امتداد دولة الأيوبيين إلى اليمن ودورها في مقاومة الغزو الصليبي (2)

 منتدى المؤرخ الحصيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقــة الثالثة عشر

امتداد دولة الأيوبيين إلى اليمن ودورها في مقاومة الغزو الصليبي

13رمضان 1443هـ / 14أبريل 2022م

رئيس الجلسة

د. علي بركات

  • ما أسباب السقوط؟

إن من الأسباب الرئيسة وراء أفول نجم الدولة الأيوبية في سماء اليمن السياسي يعود إلى مسألة هامة لم يذكرْها المؤرخين وهي أنه بوفاة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي في عام (589هـ / 1193م) والتي كانت بمثابة إرهاصا إلى جنوح الدولة الأيوبية عن سماء مصر والعالم العربي والإسلامي ويقول الدكتور قاسم عبده قاسم في تلك المسألة: "بوفاة صلاح الدين حدث فراغ سياسي وعسكري على الجانب الإسلامي؛ إذ إن خلفاءه جاءوا على غير شاكلته، وتفسخت دولته عقب وفاته مباشرة وتنازع أجزاءها ورثته من أبناء البيت الأيوبي". فكانت الصراعات الدامية الداخلية بين البيت الأيوبي نفسه من ناحية وسلاطين أيوبيين ضعاف لم يكونوا بطموح السلطان صلاح الدين الأيوبي ورباطة جأشه وحكمته وحنكته في الشئون السياسية والعسكرية وقامته السياسية تولوا من بعده مقاليد حكم السلطنة الأيوبية من ناحية ثانية مما كان لها تداعياتها الخطيرة في أفول الأيوبيين في اليمن.

فعندما كانت هناك شخصية قوية حازمة ممسكة بزمام أمور حكم الدولة الأيوبية في مصر مثل السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي. كانت هيبة الدولة الأيوبية تفرض على المناوئين لها أن يتواروا عن الأبصار وأن تخضع لها العباد والبلاد، وعندما رحلت تلك الشخصية القوية صلاح الدين الأيوبي عن مسرح الوطن العربي والإسلامي السياسي - كما ذكرنا سابقًا - لم يستطيع خلفاءه مثل أبناءه أو أخيه السلطان العادل محمد المتوفى عام (615هـ / 1218م) أو السلطان الكامل محمد المتوفى سنة (635هـ / 1239م) أن يبلغوا قامته السياسية، ويواصلون جهادهم ضد الفرنج الصليبيين. وفي عهدهم اندلعت الحروب الأيوبية – الأيوبية؛ مما أفقد الدولة الأيوبية هيبتها وتوازنها أمام المتحفزين للانسلاخ عن جسدها، وهذا ما ألقى بظله على اليمن المترامية الأطراف ذي التضاريس الطبيعة الوعرة، فسعى الحكام المحليين أو العناصر اليمنية الأصيلة إلى التحرك ضَّد الأيوبيين مثلما حدث في حضرموت وغيرها كثير من مناطق اليمن، بل أن نواب الأيوبيين في عدن و زبيد، طمعوا بالاستقلال عن الدولة الأيوبية وذلك بسبب انشغالهم بمحاربة الصليبيين من ناحية وخصومهم الأيوبيين من ناحية أخرى وكان من الطبيعي أن تنقطع جسور الاتصال بين نوابهم في اليمن وبينهم أو بمعنى آخر بين الأطراف والمركز . وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد الشمري:

"... أن تمرد نواب الأيوبيين في اليمن يعود إلى عوامل عده، منها: وفاة السلطان توران شاه، فشعروا وكأن ارتباطهم بالدولة الأيوبية قد انتهى، ذلك لأنه هو الذي عينهم نوابا من قبله، وتأصلت تلك الفكرة، بسبب عدم إرسال الأيوبيين من يتفقد أحوال اليمن بعد مغادرة توران شاه لها ثم وفاته، إضافة إلى غرور هؤلاء النواب وطمعهم في الاستحواذ على المناطق الخاضعة لسيطرتهم وجباية الأموال الطائلة منها لتحقيق مآربهم الخاصة، وبصفتهم رجال حرب لا رجال إدارة ودولة؛ وطمعوا في الاستقلال والانفصال كل في جهته".

ويضيف قائلاً:

"فخطب لهم على المنابر، وتشبهوا بالخلفاء والسلاطين، مما أثار روح الحسد والمنافسة فيما بينهم، وتطورت إلى إثارة مشكلات وحروب، سببت الويلات والكوارث في البلاد بسبب ما نجم عن تلك الحروب من خراب ودمار، وقتل، ونهب، مما أدى إلى تفكك البلاد داخليا وانقسامها وضعفها ".

ثالثًا: الدولة الرسولية في اليمن من التأسيس إلى النهوض الحضاري.

(626 - 858هـ / 1229م – 1454م).

هناك اتفاق بين معظم المؤرخين والعارفين بالتاريخ اليمني على أن عصر الدولة الرسولية (626 - 858هـ / 1229م - 1454م) كان أزهى عصور اليمن خلال العصور الإسلامية الوسيطية، سواء من الناحية السياسية، أو الإدارية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الحضارية، وكما يقول مؤرخ اليمن وقاضيها إسماعيل بن علي الأكوع فقد كانت الدولة الرسولية:

"أبرز دول اليمن الحضارية، وأخلدها ذكرًا، وأبعدها صيتًا، وأغزرها ثراء، وأوسعها كرمًا وإنفاقًا..، ويعتبر عصرها عزة في جبين اليمن في عصرها الإسلامي، ذلك لأن عصرها كان أخصب عصور اليمن ازدهارًا بالمعارف المتنوعة، وأكثرها إشراقًا بالفنون المتعددة، وأغزرها إنتاجًا بثمرات الأفكار اليانعة في شتى ميادين المعرفة".

- نسب بني رسول:

يرفع النسابون نسب الرسوليين إلى "جبلة بن الايهم الغساني" والغساسنة فرع من قبيلة الأزد اليمنية التي نزحت إلى شمال الجزيرة بعد تهدم السد وسادوا في بلاد الشام، وفي أزمنة لاحقة سكن أحفاد ابن الايهم بلاد التركمان وتكلموا لغتهم ومن هنا جاء الوهم عند بعض النسابة فجعلوهم تركمانًا. أما الجد القريب للرسوليين فهو "محمد بن هارون" الذي استوطن العراق ودخل في خدمة أحد خلفاء بني العباس الذي وثق بحكمته وفصاحته فجعله رسوله إلى الشام ومصر حتى غلب عليه لقب رسول فصار علمًا عليه وعلى أسرته من بعده، ثم انتقل رسول هذا من العراق إلى الشام ومن هناك إلى مصر.

فلما استوثق الحكم للأيوبيين في مصر أدخلوا أبناء رسول في خدمتهم ومكنوهم من اليمن، فكان في اليمن من بني رسول خمسة صحبهم توران شاه، أحدهم المؤسس سالف الذكر نور الدين عمر بن علي بن رسول الذي جاهد مع الأيوبيين في اليمن لتوطيد دولتهم حتى آلت إليه الأمور.

- نشأة الدولة الرسولية:

حكمت الدولة الأيوبية اليمن في الفترة من (569 - 626هـ / 1173- 1229م)، فقضَوْا على عدد من الإمارات فيها وجمعوا أمرها، فأنهَوْا حكم بني هَمْدان في صنعاء، وبني مهدي في زَبِيدَ، وبني زريع في عدن.

وكان آخر الولاة الأيوبيين في اليمن السلطان المسعود الأيوبي، الذي تمكَّن من فرض هيبة الأيوبيين على مختلف القوى والمنافِسِينَ في اليمن، والذي عاد إلى الشام عام 626هـ مُخْلِفًا الأمير نور الدين عمر بن علي بن رسول نائبًا له في اليمن، والذي تمكَّن هو وإخوته من السيطرة على الأمور في اليمن، وتحقيق انتصارات مُهِمَّة على المنافِسِينَ؛ فَعَلَتْ بذلك مكانتُهم وعظمت قوَّتهم، والذي مهَّد لظهور الدولة الرسولية.

وتُعَّد دولة الرسوليين التي اتخذت من تعز عاصمةً لها من أطول الدول عمرًا في تاريخ اليمن الوسيط؛ إذ استمرت قرنان وثلث القرن، وحكمها خمسةَ عشرَ ملكًا أولهم: نور الدين عمر الرسولي وآخرهم المسعود وهو أبو القاسم صلاح الدين بن الأشرف الرسولي، ويجعل بعض المؤرخين من المؤيد وهو منافس المسعود في الحكم آخر الملوك، لكن كليهما انتهى أمره في العام 858هـ / 1454م على يد الطاهريين.

  • الملك المنصور عمر الرسولي (626 – 647هـ / 1229 – 1249م)

وقد أعلن الرسوليون استقلالهم عن الدولة الأيوبية في مصر في عام 630هـ/ 1232م، وخطبوا للخليفة العباسي المعاصر لهم، بَعْدَ أن طلبوا منه أمرَ نيابة مباشر عنهم في اليمن دون وساطة الأيوبيين، وتمكَّن الرسوليون - وبقيادة مؤسِّس مُلْكِهم الملك المنصور- من توحيد اليمن كله تحت حكمهم، من حضرموت جنوبًا وحتى مكة شمالًا، وبسطوا سيادتهم الفعلية على كل جهات اليمن، ودخلوا مناطقَ وحصونًا لم يستطعها قبلهم الأيوبيون، ودانت لهم القبائل والأُسَرُ الحاكمة، كالأئمة الزيديين في صعدة وجهاتها، وآل حاتم في صنعاء وما حولها.

  • الملك المظفر يوسف الرسولي (647 – 694هـ / 1249 – 1295م).

لقد جابه الرسوليون توثُّبات قوًى مختلفة، وجابهوا قوى زَيْدِيَّة بزعامة الإمام المهدي أحمد بن الحسين من جهة، ثم بزعامة أبناء وأحفاد الإمام عبد الله بن حمزة، وهم مَن تُطْلِق عليهم المصادرُ إجمالًا لقبَ الحمزات، وقد دخل الأئمة الحمزات في حرب تنافُسِيَّة على السيادة والنفوذ مع الإمام المهدي أحمد بن الحسين، وأُذِيقُوا شرَّ الهزائم، وخسروا كثيرًا من مواقعهم قبل أن يتدخَّل المظفَّر الرسولي إلى جانب الحمزات ويُمَكِّنهم من النصر، فاعترف الأئمة بسيادة الرسوليين على البلاد. كما جابه الرسوليون تمردًا من سلطان حضرموت سالم بن إدريس، فأرسلوا له حملات برِّية وبحرية انتهت بهزيمته ومقتله.

  • الملك الأشرف عمر الرسولي (694 – 696هـ / 1295 – 1297م).

يأتي بعد المظفَّر يأتي الملك الأشرف، فيدخل في حرب قصيرة مع أخيه المؤيَّد غير المعترف بحكم أخيه، لكن الموت يُعاجِل الأشرف الرسولي بعدما يَزِيد قليلًا عن العام.

  • الملك المؤيد داوود بن المظفر الرسولي (696 – 721هـ/ 1297 – 1321م).

يأتي أخوه المؤيد فيحكم اليمن لخمس وعشرين سنة، يتمكَّن خلالها من ترسيخ هيبة الدولة عَبْرَ قضائه على التمرُّدات في المِخْلاف السُّلَيْمَاني بتِهَامة، ومقاومته لوثبات الأئمة الزيديين في الجبال.

  • الملك المجاهد على الرسولي (721- 764هـ/ 1321- 1363م).

يخلف المؤيَّد ولده المجاهد علي، الذي يبقى في الحكم ثلاثًا وأربعين عام، يُجابِه فيها أعنف وأعتى التمرُّدات ضدَّ مُلْكِه من مختلَف الأطراف، حتى شهدت السنوات الأخيرة من حكمه تصدعًا في وَحدة اليمن السياسية، إذ لم يَمُتِ الملكُ المجاهد إلا وقد تمكَّن جيل جديد من الأئمة الزيديين في القسم الأعلى من اليمن، أمثال المتوكِّل مطهر بن يحيى، وابنه محمد بن المطهر، ثم المهدي علي بن محمد، والناصر صلاح الدين، وابنه المنصور علي، من بناء قوَّة جديدة لهم مكَّنتهم في الثلث الأول من القرن الثامن الهجري من السيطرة على القسم الأعلى من اليمن حتى ذمار، وسَلَخَهُ من جِسْم الدولة الرسولية، لتتقوَّض من جديدٍ أركان الوَحدة اليمنية للمرة الثانية بعد الصليحيين.

  • خلفاء الملك المجاهد على (764 – 858هـ / 1363م – 1454م).

خلف المجاهد ابنه الأفضل، وجاء بعده الملك الأشرف الثاني، ثمَّ الملك الناصر، ليعقبه الأشرف الثالث، ثم الأشرف الرابع، ثم يأتي المَلِكَان المتنافسان: المظفَّر والمفضَّل، ثم يليهم الملك الناصر الثاني ليُخْلَع، وليتمَّ تنصيب الملك المسعود آخر ملوك بني رسول، ليذهب هو ومنافسه المؤيَّد.

- الصراعات الداخلية وأثرها في سقوط دولة بني رسول.

وفي أزمنة هؤلاء الحكام تميَّزت فترات حكمهم في المحافظة على مناطق نفوذ الدولة الرسولية، وفي القضاء على التمرُّدات المختلفة، ثَّم بالقضاء على التمرُّدات داخل البيت الحاكم، وهي التي قام بها الإخوان والأعمام ضدَّ بعضهم مستعينين بقوى المماليك، والتي حاول الملك الأشرف الثالث التنكيل بهم لإخراجهم من حسابات القوَّة مُحْرِزًا بعض النجاح، كما قامت حرب بين الملك "الناصر الرسولي" وإمام الزيديَّة "علي بن صلاح الدين"، عندما حاول الأخير غزو بلاد رداع التابعة للرسوليين والمحكومة من قِبَلِ ولاتهم آل معوضه، جدود المؤسِّسين لدولة بني طاهر فيما بعدُ، وهم الذين وفدوا على آل رسول أول الأمر عام 817هـ/ 1414م، ثمَّ عام 842هـ/ 1438م، ليأخذوا بعد ذلك في تقوية أنفسهم في جهاتهم، في وقت أخذت فيه الدولة الرسولية تزداد ضعفًا جرَّاء المنازعات الأُسَرِيَّة على السلطة، وهي التي مزَّقت دولة الرسوليين بين المتنافسين على السلطة، وكانت آخر المنازعات الحربية بين الملك المسعود الذي استطاع استعادة التهائم وعدن؛ ليزحف من هناك إلى تعز؛ لطرد الملك المظفَّر الثاني منها.

وقد استغل مماليك تهامة الحرب بين الملكين ليُشَدِّدوا قبضتهم على تهامة، ولينصبوا الأمير حسين بن الملك الظاهر ملكًا، ويلقِّبوه بالمؤيَّد في العام 855هـ/ 1451م، لنجد أنفسنا أمام ثلاثة ملوك رسوليين في وقت واحد، يتنازعون المُلْكَ والسيادة، وقد شجَّع هذا التنازع الصريح بين آل رسول ولاتهم وحلفاءَهم من بني طاهر على الطمع في وراثة أسيادهم من بني رسول، وذلك بدخولهم عدن عام 858هـ/ 1454م، وأُسِرَ الملكُ المؤيَّد آخر حُكَّام بني رسول.

- الإنجازات الحضارية لدولة بني رسول.

لقد تميَّز حُكم بني رسول طويل الأمد - بغضِّ النظر عن التاريخ السياسي الحربي- بكثير من الإنجازات المهمَّة في مَيْدان العلم والتِّجارة والزراعة والطب؛ فقد بنَوا المدارس الكثيرة، وأجزلوا العطاء للعلماء، وبرز في زمانهم العلماء والشعراء في كل فٍن، وكان كثير من ملوك بني رسول علماءَ وشعراءَ وأصحاب رأي ومؤلِّفي كتب في فروع المعرفة المختلفة، ولا تزال مدينة تعز إلى يومنا هذا تتزيَّن بمنجزاتهم العمرانية، كجامع المظفَّر وجامع الأشرفية، ومدرسة الأشرفية، وحصن تعز المسمى الآن قاهرة تعز، إضافة إلى آثار المدارس الفقهية.

القسم الثاني

(الأسئلة والمداخلات)

أولاً: الأسئلة والإجابة عنها

أ. حزام مثنى:

ما شاء الله الدكتور/ علي بركات جمع وأكمل، ونود فتره زمنيه للاطلاع على ما طرحه.

د. رياض الصفواني:

ما شاء الله دكتور علي نحتاج يومين نقرأها قراءة تمعنيه معمقة.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

شكرًا دكتور علي على هذا العرض. ولفت انتباهي في بداية هذه المقالة قولك إن عدن كانت تمثل لـ "صلاح الدين" موقعًا استراتيجيًا ومهمًا لصدامه مع الصليبين في البحر الأحمر.

والسؤال: كيف تمكن الصليبيون من الوصول إلى البحر الأحمر ونحن في عصر لم تكن قد حفرت فيه قناة السويس أو اكتشفت فيه طريق رأس الرجاء الصالح؟

وأيضًا منح صلاح الدين اليمن لتكون بمثابة إقطاعية خاصة لـ "توران شاه"، فهل يؤكد ذلك ما يقال عن عصر صلاح الدين أنه كان عصرًا إقطاعيًا، وهو ما قد يخلخل المكانة الوردية البارزة لصلاح الدين في أذهاننا كقائد مقاومة ورجل تحرير.

د. علي بركات:

تحياتي لك د. عبد الله أبو الغيث.

صلاح استند في توسعه باتجاه اليمن خاصة والبحر الأحمر من خلال الخلفية التي أسميتها وردية في مجابهة الصليبيين، أما بالنسبية لمسألة الإقطاع فمثل وسيلة من وسائل إدارة الدولة المترامية الأطراف وكجزء، من منظومة ذلك العصر الإدارية والاقتصادية

أ. حزام مثنى:

أضف إلى طرح الدكتور/ علي. ما يلي:

تمكن السلطان صلاح الدين الأيوبي من إنشاء ملك خالص له في مصر ابتداء من عام 567 هـ على أنقاض الفاطميين، ومَدَّ سلطانه إلى الشام ليرث مملكة نور الدين الزنكي ، صاحب الفضل الأول في صعود نجم الأسرة الأيوبية، ومع ذلك أبقى صلاح الدين على ولائه للخلافة العباسية في بغداد، والتي أعانته في إضفاء شرعية على طموحه في توسيع مملكته، وكان على صلاح الدين الذي أخذ يحل في مصر قواعد المذهب السني الشافعي محل المذهب الفاطمي الشيعي - أن يتابع جهاده ضَّد الصليبيين الذين ظهروا على مسرح الأحداث في الشام ومصر مع نهاية الحكم الفاطمي. وكان طموح صلاح الدين في تأسيس مملكة واسعة له قد أقنعه بضرورة إرسال حملة إلى اليمن لضمها إلى مصر والشام في مجابهته للصليبيين، خاصة وأن اليمن كانت تابعة للدولة الفاطمية المنهارة، وإلى جانب الطموح السياسي لصلاح الدين في ضم اليمن إلى ملكه.

أ. أمين المجمر:

عرض ممتع وفقك الله دكتور علي. أضف إلى ما سبق دكتور هو تأثر ولاية اليمن الأيوبية بالصراعات الأيوبية في مصر بين أولاد صلاح الدين.

د. علي بركات:

مداخلة جيدة أستاذ حزام.

أ. حزام مثنى:

إن سمح لي الدكتور/ علي بركات بهذه المداخلة.

فإنه كان من الأهم قبل ان نخوض في الحديث عن الأيوبيين في اليمن ودورهم أن نوضح الحالة بجميع جوانبها التي عاشتها اليمن قبل مقدم "توران شاه".

د. علي بركات:

نعم. أستاذ أمين لاشك إن الصراعات الداخلية اليمنية - اليمنية مهدت لتلك السيطرة؛ إذ ان تلك  المنازعات السياسية بين حكام اليمن قد تركت  أثرها الواضح في تسهيل، مهمة مد دولة صلاح الدين في مصر باتجاه اليمن وتوسيع رقعتها الجغرافية، فقد كانت عدن ومخلاف في يد بني زريع، وكانت صنعاء وبعض مخاليفها في يد بني حاتم وكانت صعده والجوف في يد الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان وكان المخلاف السليماني في يد الشريف غانم بن يحيى بن حمزة وزبيد وما حولها في يد عبد النبي مهدي الحميري، وكانت الخلافات مستفحلة بين تلك الأطراف السياسية الحاكمة كتلك التي دفعت بين حاكم مخلاف السليماني الشريف غانم، وبين حاكم زبيد إبان وصول عسكر بني أيوب إلى اليمن مما سهل مهمة فتح اليمن ومد سيطرتهم فوق أراضيها.

د. حسن المراني:

ما شاء الله دكتور علي بركات غطيت معظم جوانب الحلقة، لكن - لي تعقيب بسيط - على العوامل التي دفعت الأيوبيين لضم اليمن للدولة الإسلامية: -

أولًا: نرجح قوة الجانب العقائدي عند الناصر صلاح الدين والذي عانى كثيرًا من الصليبيين أثناء حملاتهم على مصر وحوصر أكثر من مرة ولم يخفى عليه خطرهم على الإسلام والمواجهة لهم لا تكن إلا بتوحيد الأمة الإسلامية تحت راية واحدة ولما كان يدرك خطر تحالف بعض القوى الإسلامية معهم فقد وجب توحيد الأمة عسكريا وفكريا.

ثانيًا: تجرع أهل اليمن الويلات من قبل الجماعات المتطرفة والمتعصبة وارتفعت أصوات المظلومين واستغاثوا بالخليفة العباسي ومنهم أشراف المخلاف السليماني الذين استغاثوا بالخليفة من ظلم ابن مهدي وبطشه بهم.

ولا يخفى علينا رسالة ابن النساخ المطرفي التي أرسل بها إلى الخليفة العباسي يستغيث به من الظلم الذي تعرضوا له من قبل الإمام "عبد الله بن حمزة" وهي رسالة بليغة نثرًا ونظمًا وقد تناولتها عدة مصادر. وأمام ذلك أرسل الخليفة العباسي إلى صلاح الدين يستعجله بالذهاب الى اليمن وإنصاف المظلومين.

أ. أمين المجمر:

وهذا يؤكد الحالة التي كانت عليها اليمن من صراع وتمزق بفعل وجود كيانات سياسية متناحرة بفعل البعد المذهبي لكل كيان.

أ. حزام مثنى:

طرح جميل ورائع ومنكم نستفيد ونتعلم. أضف إلى ذلك:

أن من أهَّم أسباب التواجد الأيوبي في اليمن استياء أهل تهامة من أميرهم "عبد النبي بن علي بن مهدي" الذي تمادى في سفك الدماء ونهب الأموال فطلب أهل تهامة من صلاح الدين تخليصهم من ظلم وجور حاكمهم.

ومن أهم الأسباب أيضًا: حرص صلاح الدين بعد خلافاته مع نور الدين زنكي في السيطرة على بلد بعيد يلجأ إليها إذا ما طرده نور الدين محمود من مصر لذلك كان اختياره على النوبة واليمن.

د. علي بركات:

أشكرك د. حسن على هذه المداخلة التي تنم عن وعي كبير بعوامل ضم صلاح الدين لليمن، ولا شك أن صلاح الدين الأيوبي كان تشبع بفكرة توحيد الجبهة الإسلامية على يد عماد الدين زنكي ومجاملته لابنه نور الدين محمود وهم مؤسسي "الدولة الزنكية" ولازمته الفكرة حتى صار وزيرًا للفاطمية ثم سلطانًا للأيوبية.

وبالفعل كانت هناك مراسلات يمنية للسلطان الناصر على خلفية انتصاراته على الصليبين تشكو إليه انقسامات أهل اليمن وتدعوه للتدخل وسوف نشير لتلك العوامل تباعًا في حلقة الليلة.

د. عبد الفتاح قاسم الشعيبي:

حياك وأبقاك زميلنا العزيز الدكتور/ علي بركات شاكراً جهدك في المشاركة بهذه المعلومات وإدارة حلقة اليوم حول الأيوبيين في اليمن.

كل ما ورد في هذه المقتطفات عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية هو من كتابي عن ذلك في عصر الدولة الأيوبية في اليمن تناولت في - مقدمة كتابي - عن العوامل الرئيسة التي دفعت الأيوبيين للسيطرة على اليمن وتوسع نفوذهم فيها، والكتاب الذي صدر عن مطابع جامعة عدن وعلى نفقة الجامعة عام 2013 م هو في الأصل أطروحة دكتوراه ناقشتها في جامعة صنعاء في 9/ 9/ 2009م، وكان المشرف الرئيس عليها الأستاذ الدكتور/ محمد عبده محمد السروري - رئيس قسم التاريخ حينها في كلية الآداب جامعة صنعاء أطال الله في عمره، والمشرف المشارك الأستاذ المشارك الدكتور محمد صالح بلعفير من كلية الآداب - جامعة عدن.

لمن يريد التعرف عن الحياة الاجتماعية بكل تفاصيلها والحياة الاقتصادية بكل تفاصيلها في عصر الدولة الأيوبية في اليمن عليه بالرجوع إلى الكتاب فهو متوفر في أغلب المكتبات في عدن ونسخ منه تَّم تسليمها للأستاذ الدكتور - رحمة الله تغشاه - عبد الرحمن عبد الواحد الشجاع له ونسخ في مكتبته القريبة من كلية الآداب صنعاء، وكذلك تَّم تسليم نسخ للأستاذ الدكتور محمد عبده السروي أطال الله في عمره، كما أشرفت كذلك على رسالتي ماجستير في جامعة عدن، الأولى عن "الجيش في اليمن في عصر الدولة الأيوبية"، والثانية عن المعارضة القبلية للأيوبيين في اليمن، وهناك أطروحة دكتوراه يتم إعدادها حالياً من قبل عضو هيئة تدريس في جامعة عدن عن القوى المحلية في اليمن ومقاومتها للوجود الأيوبي. أمنيات التوفيق لكم جميعاً في إدارة حلقتكم النقاشية.

د. علي بركات:

مرحبًا بزميلي العزيز وأخي الدكتور عبد الفتاح.

نعم. وأنت المتخصص بالدولة الأيوبية ولديك كذلك بحث عن الجيش في عصر الدولة الأيوبية. وأعتز كثيرا أني استعنت كذلك بما كتبت عن الدولة الأيوبية وهي من الدراسات الوافية والشاملة. وأتمنى عليك مؤرخنا العزيز؛ الحديث عن مسألة ولو بشكل مقتضب عن الجيش في العصر الأيوبي لتكتمل أركان هذه الأمسية.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

أخبرني الدكتور محمد الكامل - يرحمه الله - في نقاش معه أن إمبراطور الصين المعاصر لأحد سلاطين الدولة الرسولية - ربما المظفر إن لم تخني الذاكرة - اضطهد المسلمين في دولته ومنعهم من ختان أطفالهم. ولما كانت الدول الإسلامية في العراق والشام ومصر مشغولة بالغزوات القادمة من خارج بلاد المسلمين لم يجْد مسلمو الصين إلِّا الاستنجاد بالسلطان الرسولي، الذي بدوره طلب من إمبراطور الصين رفع الاضطهاد عن المسلمين في الصين، مهددا بقطع العلاقات التجارية بين البلدين في حال عدم الاستجابة.

فاستجاب ملك الصين لطلب السلطان الرسولي خوفًا على مصالح بلاده الاقتصادية؛ وذلك دليل على المكانة التي كانت تحتلها اليمن في عصر الدولة الرسولية. فحبذا لو يتم تعريفنا بطبيعة العلاقات الخارجية للدولة الرسولية التي ربطتها بالعالم المعاصر لها.

د. سعيد إسكندر:

نعم. دكتورنا الفاضل راسل المسلمون المك الأشرف وما كان منه إلِّا أن راسل ملك الصين وبعث له بعض الهدايا طالبًا منه كف الأذى عن المسلمين والسماح لهم بممارسة شعائرهم الإسلامية ومنها حقهم في ختن أولادهم.

د. علي بركات:

نعم دكتور/ عبد الله. هي حادثة مشهورة أوردها الخزرجي في العقود اللؤلؤية في عصر الدولة الرسولية وتناقلتها المصادر وتأتي من منطلق إن سلطان الدولة الرسولية كان يمثل من وجهة نظر الدول المركزية – آنذاك - وفي مقدمتها الصين والهند هو المرجعية الروحية والسياسية للمسلمين لاسيما في الحقبة التي امتدت نفوذ الرسوليين إلى مكة واستمرت سبع سنوات عقب سقوط بغداد بيد التتار، فكانت الهدايا والسفارات والمكاتبات تصل إلى تعز عاصمة الدولة في صورة تبعث على الاعتزاز بتلك الحقبة. وأما الحديث عن العلاقات الخارجية للدولة الرسولية فتحتاج إلى أمسيات عديدة للتعدد تفاصيلها، وحسبك فقط أنها شملت معظم الدول المركزية آنذاك.

وقد تناولت في أطروحة الدكتوراه خاصيتان صلات الحضارية للدولة الرسولية مع العالم الإسلامي لاسيما مصر والحجاز، وتنوعت صور تلك العلاقات بين تبادل السفارات ففي عهد "المظفر" فقط سجلت سبع سفارات لمصر مقابل سفارتين للمماليك وفي عهد المؤيد سجلت ثمان سفارات مقابل ثلاث سفارات للمماليك، وهكذا أرسلت السفارات مع بلدان ذلك العصر، ومن الصور كذلك تبادل المكاتبات مع البلدان أنشئت الدواوين لتلك المكاتبات وعقدت المعاهدات والاتفاقات، ومن الصور كذلك تبادل الهدايا والتحف كدلالة رمزية لتحسن العلاقات واسترضاء سلاطين الدولة واشتملت الهدايا على فرائد الطيور والحيوانات والطيب والحلي والمعادن النادرة وسائر الألعاب، وتبادل السلاطين المكاتبات مع الخلفاء العباسيين وقد وصل تقليد العباسيين للرسوليين، وتمَّ تبادل المراسيم والتوقيعات والمواكب  بل شملت كل أمور الاحتفالات السياسية وتبادل التشريفات ، ناهيك عن العلاقات الاقتصادية الواسعة والعلاقات بين الموانئ اليمنية والموانئ العالمية واستيراد المنتجات وتصدير أخرى ويحتاج الموضوع إلى تفصيل لا يتسع المقام للتوسع فيه.

د. سعيد إسكندر:

وهناك بعض الإشارات المهمة للدور العظيم للدولة الرسولية ومشاركتها في الجهاد ضد الصليبيين وإرسال الملك المظفر كتيبة عسكرية يمنية مكونة من ست مئةٍ مجاهد ظلوا مرابطين في مصر، وللرسوليين جهود كبيرة في الحبشة ودعم الجهاد ضد الوثنيين ودعمهم بالمال والرجال لـ "سعد ابن المجاهد" في الحبشة سلطان مملكة سلطنة - أوقات قد تخني الذاكرة.

د. علي بركات:

هي كتيبة بلغ عدد أفرادها الـ خمس مئةٍ مقاتل في أصح الروايات أوقف عليها المظفر الرسولي وقف دائم لتكون مساهمة أهل اليمن في حرب الصليبيين وكانت مدربة ومجهزة وتحمل على شواني خاصة.

د. سعيد إسكندر:

أحسنت دكتور مكونة من خمسِ مئةٍ فارس. كما أورد ذلك الخزرجي في العقود الجزء الأول، وكانت نفقات تلك الكتيبة تأتي من تعز عاصمة الرسوليين.

د. علي بركات:

كانت تجهيزاتها مثار اهتمام المؤرخين، ويكفي إشارة للبهاء الحضاري - في قرة العيون - أنه على الرغم من الازدهار الحضاري للأندلس إلِّا إن أمراء الأندلس استعانوا بأطباء اليمن ومنهم ابن السلطان الرسولي ذاته.

د. سعيد إسكندر:

نعم. وكذلك في بغية المستفيد في تاريخ مدينة زبيد.

د. علي بركات:

دلالة تلك الكتيبة في تقديري لا تنحصر في تجهيزاتها فحسب بقدر ما هي دليل قوي على دور اليمن في محاربة الصليبيين الذي يغفله الكثير من المؤرخين لاسيما والمظفر لم يربطها بسلطان مصري بعينه، وهي دلالة على استمرار أهل اليمن في نصرة الإسلام.

د. سعيد إسكندر:

إذا كان هناك إشارات لأمراء الأندلس فربما يقصد بهم أمراء "بني نصر" في الأندلس، لأنهم عاصروا الرسوليين على اعتبار إن الدولة الأموية في الأندلس كانت قد سقطت في بداية القرن الخامس الهجري قبل قيام الدولة الرسولية في اليمن.

د. سعيد إسكندر:

نعم دكتور. هذه إشارة إلى دور اليمنيين وإسهامهم في محاربة الصليبيين.

د. علي بركات:

كانت سنابك خيولهم تصل عاصمة اليمن تعز آنذاك في حرص واضح على ود سلاطين الدولة الرسولية.

د. نزار غانم السوماني:

أين ومتى كان لـ "بني رسول" نفوذ سياسي في بر سعد الدين الإفريقي؟

د. سعيد إسكندر:

في عهد السلطان الأشرف الثاني أشار إلى ذلك "ابن الديبع".

أ. حزام مثنى:

مرحبًا أساتذتنا الإجلاء. برأيك دكتور/ علي.

ما هي العوامل التي مكنت الأيوبيين من تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية في اليمن؟

د. علي بركات:

سؤال مهم وباختصار  يمكن القول - بحسب ما أشار إليه التكريتي وغيره من المؤرخين - إلى إن من العوامل التي مكنت الأيوبيين من تثبيت حاكميتهم في اليمن ما وفره الحكم الأيوبي في اليمن لنفسه من الكثير من الضمانات السياسية التي مكنته بالبقاء والاستمرار بالرغم من ضعف الحكم وفي بعض الفترات الزمنية منها ما سجله صلاح الدين من انتصارات في مصر وبلاد الشام على القوى الصليبية وخاصة في تحريره لفلسطين وبيت المقدس، مما لفت معه نظر الجماهير العربية والإسلامية، بأن تلتف حوله إلى جانب ما أسدله اعتراف الخليفة العباسي على حكمهم من شرعية وهيبة في النفوس ومن ضمنها اعترافه في حكمهم على اليمن واحتلالهم لمكة المكرمة فضلاً عما سجله الحكم الأيوبي بنفسه من انتصارات ساحقة على المعارضة القبلية والسياسية  في اليمن بالإضافة إلى ما أثبته حكمهم من تقدم على طريق البناء الحضاري.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

هل هناك بحث حديث يتحدث عن الدور اليمني في مواجهة الصليبيين وحتى التتار إن وجد؟ وهل تسعف المادة العلمية لتسجيل هذا الموضوع كرسالة أو أطروحة علمية؟

د. علي بركات:

لفتة جميلة الموضوع يستحق أن يفرد دراسة خاصة تجمع من بطوِن المصادر.

أ. حزام مثنى:

لكني أرى أستاذي الجليل ومن - وجهة نظري -، إن أهَّم ما يمكن ملاحظته على التاريخ السياسي للأيوبيين في اليمن؛ هو عدم استقرار حكمهم فيه على الرغم من امتداده لفترة زادت على الخمسين عاماً تعاقب في حكم البلاد خلالها ستة ملوك واتسمت معظمها بطابع الحروب كما اعتمدت سياسة دولتهم على القوة العسكرية في حكم البلاد.

وهذا يعود إلى عدة عوامل منها، تعدد مراكز القوى السياسية الموجودة في اليمن إلى جانب فقدان التجانس الفكري الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسلوب الحكم ونظامه، ومن بين تلك القوى الاشراف، وبنو حاتم إلى جانب انتشار النزعة القبلية بين غالبية سكان اليمن من العرب الذين أخذوا ينظرون إلى الأيوبيين وسلطتهم نظرة الرجل الغريب عنهم وعن بلادهم بدليل ما كانوا يطلقون على بني أيوب من الأسماء كالغز والأكراد، والأطماع الفردية كانت تلعب دورها الواضح في تحديد هوية الحكم باليمن.

د. علي بركات:

أشار لمثل  لذلك المؤرخ "محمود ياسين" في تقييمه لتاريخ الأيوبيين في اليمن  باعتبار إنه  على الرغم من كل مجهودات الأيوبيين في اليمن فأن ذلك لا يعني بأن الحكم الأيوبي لا يخلو من الصعوبات التي واجهها وعلى رأسها المعارضة السياسية والتي تكشفها سلسلة الوقائع والحروب التي خاضتها عساكرهم والتي استغرقت الكثير من الوقت وعلى مدى خمسين عاماً من حكمهم تقريباً، مما يفصح لنا أن حكمهم لم يستقْر، كما أنه لا يملك القدرة الكاملة في فرض هيمنته على جميع الأراضي اليمانية، وقد تمثل هذا في الفتنة التي عصفت بحكمهم على إثر وفاة الملك المعظم "توران شاه بن أيوب"، وأخيه سيف الإسلام "طغتكين".

د. سامي الوزير:

دكتور علي – برأيك - يعود تاريخ بناء سور صنعاء القديمة إلى عهد طغتكين بن أيوب كما تقول المصادر التاريخية.

د. علي بركات:

للإنصاف والموضوعية فعلى الرغم من انشغال سيف الإسلام "طغتكين" بحروبه مع القوى اليمنية المناوئة له، إلِّا إن المؤرخين أشاروا إلى اهتمامه بالجانب الحضاري؛ إذ شهدت فترة حكم سيف الإسلام طغتكين لليمن حروباً ومعارك متعددة أظهر خلالها شجاعة فائقة ومع ذلك فإن تلك الحروب لم تشغله عن الانصراف إلى البناء الحضاري فقد عين الأمراء نواباً على مدن اليمن وترك عند كل أمير ما يحتاج إليه من الخيل والعسكر هذا في مجال البناء الإداري أما في مجال العمارة والبناء فقد انصرف في فترة استقرار إلى بناء الدور وتشييد القصور بالإضافة إلى بنائه مدينة المنصورة.

أشاد الكثير من المؤرخين في سياسة دولته التي امتدت من زبيد إلى حضرموت، وما أن حل شوال من عام 593هـ/ 1199م، حتى توفي الملك المعظم سيف الإسلام طغتكين في مدينة المنصورة بعد أن دام حكمه ست عشرة عام، وهذا الكلام ذكره "المؤرخ التكريتي" في حديث عن تاريخ بني أيوب في اليمن.

أ. حزام مثنى:

عند معرفة وسماع السلطان "علي بن حاتم الهمداني" أحد حكام دولة بن حاتم بقدوم "توران شاه الأيوبي" إلى صنعاء قام بهدم السور وتكسير خنادقه، وفقاً لرواية المؤرخ "الحسن الخزرجي" التي أوردها فـي العسجد المسبوك؛ بهدف جعل الأيوبيين مكشوفين عند دخولهم المدينة مما يمكن بني حاتم من شن غارات سريعة وخاطفة بما يشبه حرب العصابات وقد قام السلطان "طغتكين" بإعادة بناء السور في أواخر  القرن السادس الهجري كما تم التوسع في العصر الأيوبي حيث امتدت باتجاه الغرب فيما عُرِفَّ ببستان السلطان فقد قام السلطان "طغتكين" تسوير الجزء المستحدث ووصله بسور المدينة القديمـة  بحيث أصبحت السائلة محصورة بين السورين  وقد تم توصيل جزئي المدينة بواسطة خنادق فوق السائلة وذلك لتسني مرور الناس وأمتعتهم ـ خاصة في الفترات التي تكون السائلة مليئة بمياه الأمطار.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

هدف من أهداف هذا النقاش تعريف الباحثين بمواضيع يمكن أن تكون عناوين لأبحاث ورسائل علمية مستقبلية.

د. علي بركات:

بالفعل. فهذه النقاشات تفتح آفاق للباحثين وتمثل جسور للتواصل بين مختلف شعب التاريخ الثلاث ومع المهتمين.

د. عبد السلام الصَّباري:

شكرًا دكتور علي. على هذا العرض الشامل، والشكر موصول لجميع الزملاء على مداخلاتهم واغناءهم للموضوع، فقط لدي بعض الاستفسارات عن: -

- العلاقة التي ربطت بين أهل التصوف وبين الرسوليين منذ عهد المؤسس "المنصور عمر بن رسول"، لاسيما علاقته بصاحبي عواجه (البجلي والحكمي)، ومن ثَّم ذيوع وانتشار التصوف وطرقه ورجاله طوال العصر الرسولي وتنافسهم وصراعهم مع الفقهاء.

- أود التوضيح عما أشرت إليه بخصوص استعانة بعض أمراء الأندلس بأطباء بني رسول.

(الإنتقال إلى الجزء الثالث)

التعليقات (0)