميزت الحياة العسكرية في اليمن القديم.

ودعونا نجعل البداية من الجيوش التي كانت تابعة للدول اليمنية القديمة، حيث نفهم من القرآن الكريم أن مملكة سبأ في عصر ملكتها المعاصرة للنبي سليمان في القرن العاشر قبل الميلاد كانت تمتلك قوة مهابة {قَالُواْ نَحْنُ أُوْلًواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيد}.

ويتأكد ذلك من خلال النقوش المسندية التي تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد والنصف الأول من الألف الأول الميلادي، حيث حدثتنا تلك النقوش عن تلك الجيوش المقاتلة التي كانت تتكون من جنود مشاة (أرجل/راجلين)، وهجانة (ركبت/راكبين)، ثم فرسان (أفرسم).

وكان الملك/المكرب هو القائد الأعلى للجيش في الدول اليمنية القديمة، ويتولى بنفسه قيادة الجيش في المعارك الكبرى، ويرافقه الأقيال والأذواء بقواتهم الخاصة التابعة لمقولاتهم التي يديرونها.

وكان قائد الجيش في اليمن القديم يسمى (مَقتوي)، ويبدو أن ذلك المقتوي كان يعتبر نفسه في خدمة الملك ومنفذاً لأوامره في الجوانب العسكرية، وهو ما جعل المعاجم العربية الفصيحة تفسر معنى المقتوي بأنها تعني (الخادم) مستدلين ببيت شعري لعمرو بن كلثوم يقول فيه:

تهددنا وتوعدنا رويدا  **  متى كنا لأمك مقتوينا.

ويلاحظ أن بعض الأقيال الكبار كان يجمع بين كونه قيلاً على شعب محدد (قبيلة) وبين كونه مقتوياً للملك الذي يتبعه. وفي أحيان أخرى يصبح للقيل إذا تعاظمت مكانته مقتوياً يتبعه ويتولى المهام العسكرية لمَقْوَلته.

ومنذ بداية العصور الميلادية، خصوصاً في عصر ملوك سبأ وذي ريدان، ظهر لنا في النقوش تسمية (خميس) للدلالة على الجيوش الرسمية للدول، إلى جانب قوات شعبية يتم استنفارها أثناء اشتعال الحروب، وتشارك في القتال جنباً إلى جنب مع الجيش الرسمي (الخميس)، وهو ما عليه الأمر في الحروب التي تشهدها اليمن إلى يوم الناس هذا.

وغياب مسمى الخميس في النقوش التي تعود إلى عصر ما قبل الميلاد جعل كثير من الدارسين يتساءلون عما إذا كانت الدول اليمنية القديمة تمتلك جيوشاً رسمية (نظامية) خلال تلك الفترة، أم أنها كانت تعتمد على الرجال البالغين من مواطنيها في حروبها، بحيث يعودون إلى أشغالهم المدنية بعد انتهاء الحرب، في وضع مشابه لما كانت عليها الدولة الرومانية قبل عصرها الامبراطوري، وكذلك ما كانت عليه الدولة العربية الإسلامية في بداية نشوئها.

ولم نجد في النقوش المسندية تفسيرات واضحة لمعنى الخميس، واعتمدت التفسيرات لمعناه على تحليلات للدارسين استندت على مقارنات لظهور مسمى الخميس في جيش الدولة العربية الإسلامية، حيث اعتبر البعض أن مسمى الخميس سببه انقسام الجيش في أرض المعركة إلى خمس فرق (قلب، مقدمة، مؤخرة، ميمنة، ميسرة)، بينما أعاد البعض التسمية إلى حصول الجيش على خمس الغنائم والضرائب، مع تفسيرات أخرى أقل شأنا.

وكانت تتبع كل جيش في هذه الدولة اليمنية القديمة أو تلك مجموعة من التحصينات الدفاعية: حصون وقلاع وأسوار للمدن، ومعسكرات (حيرت)، مع قوات ترابط على حدود الدولة وتكون مستعدة لصد أي هجوم مفاجئ على أراضي الدولة إلى أن يصل المدد من عاصمة الدولة أو من أحد الأقيال التابعين لها.

ورغم أن النقوش اليمنية القديمة لم تخبرنا عن طبيعة الصناعات العسكرية التي كانت معروفة في اليمن القديم إلا أننا يمكن أن نستشف ذلك من خلال بعض التماثيل القديمة التي عثر عليها، حيث نلاحظ تمنطق تلك التماثيل ببعض الأسلحة مثل الخنجر والحربة، وكذلك ارتداء خوذ على الرؤوس للوقاية من ضربات الخصوم في المعارك، ويمكن مثالاً على ذلك مطالعة تمثال الجندي اليمني القديم المرسوم على فئة الخمسين الريال من العملة النقدية اليمنية.

وكذلك نفهم من كتب أهل الأخبار أن صناعة الأسلحة في اليمن كانت رائجة عند ظهور الإسلام، وهو ما يعد امتدادا لتلك الصناعة من العصر القديم السابق للإسلام.

تجدر الإشارة أن الحروب بين الدول اليمنية القديمة كان يرافقها في كثير من الأحيان أعمال حرق وتخريب لمدن الخصوم، وكذلك أسر وسبي للخصوم (عسكريين ومدنيين)، مع أخذ أملاك الطرف المنهزم كغنائم للطرف المنتصر، خصوصا الثروة الحيوانية (جمال وأبقار وأغنام وماعز.. إلخ).

علماً بأن الحروب في اليمن القديم لم تقتصر على الحروب الداخلية بين الدول اليمنية القديمة فقط، لكنها امتدت لتشمل مقاومة التهديدات الأجنبية، مثل حروب اليمنيين ضد الغزو الروماني، وكذلك ضد التدخلات الحبشية التي انتهت باحتلال الأحباش لليمن وقضائهم على الحضارة اليمنية القديمة في مطلع القرن السادس الميلادي.

وكذلك كان لجيوش الدول اليمنية القديمة (خصوصا السبئية والحميرية) حملات عسكرية صوب منطقة وسط الجزيرة العربية وشمالها لصد هجمات الأعراب التي بدأت تتجه صوب الحواضر اليمنية خلال العصور الميلادية، بعد أن تدهور وضع طريق اللبان البري الذي كان يخترق الجزيرة العربية من جنوبها إلى شمالها، بسبب تحول مسار طريق التجارة الدولي إلى البحر الأحمر.

وقد دفع ذلك بعض الدول اليمنية القديمة التي تمتلك حدودا مع مناطق وسط الجزيرة العربية (سبأ وحضرموت على وجه الخصوص) لأن تستعين ببعض المقاتلين الأعراب ليكونوا رديفاً لجيوشها الرسمية، بحيث تصد بهم هجمات الأعراب المعادية، وتستخدمهم في نفس الوقت في حروبها الداخلية ضد الدول اليمنية الأخرى.

وبعد فرض الدولة الحميرية سيطرتها لتشمل كل اليمن القديم في أواخر القرن الثالث الميلادي قامت بتجميع قوات القبائل الأعرابية (البدوية) في جيش خاص بقيادة قائد حميري يسمى كبير الأعراب، وجُعِل مقر ذلك الجيش في مدينة نشق بجوف اليمن القريبة من مناطق تلك القبائل البدوية، وكان ذلك الجيش البدوي يمثل رديفا مهما للجيش الحميّري الرسمي، وشارك في العديد من الحروب التي خاضتها الدولة الحميرية في جنوب الجزيرة العربية وشمالها.

نشير أخيراً أننا في اليمن القديم نفتقد إلى اللوحات التي ترسم مسارات بعض المعارك ونتائجها وتصور بعض الأسلحة كما كان عليه الحال في العراق القديم ومصر الفرعونية وغيرها من الدول القديمة. وكان الطرف المنتصر في اليمن القديم يكتفي بتسجيل انتصاره بنقش مكتوب، يتم تدوينه في معظم الأحيان على إحدى الصخور الثابتة في الأرض التي دارت فيها المعركة.

سادساً: جوانب أخرى للحضارة اليمنية القديمة:

إلى جانب ما سبق ذكره من جوانب حضارية قديمة في العصر السابق للإسلام هناك جوانب أخرى سنختم بها الحديث في هذا المدخل التاريخي الحضاري عن اليمن القديم.

ففي الجانب القانوني نعرف من النقوش أن اليمن قد شهدت منظومة قانونية متكاملة، سبقت الإشارة إليها في حديثنا عن دولة قتبان ضمن هذا المدخل، ويمكن أن نستشف من قانون سوق شّمر القتباني لمحة عن دقة تلك القوانين ومضامين نصوصها. وكذلك عكست لنا النقوش الخشبية ملامح من الحياة اليومية للإنسان اليمني القديم، حيث نجد تعاليم واضحة قانونية وعرفية كانت تضبط حركة التعامل بين الناس، وهو ما يعكس لنا الرقي الحضاري الذي وصل إليه الإنسان اليمني القديم.

وكما سبق لنا أن أوضحنا في عنوان الحياة العسكرية فالدول اليمنية القديمة قد شهدت نظاماً راقياً للحكم، يقف على رأسه المُكَرِب أو الملك، ويتدرج من تحته زعماء محليون يتمتعون بما يمكن تسميته بحكم محلي واسع الصلاحيات، حيث تعددت ألقاب الزعماء المحليون في النقوش (قين، كبير، قيل، ذو، محرج، عاقب.... الخ)، وكان أولئك الزعماء هم صلة الوصل بين مجتمعاتهم المحلية وسلطة الدولة العليا ممثلة بملك المملكة التي يتبعونها.

إلى جانب ذلك فقد عرفت اليمن القديم نظام المجالس الشعبية التي تضم ما يمكن تسميتهم بأهل الحل والعقد، وهو ما ذكرته النقوش باسم (المِسْوَد) من السيادة، وأشارت إليه المصادر العربية الإسلامية بما حدثتنا عنه من مجالس (معاشرة) سبأ، و(مثامنة) حميّر، وتلك المجالس هي التي عبر عنها القرآن الكريم أثناء إيراده لقصة ملكة سبأ بما أسماه (الملأ)، والملأ هنا هي تسمية قرآنية لمجالس أهل الحل والعقد في كل زمان ومكان وليس في سبأ واليمن القديم فقط.

وفي الجانب العمراني، فقد كان للإنسان اليمني القديم شأن كبير فيه، حيث شيد السدود العظيمة، مثل سد مارب الذي لا زالت آثاره المتبقية حتى اليوم شاهدة على عظمته، وتدل الشواهد الأثرية والمصادر العربية الإسلامية أن السدود قد انتشرت في طول اليمن وعرضها، وكذلك الصهاريج، ولعل أبرزها صهاريج مدينة عدن المستمرة إلى اليوم.

أما عملية بناء القصور الضخمة فقد راجت بكثرة في اليمن القديم، حيث كان لكل مملكة قصرها الملكي الخاص بها، ولكل مَقْوَلة أو أذوائية قصرها الخاص الذي يمارس القيل أو الذو أو بقية الحكام المحليين مهامهم منها. وتحدثنا النقوش على سبيل المثال عن قصر سلحين في العاصمة السبئية مارب، وقصر شقير في العاصمة الحضرمية شبوة، وكان القصر الملكي في اليمن القديم رمزاً للحكم، حيث تعقد التحالفات بين الممالك باسمه. ويعتبر قصر غمدان في صنعاء نموذجاً لتلك القصور؛ بطوابقه المتعددة وضخامة بنائه التي حكتها لنا المصادر العربية الإسلامية.

ولا ننسى هنا ذكر المعابد الكثيرة والكبيرة التي انتشرت في ربوع اليمن القديم، ويكفي مثالاً على ذلك ما كشفته لنا التنقيبات الأثرية مؤخراً عن ضخامة معبد أوام في مارب. ومثل المعابد هناك الحصون وأسوار المدن التي لا تزال آثارها الباقية إلى اليوم في مختلف مناطق اليمن شاهدة على عظمتها، وتعد الخرائب الأثرية في منطقة الجوف بأسوارها القائمة حتى اليوم خير من يعبر عن ذلك.

نختتم الحديث في هذا العنوان عن المرأة ودورها المهم في اليمن القديم، فالمرأة اليمنية القديمة كان لها دوراً مشهوداً في مختلف جوانب الحياة؛ السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والدينية.. بل وحتى العسكرية، ولعل ما ذكرته لنا الكتب السماوية عن ملكة سبأ وحكمتها وعظمة ملكها يعد خير شاهد ودليل عن المكانة المرموقة التي تمتعت بها المرأة اليمنية في مجتمعها اليمني القديم.

(الجزء الأول)

التعليقات (0)