ساحل اليمن الغربي في التاريخ القديم .. بين نعمة الموقع الجغرافي ونقمته (2)

ساحل اليمن الغربي في التاريخ القديم

بين نعمة الموقع الجغرافي ونقمته

أ.د. عبدالله أبوالغيث

ثانياً: النفوذ اليمني في شرق أفريقيا ودور الساحل الغربي:

استغلت الدول اليمنية القديمة موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر والمحيط الهندي وعلى مضيق باب المندب الذي يربط بينهما، حيث مدت نفوذها السياسي المصاحب لنشاطها التجاري والاقتصادي في البلاد المطلة على الساحل الشرقي للقارة الأفريقية. وتعود بدايات النفوذ اليمني في شرق القارة الأفريقية إلى النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، حسبما تدل على ذلك الشواهد الأثرية والتاريخية التي سنتطرق إليها.

وحسب تلك الشواهد فوجودهم على سواحل قارة أفريقيا المطلة على المحيط الهندي يسبق وجودهم على سواحلها المطلة على البحر الأحمر (الحبشة التاريخية)، حيث وردت إشارة في كتاب دليل البحر الإرتيري (القرن الثالث الميلادي) تسمى الساحل الأفريقي المطل على المحيط الهندي (في كينيا وتنزانيا حاليا) بالساحل الأوساني، نسبة لدولة أوسان اليمنية القديمة، التي تم القضاء عليها في مطلع القرن السابع قبل الميلاد على يد المكرب السبئي كرب إيل وتر، ما يعني أن الوجود الأوساني هناك يعود لفترة سابقة لسقوطها (على الأقل إلى القرن الثامن قبل الميلاد)، وهو ما يدل على ترسخ ذلك الوجود بدليل استمرار مسمى الساحل الأوساني لتلك المناطق إلى زمن تأليف كتاب الدليل المشار إليه، أي بعد قرابة ألف عام من سقوط الدولة الأوسانية[1].

وسبق القول في المبحث الأول بأن الدولة الحميرية بعد أن آلت إليها السيطرة على منطقة ربطة (الساحل الأوساني في شرق أفريقيا) كانت تتحكم بها عبر ميناء موزع المطل على ساحل البحر الأحمر التابع لقيل المعافر، رغم سيطرتها على جزء من ساحل اليمن الجنوبي المطل على خليج عدن، الذي تقع فيه مدينة عدن الساحلية التي كانت تتبعهم خلال هذه الفترة. ولا تحدثنا المصادر المتوفرة عما آل إليه النفوذ اليمني في ربطة، وغالب الظن أنه استمر حتى سقوط الدولة الحميرية على يد الأحباش في مطلع القرن السادس الميلادي، وذلك لعدم وجود قوى سياسية معتبرة هناك يمكن أن تنافس الدول اليمنية القديمة التي تعاقبت على وراثة النفوذ في ذلك الساحل، وكان آخرها الدولة الحميرية.

أما النفوذ اليمني في بلاد الحبشة التاريخية (منطقة القرن الأفريقي الحالية) فقد ارتبط بالدولة السبئية بشكل رئيس، وقد لا نجافي الحقيقة إذا ربطنا بداية الوجود السبئي في الحبشة بالسيطرة السبئية على منطقة المعافر في مطلع القرن السابع قبل الميلاد حسبما أشرنا أعلاه، التي تطل على مضيق باب المندب وتتحكم بالسواحل القريبة منه، وبالتالي تكون سواحل اليمن الغربية (خاصة قسمها الجنوبي) هي المنفذ الذي عبر منه السبئيون صوب الحبشة، مستغلين قرب المسافة بين شاطئيّ البحر الأحمر (العربي والأفريقي) في هذا المكان، وهو ما تؤكده النقوش المسندية السبئية التي عثر عليها في الحبشة، ويعود أقدم ما عثر عليه منها حتى الآن إلى القرن السادس قبل الميلاد[2]، حيث احتاجوا لمدة من الزمن منذ بدأت هجراتهم صوب الحبشة ليؤسسوا مكانة سياسية لهم هناك، خصوصاً أن النفوذ اليمني في منطقة شرق أفريقيا لم يرتبط بحملات عسكرية وفق ما نملك من مصادر، لكنه ارتبط بعوامل سياسية واقتصادية بدرجة أساسية.

وكانت أبرز القبائل التي هاجرت من اليمن إلى الحبشة هي: قبيلة حبشت/ حبشة، التي أعطت اسمها للأرض، وقبيلة الجعز/ الأجاعز، التي أعطت اسمها للغة السامية الأم التي سادت في بلاد الحبشة وتطورت من اللغة السبئية وكتابتها المسندية [3]، وقبيلة الأكسوم التي أعطت اسمها لمدينة أكسوم التي أصبحت عاصمة لدولة أكسوم التي فرضت سيطرتها فيما بعد على بلاد الحبشة [4]، إلى جانب أسماء يمنية كثيرة صارت لمسميات قبائل وأماكن في الحبشة مثل سبأ وريدان ومارب وهوازن. ونقل المهاجرون اليمنيون معهم إلى الحبشة ثقافتهم المتطورة، حيث يبدو من خلال ما ذكرته المصادر الكلاسيكية أن ثقافة السكان الأصليين كانت بدائية، وكانوا عبارة عن صيادين وجامعي ثمار، فاستعانوا بثقافة المهاجرين اليمنيين في مجالات اللغة واستخدام المحراث واستئناس بعض الحيوانات، واستعمال الحديد واستخدام الحجر في البناء[5].

وتركز الوجود السبئي في المناطق الداخلية الواقعة شمال الحبشة وسواحلها المطلة على البحر الأحمر بدرجة أساسية، وكانت مدينة يحا هناك هي مركزهم الحضاري قبل ظهور دولة أكسوم. وتتمثل دلائل الوجود اليمني (السبئي بشكل خاص) في الحبشة بالعديد من النقوش السبئية، ومعها قطع أثرية مثل شواهد القبور والمباخر والأختام والقطع البرونزية، إلى جانب المعبودات والمعابد، حيث عثر على المعبودات السبئية الرئيسية في الحبشة (إل مقه، ذات حميم، ذات بعدان، عثتر، هوبس)، وكذلك عثر على معابد؛ منها معبد بيضاوي في مدينة يحا يشبه معبد أوام الشهير؛ وربما يحمل اسمه. وتدل النقوش المسندية المدونة باللهجة السبئية التي عثر عليها في شمال الحبشية على وجود كيانات سياسية في الحبشة خلال الألف الأول قبل الميلاد كانت ذات ارتباط موالي للدولة السبئية[6].

ولأن النفوذ اليمني في شرق القارة الأفريقية ارتبط بدرجة أساسية بالنشاط التجاري، لجلب بضائع يحتاجونها للمتاجرة بها على طريق البخور التجاري الدولي، إلى جانب مدهم بما يحتاجونه من بضائع يتم استقدامها من بلاد أخرى، فقد تمثلت أهم البضائع التي كان يتم جلبها من أفريقيا بالقرفة والسمسم والمُر والعاج والذبل وقرن الخرتيت والرقيق[7]، إلى جانب صدف السلحفاة وجلود جاموس النهر والذهب الخام واللبان الذكر والزنجبيل. أما وارادات الحبشة فكان أهمها: الأقمشة والملابس والعباءات المسبوغة بالألوان والنحاس والحديد والفؤوس والقواديم والسيوف وأكواب الشراب والنبيذ وزيت الزيتون وبعض الحلي الذهبية والفضية[8].

وقد انتهى النفوذ السبئي من الحبشة في حدود بداية العصور الميلادية، مترافقاً مع قيام الدولة الأكسومية في الحبشة، ويُعتقد أن ذلك تم بتحريض ومساعدة من قبل الرومان في مصر، خصوصاً بعد أن فشلت حملتهم العسكرية التي أرسلوها إلى اليمن عام 24 قبل الميلاد، حيث أوكلوا الدولة الأكسومية منذ ذلك التاريخ لمنافسة عرب اليمن والعمل على تحجيم نفوذهم[9]، وهو ما سنفصله من خلال مواضيع المبحث الثالث. أما النفوذ اليمني في مناطق شرق أفريقيا المطلة على المحيط الهندي فقد سبق القول أنه كان في أوج نشاطه خلال  القرن الثالث الميلادي كما نعرف من كتاب دليل البحر الإرتيري، وسبق أن رجحنا أنه ربما استمر إلى زمن سقوط الدولة الحميرية في مطلع القرن السادس الميلادي.

ثالثاً: تحول طريق التجارة صوب البحر الأحمر وازدياد أهمية الساحل الغربي:

سبق الحديث بأن الشواهد تدل على أن نشوء طريق البخور التجاري البري الدولي يعود إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، حيث استطاع عرب اليمن التحكم بتجارة هذا الطريق الذي يربط عبر غرب الجزير العربية بين عالم المحيط الهندي وعالم البحر الأبيض المتوسط[10]. وقد حرصت الدول اليمنية القديمة (سبأ، أوسان، قتبان، حضرموت، معين) أن تكون عواصمها على درب ذلك الطريق، وذلك بسبب الضرائب والعائدات الاقتصادية التي تجنيها جراء ذلك، إلى جانب ما منحه الطريق للمناطق التي يمر فيها من فرصة للنماء والازدهار ما جعلها محطة جذب لمن حولها من السكان. وقد ولد الطريق علاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية بين عرب الجنوب وعرب الشمال الذين كان الطريق يمر في أراضيهم، حيث كانوا يعملون كأدلاء وخفراء للقوافل التجارية التي تسير على ذلك الطريق، إلى جانب الفوائد التي تعود عليهم جراء الخدمات التي يقدمونها لتلك القوافل في المحطات التي كانت تنتشر على طول ذلك الطريق[11].

وقد ظل عرب الجنوب يتحكمون في ذلك الطريق طوال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، حيث اكتشف الإغريق حركة الرياح الموسمية في المحيط الهندي عام 45 قبل الميلاد وتمكنوا من الإبحار مباشرةً إلى الهند، وكان ذلك بعد محاولات عديده منذ عهد الإسكندر المقدوني، وهو ما سنتناوله في المبحث القادم، وسنكتفي هنا بالإشارة إلى الصورة البراقة التي رواها الكُتاب الإغريق عن حجم الثراء الذي تتمتع به بلاد العرب الجنوبية، فأرتميدوروس (القرن الثاني قبل الميلاد) يقول بأن تحكم السبئيين بالتجارة القادمة إلى عالم البحر المتوسط قد جعلهم من أكثر قبائل العرب ثراءً، ويقدم لنا صورة مبالغ فيها عن حجم ثراء العرب الجنوبيين لم نجدها في واقع حياتهم من خلال ما تركوا لنا من آثار ونقوش، فهم حسب قوله يمتلكون كميات كبيرة من مصنوعات الذهب والفضة: كالأَسِرّة والموائد والآنية والكؤوس، وكذلك منازلهم الفخمة التي ترصع أبوابها وجدرانها وسقوفها بالذهب والفضة والعاج والأحجار الكريمة[12].

أدى تحول كثير من بضائع طريق البخور إلى الطريق البحري لتحول أكثر ما بقى من تجارة الطريق البري الصحراوي صوب الطرق التي تسلك مناطق المرتفعات والسواحل حسبما ذكرنا سابقاً، خصوصاً بعد استخدام العرب الشماليين للخيول وازدياد هجماتهم على الحواضر اليمنية القديمة بسبب قلة عائداتهم من طريق البخور، وقد انعكست تلك التحولات على الدول اليمنية القديمة آنذاك، حيث ازدهرت الدول الساحلية، بينما تأثرت سلباً الدول الداخلية بسبب قلة عائداتها، وكانت حميَر هي أكثر المستفيدين من الوضع الجديد كونها كانت تطل على سواحل اليمن الجنوبية الغربية وتحكمت بموانئها مثل موزع وعدن وغيرها من الموانئ الواقعة في تلك المنطقة[13].

وقد أدت تلك التطورات المشار إليها إلى ازدياد أهمية الساحل الغربي لليمن، خصوصاً قسمها الجنوبي القريب من مضيق باب المندب، وأصبح ميناء موزع الواقع في تلك المنطقة من أهم الموانئ التي تطل على البحر الأحمر، بل إنه في القرن الثالث الميلادي زمن تأليف كتاب دليل البحر الإرتيري قد أصبح ميناء موزع أشهر موانئ ذلك البحر على الإطلاق، وصار يتحكم في منطقة ربطة الواقعة على سواحل قارة أفريقيا المطلة على المحيط الهندي، وأصبحت موزع كما ورد في الدليل مكاناً مزدحماً بأصحاب السفن من العرب الذين يفدون إليها من كل حدب وصوب، وتتوفر فيها جميع أصناف السلع، وهي سوق نشطة تغص بالتجارات، وتتم فيها المفاوضات، لأنهم يتاجرون مع السواحل البعيدة في أفريقيا والهند ويبعثون بسفنهم الخاصة بهم إلى هناك[14].

ثم يورد لنا كتاب الدليل لمحة عن طبيعة السلع والبضائع المتداولة في موزع، ويذكر أنها تتألف من "الأقمشة الأرجوانية؛ الناعم منها والخشن، والثياب العادية والمطرزة والمذهبة، والزعفران ونبات السعادي الحلو (ربما قصد به نبات البردي)، وقماش القطن وعباءات وأغطية أكثرها مصنوع على الطريقة المحلية، وحزامات مخططة، ومراهم عطرية، والنبيذ، وقليلاً من القمح لأن البلاد تزرع كميات متوسطة منه، وكميات كبيرة من النبيذ. وتهدى للملك (الحميري) وحاكم موزع الخيول والبغال القوية، والأواني المصنوعة من الذهب والفضة المصقولة، والأقمشة الثمينة، والأواني النحاسية. أما منتجات البلاد التي يتم تصديرها من هذا الميناء فأهمها: المُر الجيد والمرمر[15].

تجدر الإشارة بأنه ليس فقط كتاب دليل البحر الإرتيري هو من اهتم بوصف الموانئ المطلة على البحر الأحمر؛ بما فيها ميناء موزع، لكن سبقه العديد من الكُتاب الإغريق خلال مرحلة ما قبل الميلاد، حيث كتبوا عن البلاد المطلة على سواحل البحر الأحمر وتحدثوا عن أحوالها ودولها وطبيعة سكانها، مثل هيرودوت (485-425 ق.م) الذي يحسب له بأنه أول كاتب إغريقي يذكر لنا تجارة العرب الدولية وأهم سلعها الرائجة في العالم القديم، وثيوفراستوس (372-287 ق.م) الذي صحح لنا العديد من معلومات هيرودوت المغلوطة عن اليمن القديم، وأرتوسثنيس/ أرسطين عند العرب (275-194 ق.م) الذي كان أول من حدثنا عن مسالك طريق البخور، وتيودور الصقلي (توفي في عام 40 ق.م) وعبره وصلت لنا كتابات أجثارخيدس المفقودة، إلى جانب أرتميدوروس (اشتهر في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد) وسبق الحديث عما ذكره عن بلاد العرب الجنوبية، ثم استرابون الذي دون لنا أخبار الحملة الرومانية على اليمن 25-24 ق.م[16].

وقد ازدادت أهمية الدولة الحميرية خلال القرنين الثالث والرابع للميلاد، خصوصاً بعد تحكمها بسواحل اليمن على البحر الأحمر، وهو ما رفع من مكانتها لدى الدول الأخرى، وحرصت أكبر دولتين في عصرها: الفارسية الساسانية والرومانية البيزنطية على كسب ودها، حيث نفهم من أحد نقوش شمر يهرعش (الذي تمكن من توحيد اليمن كله تحت سيطرته في أواخر القرن الثالث الميلادي) أنه كانت له سفارات دبلوماسية إلى بلاد الفرس[17]، وكانت دولته تتمتع بعلاقات حسنة مع الفرس[18]. أما البيزنطيون فقد أرسلوا المبشر ثيوفيلوس إلى حمير عام 370م ليوجد لهم موطئ قدم على الضفة العربية للبحر الأحمر بعد أن كانت بيزنطة قد ضمنت لنفسها علاقات حسنة مع الضفة الأفريقية الواقعة تحت سيطرة ملوك أكسوم الذين اعتنقوا الديانة المسيحية خلال هذه الفترة[19].

وقد أدت تلك التطورات إلى تفجير الصراع بين الدولتين الأكسومية والحميرية، لأن الأكسوميين نظروا للحميريين كمنافسين لهم على تجارة البحر الأحمر، وربما ذلك هو الذي كان قد جعلهم يتحالفون في وقت سابق خلال النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي مع السبئيين ضد حمير، حيث تدخلوا في شؤون اليمن وتقلبت تحالفاتهم فيها، إلى أن أجلاهم الحميريون من تهامة اليمن والمناطق المجاورة لها التي كانوا قد فرضوا سيطرتهم عليها، وكان خروج الأحباش من اليمن إلى حين، حيث عادوا إليها في مطلع القرن السادس الميلادي، وفرضوا سيطرتهم على كل البلاد إثر إسقاطهم للدولة الحميرية بشكل نهائي، وهو ما سنتناوله بتفصيل أكبر في المبحث التالي، كون أحداثه ترتبط بمضمون ذلك المبحث الذي يتحدث عن نقمة الموقع الجغرافي لساحل اليمن الغربي.

المبحث الثالث: نقمة الموقع وأخطار الاحتلال[20]

أولا: البطالمة والرومان:

يتضح لنا مما سبق أنه لم تكن هناك في بداية الأمر منافسة تُذكر لتجارة العرب الجنوبيين، سواء على طريق البخور البري أو في مياه البحر الأحمر، حيث تكاملت أدوارهم مع القوى الإقليمية الأخرى التي ارتبطت مصالحها باستمرار هذه التجارة على تلك الطرق البرية والبحرية. ولذلك فإن الأطماع الحقيقية بالاستحواذ على تلك الطرق وتجارتها الرائجة لم تتفعل بشكل ملحوظ إلا بعد ظهور الاسكندر المقدوني في الشرق الأدنى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وفرض سيطرته عليه ووصوله إلى الهند، ولم يتبقَ خارج سيطرته إلا الجزيرة العربية. ولذلك فقد بدأ يعد العدة للسيطرة عليها والاستحواذ على خيراتها وتجارتها، وأرسل البعثات الاستكشافية لسواحلها، ولكن الموت باغته في عام 323 قبل الميلاد وهو على وشك إرسال جيشه لغزو الجزيرة العربية، لكن موته أوقف ذلك بسبب الصراعات التي نشأت بين قادته على تقاسم الإمبراطورية التي تركها[21].

وبعد تقاسم قادة الاسكندر المقدوني للإمبراطورية التي أسسها كانت دولة البطالمة في مصر وما جاورها هي من تبنت مشروعه في البحر الأحمر والمحيط الهندي، حيث اتجه البطالمة الأوائل إلى تشجيع تجارتهم في البحر الأحمر، وعملوا من أجل فرض سيطرتهم عليه، وواصلوا استكشاف سواحله العربية، مع تجديد الموانئ على سواحله الأفريقية وإنشاء موانئ جديدة عليها، إلى جانب زيادة عدد السفن التجارية فيه، وتجهيز أسطول حربي لحماية الملاحة من القراصنة وتشجيع السفن التجارية لارتياد سواحل البحر الواقعة تحت نفوذهم[22].

وقُدِّر للبطالمة بعد قرابة قرنين من الزمان على تأسيس دولتهم أن يصلوا بسفنهم إلى الهند مباشرةً، وكان ذلك في عام 117 قبل الميلاد على يد البحار الإغريقي يدكسوس الكيزيكي. لكن التواصل بين دولة البطالمة في مصر وبين الهند ظل محدوداً، وذلك لأن سفنهم كانت مضطرة للعبور قبالة سواحل بلاد العرب، حيث كان ذلك الوصول يضر بتجارة عرب الجنوب، ما جعل سفن البطالمة عرضة للهجمات من قِبَلهم. وقد دفع ذلك بالبطالمة لأن يبحثوا عن أسرار حركة الرياح الموسمية في المحيط الهندي ليتمكنوا من العبور مباشرة في عرض المحيط بعيداً عن السواحل العربية، وهو ما تسنى لهم عام 45 قبل الميلاد على يد البحار الإغريقي هِبالوس[23].

ولم تستمر دولة البطالمة كثيراً بعد ذلك التاريخ، حيث سقطت على يد القائد الروماني أوكتافيوس عام 31 قبل الميلاد وأصبحت مصر ولاية رومانية، وتَوّج أوكتافيوس نفسه منذ ذلك التاريخ إمبراطوراً على الإمبراطورية الرومانية - التي صارت تضم كل البلدان المطلة على البحر المتوسط من جميع جوانبه - باسم الإمبراطور أغسطس. وقد أصبح البحر الأحمر في عهد الرومان أكثر أمناً لسفنهم مقارنة بما كان عليه الحال في عهد أسلافهم البطالمة، وزاد عدد سفنهم المبحرة فيه إلى ستة أضعاف[24]. ويعتبر بعض الباحثين أنه كان من ضمن أهداف الحملة الرومانية - التي أرسلها الإمبراطور أغسطس عام 24 قبل الميلاد صوب جنوب جزيرة العرب وتمكنت من الوصول إلى العاصمة السبئية مارب وحصارها- تصفية البحر الأحمر من القراصنة الذين كانوا يتحصنون بالسواحل العربية، وهو ما كان يجبر السفن بالسير على شكل قوافل مصحوبة بالحماية العسكرية[25].

ورغم قول استرابون (الذي كان مرافقاً لتلك الحملة وأرخ لها) بأن الحملة الرومانية على جنوب جزيرة العرب (اليمن القديم) لم تواجه أي مقاومة، وأن فشلها سببه عوامل طبيعية تمثلت بالجوع والأمراض وارتفاع الحرارة وقلة المياه، لكننا أثبتا في بحث سابق عدم صحة قوله ذاك، وتأكد لدينا من خلال مناقشة علمية رصينة قمنا بها لما كتبه استرابون أن الغزاة الرومان واجهتهم مقاومة شديدة أجبرتهم على الانسحاب والعودة من حيث أتوا، وعادوا وهم يجرون أذيال الهزيمة بعد أن فقدوا معظم جيشهم[26]. وغالباً فهزيمة الرومان في اليمن هي التي دفعت الإمبراطور الروماني أغسطس لأن يستوعب دروسها، ويترك وصية لخلفائه من بعده يطلب منهم فيها الاكتفاء بما وصلت إليه حدود إمبراطوريتهم، والكف عن التوسع أكثر[27]، حيث فضّل الرومان ومن بعدهم البيزنطيين الاعتماد على دولة أكسوم الحبشية لتنفيذ أطماعهم في جزيرة العرب، وهو ما سيتضح لنا من خلال الموضوع التالي من هذا المبحث.

ويذكر استرابون أن سبب الحملة التي وجهها أغسطس إلى جنوب بلاد العرب تمثل بما سمعه عن ثرائهم منذ زمن بعيد، وأنهم يقايضون بعطرهم وحجارتهم الكريمة الفضة والذهب، وأنهم لا يحتاجون إلى استيراد أشياء من خارج بلادهم (حسب قوله)!، وهكذا يقول استرابون بأن أغسطس كان يهدف إما لاسترضاء العرب أو إخضاعهم لسيطرته[28]. ويدلنا ذلك على أهمية البضائع التي ظلت تحتكرها اليمن رغم تحول الطريق من البر إلى البحر، خصوصاً البضائع غالية الثمن ذات المنشأ العربي مثل اللبان والمُر والصمغ العربي، وإلا لما تجشم الرومان عناء إرسال حملة عسكرية إلى بلاد بعيدة عنهم، وعبر طرق صحراوية وعرة[29]. وإذا أضفنا لذلك الموقع المتوسط لبلاد العرب بين الهند وشرق أفريقيا من جهة وبين المنطقتين وعالم البحر المتوسط من جهة أخرى، مع إطلالها على سواحل البحر الأحمر، ستتضح لنا أهداف تلك الحملة بشكلٍ جلي[30].

وعلى الرغم من فشل الحملة الرومانية على اليمن وعدم تمكن الرومان من تحقيق أهدافهم منها، إلا أنه نتج عنها تأثيرات سلبية على المناطق الداخلية من اليمن، حيث تأثرت حواضر الدول اليمنية الواقعة على الأودية في المناطق الشرقية، وذلك بسبب تحول كثير من التجارة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط صوب طريق البحر الأحمر، وتحول دروب ما تبقى من تجارة برية غرباً صوب القيعان الجبلية الخصبة والسواحل المطلة على البحر الأحمر، خصوصاً بعد أن اشتدت هجمات الأعراب على تلك الحواضر بعد أن قل دخلهم نتيجة لتحول الطرق التجارية صوب البحر، وهو ما أدى إلى بروز الحميَريين حسبما أشرنا في المبحث السابق.

ونختم هذا الموضوع بحديث البعض عن حملة رومانية تمكنت من تدمير مدينة عدن، اعتماداً على إشارة وردت في كتاب دليل البحر الإرتيري (مؤلفه مجهول) خلال فترة قريبة من الزمن الذي عاش فيه مؤلف ذلك الدليل[31]. وقد دارت الخلافات بين المؤرخين بخصوصها، بين من عدها امتداداً للحملة الرومانية سالفة الذكر التي وصلت إلى مارب، بينما عدها البعض حملة أخرى تمت خلال القرن الأول الميلادي؛ على خلاف بينهم بخصوص الإمبراطور الروماني الذي أرسلها وفقا للتقديرات السابقة التي كانت تعيد زمن تأليف الدليل إلى الفترة الممتدة بين القرنين لأول قبل الميلاد والأول الميلادي[32]. لكن التقديرات الحديثة تعيد زمن تأليف الدليل إلى القرن الثالث الميلادي، اعتماداً على ذكره لملوك وأحداث في جنوب جزيرة العرب (اليمن القديم) خلال ذلك القرن[33]. وهو ما يجعل أخبار تلك الحملة غامضة وغير واضحة المعالم، وإن كانت تؤكد لنا (في حال ثبوتها) أهمية السواحل الغربية لليمن ورغبة الرومان في السيطرة عليها وصولاً إلى ميناء عدن.

(الجزء الثالث)


[1] أبوالغيث، عبدالله. الصراع الدولي وأثره على تحول تجارة طريق اللبان صوب البحر الأحمر، مقدم للنشر في موسوعة البحر الأحمر، 2020م، ستصدر عن مركز دراسات دول حوض البحر الأحمر، السودان.

[2] أبوالغيث. الازدهار والتواصل الحضاري القديم في منطقة تعز (المعافر)، ص55.

[3] الشيبة، عبدالله حسن. محاضرات في تاريخ الحبشة القديم، دار الكتاب الجامعي، صنعاء، 2006م‘ ص74.

[4] عبدالله، نقش الواقر، ص6.

[5] الشيبة. محاضرات في تاريخ الحبشة القديم، ص73، 78، 85.

[6] الشيبة، محاضرات في تاريخ الحبشة القديم، ص75-84.

[7] زيادة. دليل البحر الأرثيري، ص276.

[8] الشيبة. محاضرات في تاريخ الحبشة القديم، ص117.

[9] أبوالغيث. النشاط التجاري اليمني القديم وصلاته بالهند، ص77.

[10] لمزيد من التفاصيل عن نشوء طريق البخور ومسالكه ومناطق تجارته، انظر: أبوالغيث. النشاط التجاري اليمني القديم وصلاته بالهند، ص59-71.

[11] أبوالغيث. العلاقات السياسية بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها، ج1، ص49.                

[12] أبوالغيث، عبدالله. قراءة تاريخية لتدوينات الكُتّاب الإغريق عن جنوب جزيرة العرب.. استرابون أنموذجاً، مجلة شؤون العصر، تصدر عن المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية، صنعاء، العدد47، 2013م، ص13.

[13] الشيبة، عبدالله حسن. دراسات في تاريخ اليمن القديم، مكتبة الوعي الثوري، تعز، 2000م،19، 23.

[14] انظر نص كتاب الدليل في: الشيبة. ترجمات يمانية، ص77.

[15] الشيبة. ترجمات يمانية، ص78.

[16] أبوالغيث. قراءة تاريخية لتدوينات الكتاب الإغريق عن جنوب جزيرة العرب، ص127-137.

[17] أبوالغيث. العلاقات بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها، ج1، ص92، 93.

[18] شهيد، عرفان. حملة امرؤ القيس على نجران (ضمن كتاب: مصادر تاريخ الجزيرة العربية ج1)، جامعة الملك سعود، الرياض، 1399هـ، ص74، 75.

[19]  عن زيارة المبشر ثيوفيلوس إلى الدولة الحميرية، انظر: الشيبة. دراسات في تاريخ اليمن القديم، ص30.

[20] تتداخل المعلومات الواردة  في هذا المبحث بشكل ملحوظ مع بحث سابق للباحث بعنوان (الصراع الدولي وأثره على تحول تجارة طريق اللُبَان صوب البحر الأحمر)، تمت المشاركة به في (موسوعة البحر الأحمر) 2020م، المقرر صدورها عن مركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر، السودان.

[21] عن استعدادات الاسكندر لغزو جزيرة العرب، انظر: فرح، أبواليسر. الشرق الأدنى في العصرين الهلينستي والروماني، عين للدراسات الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 2002، ص36-38.

[22] الشيبة. دراسات في تاريخ اليمن القديم، ص18.

[23] الشيبة. دراسات في تاريخ اليمن القديم، ص20.

[24] عن تطور الملاحة في البحر الأحمر خلال العصر الروماني، انظر: الناصري، سيد أحمد علي. الرومان والبحر الأحمر، مجلة الدارة، العدد2، السنة السادسة، تصدر عن دارة الملك عبدالعزيز، الرياض، ص22.

[25] الذييب، سليمان بن عبدالرحمن. الحملة الرومانية الأولى على جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية، الرياض، 1436هـ، ص41.

[26] أبوالغيث. قراءة تاريخية لتدوينات الكتاب الإغريق عن جنوب جزيرة العرب، ص136.

[27] عن وصية أغسطس، انظر: سحاب، فكتور. إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، 1992م، ص53-56.

[28] نقلاً عن: الشية. ترجمات يمانية، ص53، 54.

[29] أبوالغيث. العلاقات السياسية بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها، ج1، ص51.

[30] الذييب. الحملة الرومانية الأولى، ص45.

[31] نقلاً عن: الشيبة. ترجمات يمانية، ص79.

[32] عن تلك الاختلافات، انظر: الناصري. الرومان والبحر الأحمر، ص27-30.

[33] عن التقديرات الجديدة لزمن تأليف كتاب دليل البحر الإرتيري، انظر: عبدالله، يوسف محمد. مدينة السوا في كتاب الطواف حول البحر الإرتيري، مجلة ريدان، عدن، 1988، 101-113.

التعليقات (0)