ولاية اليمن وأهميتها الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية (2)

 منتدى المؤرخ الحصيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقــة العاشرة

ولاية اليمن وأهميتها الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية

10 رمضان 1443هـ / 11 أبريل 2022م

رئيس الجلسة

أ. د. أحمد السـري

أ. إلهام نجيم:

للأسف كان اليمن في العهد الإسلامي مجرد مورد بشري تم تحشيده في حركة الفتوح الإسلامية فإسهام اليمنيين في حركة الفتح الإسلامي وفي تكوين مستوطنات إسلامية جديدة إثر لا ينكره أحد غير أن هذا الدور المهم لليمنيين لم ينعكس على الوضع الداخلي في اليمن فلم تؤسس سلطة الخلافة فيه لحواضر إسلامية شبيه بتلك التي تأسست في بغداد و دمشق ومصر والقيروان والأندلس وغيرها لم تنشأ دولة الخلافة لليمنيين مدارس فكرية وعملية ومدن وقصور وأسواق تستحق وفق تضحيات وإسهامات قادة الفتح الإسلامي اليمنيين تم استغلال ثروة اليمن البشرية والطبيعة في عهود الخلافة الإسلامية فكان أرض لجباية الأموال دون ان يلتفت الخلفاء إلى خلق بيئة حضارية تسهم في نماء المجتمع اليمني ضل المجتمع يدير نفسه بنفس الأسلوب والنظام القائم قبل الإسلام والجديد في الوضع هو بروز النفوذ القرشي وغلبته على القرار الداخلي في اليمن ما خلفه اليمنيين من أثار ومن مراكز حضارية يرجع إلى عهد الدويلات الإسلامية التي قامت في اليمن، إما بشكل تابع لمركز الخلافة أو مستقل عنها أرى ان اليمن واليمنيين ظلموا كثيرا في العهد الإسلامي وزاد ظلم هذا البلد بقدوم أدعياء الإمامة الزيدية الذين أسهموا في القضاء على استقلالية البلد ونمائه وتحويله إلى ساحة للحروب والصراعات التنافسية بين أدعياء الإمامة التي كانت لا تألوا جهدًا في القضاء على الدولة اليمنية كلما شهدت اليمن استقرار حضاري لتعود بنا إلى العصور الوسطى.

ا. د. أحمد السري:

طبيعة الدولة الإسلامية تختلف عن دول اليوم ذات المسؤوليات الدستورية. ثَّم حراك اجتماعي رافق صعود دولة الإسلام وهذا الحراك هو الذي صنع الحضارة الإسلامية في المحصلة.

أما علاقة المركز بالأطراف فنعم لم تكن سوى علاقة ولاية وجلب للمدفوعات وما يحصل من أموال، لكن هذا كان حال دول الإسلام كلها.

المطلوب فقط رؤية حركة التاريخ كلها وليس ضمن سؤال ما الذي استفادته وما الذي خسرته. لنا أن نتخيل حال الجزيرة العربية لو لم تنشأ حركة الفتوحات؟

ثمَّ إن خلافات يومئٍذ لاسيما الراشدة لم تكن تملك قوة للتحشيد والإجبار. لقد تليت مجرد رسالة من الخليفة أبي بكر فخرج جمع غفير من أهل اليمن للفتوحات والأغرب أنهم خرجوا بعوائلهم في يقين العوض بأرض أخرى، وهذا معناه أن علينا تفهم مواقفهم يومئذ دون فرض رؤانا المعاصرة عليهم من زاوية وطنية معاصرة.

د. علي بركات:

هذا هو المنطق، إذ ينبغي أن تحاكم الروايات والأحداث وفق سياقات عصرها، مع التأمل في كل العوامل المحيطة بتلك الأحداث ودوافعها، فعلاقة المدينة كمركز للدولة بالأقاليم ربما لم تكن على مسار واحد ودرجة واحدة، ولكن كانت مستجدات الأحداث هي التي تخلق دور لهذا الإقليم أو ذاك، فالقرب الجغرافي لليمن جعل المركز يلتفت للكتلة البشرية في اليمن وحاجة الفتوحات الماسة للمقاتل اليمني وخبرة المقاتل اليمني وصناعة السلاح للمقاتل اليمني.

وبالمقابل التراكمات الحضارية لدول اليمن المتعاقبة حتى حمير ووجود مؤسسات ألقت بظلاله وتأثيره على تكون مؤسسات الدولة الإسلامية ذاتها بل وتسييرها.

إذا ثمة غبن في القول- أن الدولة الإسلامية استخدمت إمكانات اليمن البشرية والاقتصادية فقط لخدمة الدولة الإسلامية الوليدة ولم يستفد أهل اليمن من الدولة الإسلامية.

وختامًا. ثمة تشبيه لطيف لأحد المؤرخين عن دور كل بلد في منظومة الدولة الإسلامية بأن شبه الدولة الإسلامية بسجادة فاخرة متعددة الألوان والنقوش وقد نقشت ولونت كل أمه وكل إقليم فيها بقدر حضارة تلك الأمة وذلك الإقليم.

ا. د. أحمد السري:

كلام علمي وفي الصورة الأخيرة فحوى الكلام في عالم الإسلام.

الجزيرة العربية كانت تعرف ذاتها تمامًا وتتداخل أخبارها وأحداثها ويعلمون ما لليمن من دول وخبرات. وهكذا رشحت اليمن نفسها تلقائيًا لتكون ضمن الفتوحات لاسيما أنها لم تكن وحدها ولم تقصد لذاتها بل طرحت الدعوة للفتوح لكل العرب فخرجوا تباعا بعد إن ترامت إلى مسامعهم مغريات الفتح من مغانم وأراض.

السؤال: هل استمرت أهمية اليمن بعد خلافة الراشدين والأمويين مهمة للدولة العباسية وكيف؟

لأن الدولة العباسية لم تكن دولة فتوحات، في زمن الدولة العباسية وقعت فتوحات علمية وحضارية مع استمرار السياسات والضعف والانقسام. فما هي الأهمية المتبادلة بين اليمن ومركز الخلافة في العصر العباسي؟

أ. إلهام نجيم:

أعتقد ان أهمية اليمن في الدولة العباسية ترتبط باستقرار نظام الدولة نفسه وتقويته والمناورة التي لعبها المأمون ضَّد تدخل "إبراهيم السفاح" في اليمن ومحاربته ومن ثمَّ التوافق معه يؤكد هذا ما كان يعني العباسيين هو مدى فرض سيطرتهم على البلد تحت أي زعامة تسهل وتضمن لهم هذا أما طريقة وأسلوب إدارة الولاة لليمن فقد كانت شأن الولاة فهم غير ملزمين بنظام محدد لسياسات الدولة في بغداد وظل الاعتبار لنجاح الولاة مرتبط بحجم الموارد السنوية التي يتم جبايتها لهذا فتح الولاة باب الصراع والتنافس والحروب لكسب ولاء اليمن وفق قدرات كل والي على ضمان تبعية اليمن وإرسال موارده إلى مركز الخلافة.

ا. د. أحمد السري:

نعم. لابد من إبراز ما ذكرتِ وأن الأهمية ارتبطت أولًا بالتحصيل فكل بلد لابد أن يورد لخزانة الخلافة ما يتم تجميعه من أموال. أما منافع الناس فمتروكة للوالي وهذا حسب حظ الناس منه إن كان محسنًا أم مسيئًا، وبسبب هذه السياسات المالية لم تستقْر اليمن بل شهدت ثورات ضد هذه السياسات وكانت مقدمة لتتكون فيها دول ودويلات مناهضة ومستقلة وتابعة.

أ. جميل الأشول:

من تقصدِ بـ "إبراهيم السفاح"، إن كنت تقصد عم المأمون "إبراهيم" وخروجه على المأمون والاختلاف معه، فلم يكن لأجل اليمن، وإنما عندما ولى المأمون ولاية العهد لـ "علي بن موسى الرضا"، ومن باب زيادة المعلومية هذا الرجل أبعد ما يطلق عليه السفاح، لأن شخصيته تتنافى مع هذه التهمه، فقد كان مُغني ويضرب بالملاهي وكان حسن المنادمة شاعر فصيح اللسان غزير الأدب واسع النفس سخي الكف، وصدق "ابن خلكان" عندما وصفه بوصف "العارف"، ولم يَر في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لسانًا ولا أحسن منه شعرا"، وقد ذكر الطبري أن خلافة "إبراهيم " استمرت سنة واحدة وعشرة شهرًا واثني عشر يومًا، وللعلم (وهذه المعلومة للدكتور نزار)كان هذا الخليفة العباسي أسود اللون لأن أمه كانت جارية سوداء. وهو صاحب الأبيات: -

ليس يزري السواد بالرجل الشهم

ولا بالفـتى الأديـب الأريـب

إن يكن للسـواد فيك نصيب

فبياض الأخلاق منك نصيبي

أ. إلهام نجيم:

عُرِفَ بـ "لجزار" وليس السفاح ومصادر التاريخ اليمنية جميعها ذكرت الحادثة ونسبت إليه التسمية وما تعيين المأمون لعلي الرضا وليا للعهد جاء بتأثير المأمون بالفكر المعتزلي.

د. نزار غانم السوماني:

اليمنيون السود البشرة عانوا تمييزًا بواكير دولة الإسلام. الرسول صلى الله عليه وسلم أستغرب من أغربة العرب وهم قبائل "بني الحارث" النجرانية التي قد تكون امتزجت بجيش النجاشي من العزاب الذي تركه وراءه في اليمن. تكرر ذلك في نفور الخليفة عمر بن الخطاب من قبائل السكون الحضرمية في طريقها إلى القادسية وظل يسأل ويسأل "معاوية بن خديج" عن سواد لونها. وجدت "عك" و "الأشاعرة" الوضع غير مناسب لها - معروف سُمرتَها - فهي من قبائل أحزاب حبشت وبدون إن ينصت إلى مطالبها استقوت الخلافة عليها بمدد عسكري من خارج اليمن أظنه هو من أسس لحكم "بني زياد" ثمَّ لدولة بني زياد المستقلة في زبيد. لم تتقبْل "مضر" أن "قحطان وقضاعة" قد توجد بينهم عناصر عربية أصيلة لكن ألوانها أقرب لإفريقيا. والله وأنتم أعلم.

أ. جميل الأشول:

دكتور/ نزار حفظك الله. ما هكذا يقرأ التاريخ، ولا يفهم حسب أمزجتنا وأهواءنا، وإنما يفهم حسب ما كان في عصره بقليل من الهدوء والموضوعية دعني أناقش ما قلت "فقرة" "فقرة".

- أولًا: الروايات التي ذكرتها لا تصح ولا تعتمد لعوامل كثيرة منها لشذوذها لأنها خالفت الروايات الأصح منها، ولمخالفة الحقائق التاريخية لما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. أيضًا لم تأتي سياقها هكذا فهمت أنت.

- ثانيًا: هل تعلم أن أغلب أهل مكة "القرشيين" في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان لون بشرتهم السُمرَة، أو اللون القمحي وهي البشرة العربية، كما يقول "ابن المجاور" في وصف أهل مكة إذن اللون الأبيض لا يوجد في مكة وإن كان لا يمنع وجود أفراد يحملون البشرة البيضاء، لكن هذا نادر والنادر لا حكم له.

- ثالثًا: هل تعلم أن أغلب سكان المدينة كانوا أما سُمر أو سُود. بل أن عليه القوم كانوا بالمدينة سُود أمثال أسرة "سعد بن عبادة" رضي الله عنه فقد كان أسود وابنه داهية العرب "قيس" أسود منه، بل النبي صلى الله عليه وسلم كان يولي إمرة الجيش لبعض من يحمل بشرة سوداء كـ "أسامة" رضي الله عنه، ولا يتسع المقال لضرب الأمثلة وإنما ذكرت بعض الشواهد حتى انفي ما قلته أن النبي صلى الله عليه وسلم استغرب؛ لأن الاستغراب لا يأتي إلا لأمر غير مألوف ومادام الأمر مألوف عند النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فأين الاستغراب؟

- أيضًا أن "مضر" لم تقبل "قحطان" لأن أغلب بشرتها سواء هذا أمر لم يقله أحد من المؤرخين الأوائل ناهيك عن المتأخرين. فمن أين استقيت معلوماتك؟

أتعلم أن أغلب التابعين العلماء (النوابغ) كانوا ذو بشرة سوداء "سعيد بن جبير" و "عكرمة" و "مجاهد" و "طاوس" ... الخ. ليس هناك تمييز باللون أبداً، ولعلك بدون قصد شوهت النقاء والصفاء لأفضل مرحلة تاريخية عبر التاريخ.

د. نزار غانم السوماني:

أجزل لك الشكر على تدخلك المنهجي، وكما تعرف لا نصيب أكاديمي لي في الدراسة التاريخية. إنني حتى لو تجاوزت عن هذه الأخبار التي تعود إلى فجر الإسلام فأين أذهب من الدوامغ الشعرية التي كثيرًا ما تغمز أهل اليمن من حيث هجينهم العرقي مع الحبشة وفارس والروم. وأين أذهب مما أثاره د/جعفر الظفاري حول عقدة اللون الأسود وتعيير القحطانيين بأنهم أما "سايس قرد" أو "راكب عرد" أو "ناسج برد" ... الخ.

د. حسن المراني:

أعتقد أن اليمنيين تَّم إقصاءهم منذ يوم السقيفة فرغم أن "أبا بكر" قال:" إن الناس لا يرضون بغير هذا الحي من قريش ولكن منا الأمراء ومنكم الوزراء"، لكنهم تركوا الإمارة والوزارة والسبب الاختلاف فيما بينهم وتعصب بعضهم ضَّد بعض فقد أسرع "الأوس" إلى مبايعة الصديق نكاية في "الخزرج" وخوف "الأوس" من سيادة "الخزرج" عليهم وقد تجلى دور اليمنيين في أحداث الفتنة فكانوا وقودًا لتلك الفتنة والضحية فيها وفي التحكيم اتضح أن دورهم يقتصر على الحرب عندما صرخ الأشعث:" والله لا يحكم فينا مضريان"، وما العبارة المشهورة التي قالها أحد الخلفاء العباسيين لواليه على اليمن: "اسمعني أصوات أهل اليمن"، إلاِّ دليل على تفرقهم وغيابهم تمامًا عن المشهد فلما وصل الوالي إلى اليمن أخذ ينكل باليمنيين وخاصة "قبيلة حمير" حتى أنكر من بقي منهم نسبه "الحميري" فإن سألوه يقول مولى لبني العباس حتى قيل إن ذلك الوالي أمر بقلع الخوخ الحميري من صنعاء وما حولها وبغياب أهل اليمن عن المشهد السياسي ترسخت قاعدة الأئمة من قريش حتى تجرع أهل اليمن القتل والهوان وتخريب البيوت وإحراق المزارع ومصادرة الأموال بل وسبي نساءهم وهم في بلدهم.

أ. جميل الأشول:

مرحبًا أخي دكتور حسن.

لم يكن كذلك ولم يفكْر أحد منهم بفكر المؤامرة وقتها، وللعلم أيها العزيز أول يد تبايع الصديق رضي الله عنه كانت خزرجية "الحباب بن المنذر رضي الله عنه "، وأيضًا أين الإقصاء الذي حصل لليمنيين كما تقول، خرجت أربعه جيوش بعد السقيفة كانت اثنين من قادتهما يمنيين، حتى "الكراديس" والخطط للمدن سواء بالشام أو العراق أو مصر أو بلاد شمال أفريقيا كانوا يمنيين. أيضًا الوزراء والقضاة يمنيين. هل تعلم أن قضاء مصر في العهد العباسي كانوا يمنيين وأغلبهم من حضرموت. هل تعلم أن أغلب قادة فتح أفريقيا يمنيين. هل تعلم أن أغلب ولاة وقادة الأندلس يمنيين ابتدأ من "موسى بن نصير اللخمي" مرورًا بابنه "عبد العزيز" و "السمح بن مالك الخولاني" و "عبد الرحمن الغافقي"، وكذلك بالمشرق الإسلامي، ناهيك أن اليمنيين هم يخلع خليفة ويضع مكانه آخر أمثال الأمين والمأمون وهكذا. هذا الكلام نجده عند غير المؤرخين، أما المؤرخين نجد عندهم الحقيقة والإنصاف ورد الأمور لأصحابها.

د. محمد بلعيد:

بعيدًا عن الدافع الديني ؟؟هل مشاركة اليمن في الفتوحات الإسلامية فيه شيء من الارتزاق؟ خاصة أن اليمن عانت فراغًا بشريًا لقرون؟ ومعظم من خرج لم يعْد؟

د. رضوان الأهدل:

اتفق معك أستاذ جميل فقد كان هناك جدل واسع حول موضوع السقيفة وما دار فيها من نقاش غلب عليه طابع إيثار مصلحة الإسلام والدولة الإسلامية الناشئة ولم يتْم إقصاء اليمنيين الذين سارعوا للمبادرة حين انبرى خطيبهم  - سعد بن عبادة - يتكلم بكل صدق عن أحقية الأنصار بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم منطلقًا من مبدأ ان الأنصار لهم الأحقية كونهم أصحاب البلد الذي آوى المهاجرين وهم قلة فكيف لهم أن يستأثروا بالأمر دون الأنصار وكان ذلك اجتهادًا من الأنصار كي لا يبقى منصب قيادة الدولة شاغرا بعد وفاة الرسول الكريم.

وفي ذات الموقف يرد عليه سيدنا "أبو بكر" مفندًا هذا الرأي موضحًا فضَّل الأنصار وما ورد في القرآن الكريم وفي السنة النبوية من ثناء وحسن على الأنصار حتى وصل الأمر لمناداة بعض من الأنصار بأن يكون هناك اقتسام للسلطة لكن "أبا بكر" أوضح فساد هذا الرأي شرعًا وواقعًا ثم انطلق يوضح أحقية المهاجرين لسابقتهم دخولًا في الإسلام ثم إعداد الرسول الكريم لهم بنفسه منذ البداية الأولى للدعوة ثَّم كون المهاجرين من قريش التي تعد في نظر العرب ذات ثقل اجتماعي وإن الناس تميل لقبول قيادتها.

خلاصة القول - أنه لم يكن هناك ثمة إقصاء لطرف دون آخر بل اجتهاد من أجل ألَّا يبقى منصب القيادة شاغرًا، وقد كان أول من بايع "أبا بكر الصديق" رجل من الأنصار هو "بشير بن سعد " كما ورد في طبقات "ابن سعد" وفي "فتح الباري لابن حجر".

د. حسن المراني:

حيَّاك الله أستاذ/جميل احترم رأيك ورأي الدكتور/ رضوان. وهي نظرة مثالية تبناها شيخنا جميعًا الدكتور/ الشجاع - رحمه الله - وقد تأثرنا به، لكن هناك بعض الحقائق التي لابد أن نعترف ومنها أن المجتمع الإسلامي في القرن الأول لم يتخلْص تمامًا من تعصب الجاهلية، ولقد عانى الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك ولاحظها وعبر عنها في أكثر من مناسبة وأخذ يعالج ذلك عمليًا فما أرسل سرية وفيها "زيد بن حارثة" إلِّا جعله قائدًا لها، وفي "مؤتة" قدم "زيد" على "جعفر بن أبي طالب" محاولًا بكل وسيلة أن يقضي على تلك النعرات الجاهلية ثَّم كانت رسالته الأخيرة لكل الأمة إن القيادة ليست تشريفًا تعطى لمن يدعي الأفضلية في النسب وإنما تكليفًا يراعى فيها التقوى والصدق والإخلاص، ولذلك وضع "أسامة بن زيد" على رأس الجيش الخارج لمحاربة الروم والغساسنة قاصدًا إيصال رسالة لكل الأمة بإن العصبية القبلية هي من مخلفات الجاهلية التي حاربها الرسول حتى أخر يوم في حياته ورغم ذلك فقد ارتفعت أصوات البعض بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بضرورة تغيير "أسامة بن زيد" كون أن في المهاجرين من هو أجدر بتلك القيادة لولا أن "أبا بكر" واجه ذلك بحزم قائلًا: "والله لا أحل عقدة عقدها الرسول إنما أنا متبع ولست مبتدع".

أما تولي بعض أهل اليمن القضاء فذلك بسبب حاجة المجتمع لمن يقرأ ويكتب ويلم بقواعد الفقه، أما القادة العسكريين فكان يتم التخلص منهم بعد أن يحققوا الانتصارات وتكون نهايتهم محزنة.

أ. محمد عطبوش:

بما أن نقاش اليوم عن دور اليمن في الفتوحات، هذه فقرة بترجمتي من مقالة الباحث النرويجي يان ريستو [Jan Retso] نشرتها بصفحتي أمس وأنقلها هنا: -

ثمة أدلة تشير إلى موالاة الإسلام المبكِّر للرومان ومعاداته لإيران.

يظهر هذا مثلاً من خلال سورة الروم: 1، وكذلك في أسطورة الهجرة إلى الحبشة. أصبح الوضع حرجاً بعد عام 610 م عندما أطاحت إيران بالقوة الرومانية في الشرق الأوسط، واحتلت الأناضول وسوريا ومصر، وأصبح الحاكم الإيراني في اليمن مستقلاً مع الطبقة الأرستقراطية اليمنية التقليدية، ثمَّ فجأة تزامنت مصالح كلا الكيانين (الإسلامي واليمني).

تخبرنا المرويات عن بعثة جاءت من اليمن إلى "النبي" في المدينة في أواخر عشرينيات القرن السادس الميلادي. وهَزم المسلمون قبائل "هوازِن" في غزوة حُنَين حوالي 630 م في الطائف، وقد كانت "هوازن" على عداء تقليدي مع حمير. وخلال هذه الأحداث تحالف اليمنيون مع الإسلام. تسببت هزيمة "هوازِن" والتحالف الإسلامي مع اليمن في ظهور شيء جديد، فجأة ظهرت قوة جديدة في الجزيرة العربية، قوة مثّلت إحياءً للإمبراطورية الحميرية من نواحٍ عديدة. حينها أصبح الإسلام قادراً على أن يبدأ المسيرة نحو الهيمنة على العالم. إنها نقطة تحول حاسمة في تاريخ العالم ابتدأ فتح العالم الإسلامي بالتحالف بين المسلمين في غرب الجزيرة العربية والموحدين في اليمن. ثمَّ لاحقاً خلال الفتوحات المستمرة، تولَّت الأرستقراطية في شمال الجزيرة القيادة وجرى تهميش كل من اليمنيين وعرب غرب الجزيرة على حد سواء. الكاتب - هنا - يستعمل تسميات حديثة مثل إيران وشرق أوسط "تجاوزا".

أ. جميل الأشول:

من خلال ما أوردت يتبين أن هذا الكاتب الذي ترجمت له لا يفقه شيء، ناهيك أنه لا يعرف أبجديات المؤرخ، حتى معلوماته خاطئة، فعلى سبيل المثال: أن هوازِن كانت على عداء تقليدي - عداء تاريخي يقصد به مع حمير؛ لم يذكر أحد من المؤرخين هذه المعلومة - حسب علمي - وإنما ذكروا "همدان"، وللعلم حتى معلومة "همدان" صناعة تاريخية لبعض المؤرخين لا أساس لها من الصحة، وما أجمل تفنيد "ابن قيم الجوزية" لهذا الخطأ التاريخي، وتبيين كذبها في زاد المعاد، وقِس عليها باقي المعلومات التي وردت من فساد الفهم وخطأ في نقل للمعلومة.

أ. محمد عطبوش:

لقد أحال معلومته عن عداء حمير لهوازِن إلى رسالة دكتوراه للمؤرخ الكويتي/ مدعج، لذلك سألت عن نسخة pdf والتي نُوقِشَّت في لندن وصدرت كتاب.

أ. جميل الأشول:

لم تذكر حمير قط، ولا أدري من أين أتى "مدعج" بهذا القول؛ إن صحة الإحالة إليه، وإنما ذكرت "همدان" حتى الأخيرة كما أسلفت صناعة تاريخية لبعض المؤرخين ولا أساس لها من الصحة.

د. خليل القاضي:

هل تقصد يا أستاذ جميل أن همدان ليس لها وجود في التاريخ أو تقصد شيء آخر؟

أ. جميل الأشول:

لا أقصد أن بعض المؤرخين ذكر "همدان" و "هوازِن" كانتا على خلاف وليس حمير، وهذه المعلومة غير صحيحة أي الخلاف، وقد حقق في هذه المسألة "ابن قيم الجوزية" (ت٧٥١ هـ) في كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد ".

ا. د. أحمد السري:

* خلاصة عامة عن نقاش موضوع أهمية اليمن للدولة الإسلامية. (مجرد رأي).

تفاوتت أهمية اليمن للدولة الإسلامية، وتطورت طبيعة العلاقة معها حسب تطور الأحوال، ففي زمن الدعوة الإسلامية وخلافة الراشدين كانت اليمن هدفًا للدعوة لتنتشر في كل جزيرة العرب ولا يصلح الإسلام إلِّا بهم وإلِّا تعثرت خطواته التالية وبقي مشغولًا بمن لم يسلْم في الجزيرة، لاسيما وقد ورد حديث فيه "لا يبقى بجزيرة العرب دينان".

بإسلام أهل اليمن استوفت الدولة الوليدة في المدينة شروط استقرارها بحكم ما كان لليمن من حضور سياسي وعسكري آخرها دولة حمير وامتداداتها، وقد ظهرت أهمية ثانية للخلافة الراشدة بعد موت النبي محمد وحصول ما عرف بالردة ومعظم أحداثها لم يكن نكرانًا للإسلام بل لسلطة قريش على أهل اليمن.

منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبروز خلافة قريش، وهي قريش نفسها التي كانت تحارب الدعوة الإسلامية وإن بممثلين جدد أبرزهم الإسلام على غيرهم ممن حاربه، منذئذ تغيرت العلاقة مع اليمن ونظر إليها على أنها مهدد لكيان الدولة الجديد، ولأنهم في الغالب لم يتمردوا على الإسلام بل على سلطة قريش الجديدة، فقد كان للخليفة أبي بكر رأي غير رأي عمر بن الخطاب الذي رأى عدم مقاتلتهم طالما هم يوحدون الله ولم يكفروا - باستثناء من أعاد نصب أصنامه - فكان جواب الخليفة أبي بكر الشهير: "لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدوه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه".

الخليفة أبو بكر - هنا - كان أبعد نظرًا من عمر. لقد دافع عن جسم الدولة الوليد ومنعه من التفكك في حروب الردة، وبعد إخمادها كانت الدعوة إلى الفتوحات أفضل فكرة لتوجيه القوة المتأججة في النفوس خارج الجزيرة وإلِّا توقدت حرب أخرى داخلها ثانية كما جرت العوائد بين فترة وأخرى.

الخروج للجهاد والفتوحات صرفت الأنظار عن مواطن الجزيرة كلها وليس اليمن وحسب. إلِّا باعتبارها أمكنة لرفد الفتوحات، فخرجت جموع من أهل اليمن مع من خرج، ولا يمكن الحديث عن تفريغ للبلاد بل ربما عن غياب القوى الضاغطة على المشهد السياسي وحصول استرخاء مفيد لصالح من تبقى، ثم إن الخروج كان تدريجيا وليس كما يصور أنه حدث كرة واحدة فأفرغ اليمن من أهله. هذه فكرة شعبية أكثر منها علمية.

وبقيت اليمن في عهد الراشدين تشكل ولاية تم تقسيمها إداريًا بين ولاة يتبعون مركز الخلافة، وهذا أمر طبيعي في سياق تحول الجزيرة كلها إلى دولة واحدة.

من هذه اللحظة تفترق المواقف: هل سنبقى مع يمن الأمس لنقول إنه فقد استقلاله وألحق بغيره، أم سنقول إن اليمن بحكم التطور السياسي الذي نتج عن الدعوة الإسلامية دخل في طور جديد وصار جزءً من عالم الإسلام، ويعامل منذ اللحظة معاملة الجزء الملحق بالكل. والقول الثاني هو الواقع التاريخي الجديد ولا يجوز إلِّا الأخذ به، لاسيما وأن هذا الواقع الجديد لم يلغِ لا اليمن ولا أهل اليمن بل عرفوا باسمهم وحسبت لهم الأدوار المختلفة باسمهم حيث حلوا.

المركز والأطراف في الخلافة الإسلامية:

تساءل بعض الزملاء عن كيفية ممارسة السياسة في اليمن وقد صار ولاية تابعة؟ وما الذي صنعه الولاة لليمن؟ وهو سؤال مهم يتعلق بطبيعة ممارسة السلطة وهل كانت فقط لتحصيل الأموال وإرسالها إلى الخلافة؟

والأموال وتحصيلها وطرق تحصيلها وإخراجها من اليمن نحو مركز الخلافة كانت على الدوام حاضرة ومثار خلافات وسببًا للثورات، وهذا معناه: اقتصار أهمية اليمن بوصفها ولاية على أنها مجال جغرافي دافع للأموال بحكم ما يمتلكه من موقع أو أنشطة اقتصادية مختلفة. 

ما الذي يبقى في اليمن من الأموال وكيف يستخدم وما هي المشاريع التي نفذها الولاة؟ كل هذه الأسئلة مجاب عليها في المصادر، حسب المتوفر من المعلومات ومعها يمكن معرفة ماذا صنع هذا الوالي أو ذاك، لكن لابد من إبراز فكرة (العلاقة المالية) وأنها هي التي غلبت في العلاقة بالمركز وأخذت في الزمن الأموي والعباسي تعتمد على المدفوعات وما تدره اليمن أو غيرها من الولايات. والسبب بسيط وهو أن طبيعة السلطة في الإسلام قد قامت على التغلب بعد خلافة الراشدين، ومعنى التغلب هو إخضاع كل شيء لإرادة الحاكم بقوة دون حسيب ولا رقيب. والحاكم يحتاج الأموال لجيش دولته ومنافعه وملذاته.

صحيح أن الخلافة الأموية اهتمت بالفتوحات في سياق علاقات القوة الجديد في المنطقة، لكن ممارسة السلطة بقي (تغلبًا) ومعتمدًا على المدفوعات التي فرضت على المسلمين كحق للدولة، وتدفع لمن يحكم، ومن يحكم يتصرف فيها كيف شاء تحت سمع وبصر من عينه. وقد كانت هذه العلاقة المالية في معظم أطوارها من الظلم الشديد الذي جَّر ثورات كثيرة.

هذه "العلاقة المالية" إن شئنا التسمية، هي التي حكمت العلاقة بين المركز والأطراف بشكل أساس، والتفاصيل هنا كثيرة وداعمة لهذه الفكرة.

وكل جهد بذل للحفاظ على المجال الجغرافي الواسع في الدولة العباسية مثلًا، يكون وراءه الحفاظ على الامتداد الجغرافي الواسع الذي يدر المال على مركز الخلافة (أمطري حيث شئت فإن خراجك آت إلي) هذا قول هارون الرشيد للسحابة وهي تمر فوق رأسه، حتى لو لم يقلها ففيها تعبير مركز عن طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف.

ونخلص إلى أن الذي حكم العلاقة بين المركز والأطراف هي (العلاقات المالية والحرص على الخراج). وهذا أصلاً سار في كل الدول القديمة وأن اتساع رقعة الحكم أو ضيقه له علاقة بكثرة المدفوعات وقلتها.

وقد دخلت اليمن في هذه العلاقة وصارت مسرحًا بعد ذلك للطامحين في الحكم، ولم تتغير طبيعة الحكم رغم تغير القوى. سيادة مبدأ التغلب لا يجعل للشعب حضورا إلِّا دافعًا وممولاً. وهذه مرحلة في التاريخ تجاوزها غيرنا وما نزال نحن نخوضها تحت مسميات مختلفة.

أ. جميل الأشول:

خلاصة رائعة أستاذنا بروف/ أحمد. وأضيف عليها، نزح عدد كبير من أهل اليمن باتجاه شمال الجزيرة العربية للمشاركة في حركة الفتوح الإسلامية، بناء على دعوة الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حين وجه إليهم أنس بن مالك رضي الله عنه، فاستجابت لذلك القبائل اليمنية، فقال شاعر حمير مخاطباً الخليفة: -

أتتك حمير بالأهلين والولد

أهل السوابق والعالون في الرتب.

الحرب عادتنا والضرب همتنا

وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب

دمشق من دون كل الناس أجمعهم

وساكنيها سأهويهم إلى العطب.

وهكذا خرج من اليمن كل من يعتد به من ملوكها ورؤسائها وذوي الرأي والشجاعة والنجدة، بل حتى ذوي الخطابة والشعر، واشترك اليمنيون في فتح العراق، والشام، ومصر، وشمال أفريقية، والأندلس، وقد وجد الفاتحون في المهاجر الجديدة الراحة، فأغراهم ذلك بالاستقرار، وعدم العودة إلى الوطن الأم.

د. عبد الرب الصنوي:

ذكرتم أستاذنا المتميز أن مصطلح " الدولة الإسلامية " يقتضي تساؤلاً مهما وهو: ما المقصود هنا بهذا الاصطلاح؟ وبحسب متابعتي المتواضعة لم أفهْم أنه تمَّ التطرق لهذه الجزئية، وبحسب ما أطلعت من أراء؛ هناك من ينكر هذا المصطلح لأنه لا يعبٌر عن حقيقة تاريخية أو حتى دينية تستغرقه، بقدر ما يخدم قضية سياسية صرفه، باعتباره مصطلحًا تضليليًا يسيء إلى الإسلام الدين السامي النقي من شوائب البشر.

كنت أرجو أن تفتتحوا نقاش هذه الجزئية بما لكم من تمَيٌز وقدرة على تسليط أضواء وإنارة زوايا فكرية تهدي الكثير من متابعيكم إلى ما يخدم حقائق التاريخ، والثقافة العلمية والإنسانية.

ا. د. أحمد السري:

ما هو المصطلح الذي ينكره آخرون تحديدًا. هل تقصد الدولة الإسلامية؟ وأنه بعيد عن الخلافة مثلًا. نجد التسمية أمر طبيعي ولا مشاحه في الاصطلاح كما يقول الأصوليون، طالما أدى المعنى المراد.

 كلمة الختام

كلمة الختام: مدير الجلسة.

ا. د. أحمد السري:

وختامًا ... لكم مني جزيل الشكر والتقدير وخالص تحياتي لكم جميعًا.

مع عظيم تقديري للجميع

(الجزء الأول)

التعليقات (0)