امتداد دولة الأيوبيين إلى اليمن ودورها في مقاومة الغزو الصليبي (3)

 منتدى المؤرخ الحصيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقــة الثالثة عشر

امتداد دولة الأيوبيين إلى اليمن ودورها في مقاومة الغزو الصليبي

13رمضان 1443هـ / 14أبريل 2022م

رئيس الجلسة

د. علي بركات

د. علي بركات:

بالفعل. فهذه النقاشات تفتح آفاق للباحثين وتمثل جسور للتواصل بين مختلف شعب التاريخ الثلاث ومع المهتمين.

د. عبد السلام الصَّباري:

شكرًا دكتور علي. على هذا العرض الشامل، والشكر موصول لجميع الزملاء على مداخلاتهم واغناءهم للموضوع، فقط لدي بعض الاستفسارات عن: -

- العلاقة التي ربطت بين أهل التصوف وبين الرسوليين منذ عهد المؤسس "المنصور عمر بن رسول"، لاسيما علاقته بصاحبي عواجه (البجلي والحكمي)، ومن ثَّم ذيوع وانتشار التصوف وطرقه ورجاله طوال العصر الرسولي وتنافسهم وصراعهم مع الفقهاء.

- أود التوضيح عما أشرت إليه بخصوص استعانة بعض أمراء الأندلس بأطباء بني رسول.

د. علي بركات:

أشكرك زميلي دكتور عبد السلام على هذه الملاحظات الهامة حول علاقات الرسولية بالتصوف، فقد كانت هناك ثمة تحالف - إن جاز لنا التعبير - بين مشائخ الصوفية وسلاطين الدولة الرسولية بل كان التصوف هو مذهبها الغالب.

وفي تقديري نجحت الصوفية في الاستقواء بالدولة في صراعها مع الفقهاء وهم يعادلون السلفية اليوم، وبالمقابل استفاد السلاطين الدولة الرسولية من مشائخ الصوفية في إضفاء الشرعية الدينية لحكمهم من خلال الكرامات والنبوءات حول مرائي حلم بها أقطابهم أنه سيحكم اليمن سلطان عظيم يبث الأمن والأمان، والمعني به "نور الدين عمر المؤسس"، وكذلك استفاد السلاطين من أقطاب الصوفية بالترويج للنسب العربي الغساني للرسوليين وقد تصدر لهاتين المسألتين كل من الصوفي محمد الحكمي والصوفي محمد البجلي وهما من كبار أقطاب الصوفية فأخذا يروجان مقالتهما السابقة بملكه اليمن، ويشيعان ذلك سراً ثم يذيعانه مقدماً لتهيئة النفوس والعقول لوثبته وشاعت كلمتهما فتقبلها الناس بالترقب. ويضيف الحبشي: "إذن فالدولة الرسولية تدين للصوفية بوجودها بعد أن مهدت لها عند الناس وأصبحت مما ينتظر وقوعه"، وكان طبيعيًا أن يكون للصوفية ومشايخها حظوة كبيرة لدى آل رسول.

د. نزار غانم السوماني:

هل بالفعل وجدت مدرسة طبية في زبيد عصر بني رسول؟ وهل أقام "أحمد السانة" مدرسة للموسيقى ضمن جامعة الأشاعر؟ وما هي طبيعة صلة الأشرف الثاني بأفارقه القرن الإفريقي؟

في قاموس الملك الأفضل معجم عربي حبشي يرد مصطلحات مقابلة لبعض الكلمات اليمنية فهناك زار وطنبور... الخ ضمن كتاب روسي. هل لك علم بهذا؟ إن ذكر "زار" بهذه التسمية أقدم من ذكره في المصادر الحبشية بـ مائتي عام على الأقل.

د. علي بركات:

يحتاج الأمر إلى تقصي وبحث حول هذا الأمر، إنما شكلت زبيد عاصمة ثانية ومنتجع السلاطين وحاضرتهم وقلعتهم الثقافية والعلمية، حيث شهد سلاطينها احتفالات المواسم وكان فيها المدارس العلمية كافة ومنها الطبية.

د. نزار غانم السوماني:

المدرسة الطبية تنب للبجلي - مدرسة وليس فقط وجود أطباء أو بيمارستان.

د. رياض الصفواني:

هل لنا أن نتعرف على نُبْذَةٍ من حياة قطب التصوف في العصر الرسولي الشيخ أحمد بن علوان؟ وهل كانت له ثمة علاقة بالسلطان الرسولي المعاصر له كما تذهب إلى ذلك إحدى الدراسات المعنونة بخصوصية الموقف الصوفي عند الشيخ أحمد بن علوان؟

د. علي بركات:

وهل مثله يجهل في عصره المتوفى 665هـ فهو رأس الصوفية وعمودها في عصره هابه السلاطين ودخل بسنابك خيله راكبًا إلى قصور السلاطين، ويحتاج الحديث عنه وعن مؤلفاته وعلاقته بالسلاطين وشعره واستيطانه يُفرْغ لأمسية قائمة بذاتها.

د. رياض الصفواني:

أتمنى دكتور أن تَفْرَد له حلقة نقاشية خاصة بعد انتهاء برنامج الحلقات النقاشية الرمضانية.

د. علي بركات:

بإذن الله فهو علم من أعلام اليمن ذكرًا وتأليفًا وروحانية.

د. نزار غانم السوماني:

هل صحيح أن بعض سلاطين "بني رسول" تزوجوا من نساء يحسبن على فئة المغنون الجوالون أو المعادل الموضوعي اليمني "للتروبادور"، ثمَّ أمروا بأن يقرن في بيوتهن - ذهب المقالح إلى ان هؤلاء التروبادور المتكسبون بالغناء كانت لهم أهازيج خاصة تسمى [ballad]، وربط أستاذنا المقالح بين [ballad] الأوروبي والبالة اليمني - الليلة البالة ... الخ. لا يوجد شاعر استخدم قاموس الموسيقى وآلاتها في تلك الفترة في اليمن مثل "ابن علوان" في ديوانه المهرجان.

د. علي بركات:

لا يفتى ومالك في المدينة ما أجده لديك حول تاريخ الموسيقى في العصر الرسولي قد أجد بغيتي لديك في ذلك. وعلى العموم كانت هناك فرق موسيقية تصاحب مواكب السلاطين وساهمت بالاحتفالات وما يدل على ذلك أشهر احتفائية شهدها عصر الأشرف "إسماعيل الثاني". في ختان الملوك أبناء السلطان وذكرها الخزرجي في عقوده.

د. خليل القاضي:

شكرًا لك دكتور علي على هذا العرض الرائع. أعتقد أن هناك رسالة ماجستير حول أحمد بن علوان نوقشت في فسم التاريخ – جامعة صنعاء.

د. بشير زندال:

- نساء الدولة الرسولية وتاريخ من بناء المدارس في اليمن.

  • العلم في برنامج السلاطين الرسوليين.

بدأت المدارس العلمية في اليمن في العصر الأيوبي حينما أنشا الملك المعز "إسماعيل بن طغتكين بن أيوب" مدرستين، المدرسة السيفية في تعز (593 هـ)، والمدرسة المُعِزّية أو مدرسة المعز في زبيد (594 هـ) [1]. استقل عمر بن رسول (ت647 هـ) عن الدولة الأيوبية وأسس الدولة الرسولية (626-858هـ، 1229-1454م)، ومع الدولة الرسولية بلغت ثقافة بناء المدارس العلمية في اليمن أوجها؛ ذلك أن ملوك الدولة الرسولية والأمراء والأميرات والوزراء، اهتموا وتنافسوا في بناء المدارس العلمية ووقف الأموال عليها.

مثلت المدارس العلمية جامعات ذلك العصر كونها أعلى المؤسسات التعليمية والبحثية حينئذ، ومع انهيار الدولة العباسية (656 هـ، 1258م) أي بعد تأسيس الدولة الرسولية بثلاثين عامٍ فقط تحولت زبيد وتعز إلى قبلة للعلماء والمتعلمين. فكانت مدارسها في العصر الرسولي تدرس علوم الفقه واللغة وعلوم الطب والفلك والزراعة والكيمياء والجبر والحساب والمساحة وغيرها من العلوم.

فكيف لا تصبح مدارس تعز وزبيد قبلة للعلم والعلماء في العالم الإسلامي وقد برزت ظاهرة السلاطين العلماء في الدولة الرسولية، فأغلب سلاطينها وأمرائها وملوكها قد برعوا في التأليف في الزراعة والفلك وفي الأنساب والتاريخ والصنائع. فمن مؤلفات الملك عمر بن يوسف بن رسول "كتاب الجامع في الطب، وكتاب الإسطرلاب، وكتاب التبصرة في علم النجوم، وكتاب التفاحة في معرفة الفلاحة"[2]، ومن مؤلفات الملك المجاهد علي بن داوود بن يوسف الرسولي "كتاب الإشارة في العمارة، كتاب في الخيل وصفاتها وأنواعها وبيطرتها"[3]، وعباس بن علي بن داوود "كتاب بغية الفلاحين، وكتاب الألغاز الفقهية"[4]، كما ألَف الأفضل الرسولي (778 هـ) أول معجم متعدد اللغات في تاريخ المعاجم العربية والمعروف بـ (قاموس السلطان)، أو (معجم السلطان)، ويشمل هذا المعجم على حوالي ألف ومائتي كلمة عربية مع مرادفاتها باللغات العالمية المزدهرة في عصره، الفارسية والتركية واليونانية والأرمنية والمغولية؛ ليصبح أول معجم بست لغات[5].

 وقد كان عصر بني رسول أخصب عصور اليمن، وأكثرها إزدهاراً بالعلم، لاهتمام بني رسول بنشر العلم ورفع مكانة العلماء عندهم وتكريمهم وفتح أبواب قصورهم لهم في أي وقت شاءوا. مما جعل كثيراً من العلماء يولون وجوههم شطر مدينة تعز، حاضرة الدولة الرسولية [6].

كما كانت اليمن مكاناً يحج إليه العلماء من كافة أنحاء العالم الإسلامي كالإمام اللغوي مجد الدين الفيروز أبادي (817 هـ) الذي وفد على الأشرف الرسولي وتصدر في مدينة زبيد للتدريس، وكان الملك الأشرف أحد من أخذ عنه، ثَّم ولاه الأقضية [7]، وقد ألف في زبيد قاموسه الشهير "القاموس المحيط" واستقر فيها حتى مماته، وغيره من العلماء أمثال "ابن حجر العسقلاني" وغيرهم.

  • النساء الرسوليات مؤسسات المدارس العلمية.

تعاني كتابة التاريخ من الشحة والتهميش فيما يتعلق بأدوار النساء في العصور التاريخية المختلفة، وفي اليمن يغلب التركيز في الكتابة عن النساء من زاوية لا تولي الاهتمام الكافي لنضالات النساء وانجازاتهن في الحقب التاريخية المختلفة؛ لهذا السبب يتناول هذا المقال نساء العصر الرسولي والمدارس التي قُمْنَّ ببنائها بهدف تسليط الضوء على إنجازات النساء في العصر الرسولي ودعم القائمين على الدولة لدور النساء في المؤسسات العلمية في ذلك العصر.

 بالرغم من الشهرة التي حظيت بها النساء الأيوبيات في مجال التعليم، إلِّا أن إنجاز النساء الرسوليات كان الأكبر من حيث عدد المدارس التي قُمْنَّ بإنشائها. أما النساء اللائي دعمن التعليم في الدول الإسلامية بشكل فردي فهن أيضا عديدات، كـ "فاطمة الفهرية" التي بنت جامع القرويين ومدرسته عام 254 هـ، و "خوند تتر الحجازية" - ابنة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون - التي أنْشَئت المدرسة الحجازية في القاهرة عام 748 هـ، إلِّا أنها كانت حالات فردية لم تصل إلى الحد الذي وصلت إليه النساء الأيوبيات والرسوليات، ولذلك يُعَّد نشاط  أميرات الدولة الرسولية مميزاً بجمعيته وكثافته؛ لأن التعليم كان يمثل لهن قضية أساسية في حياته بالشكل الذي لم يجعل قضية التعليم أمراً فرديًا تقوم به أميرة واحدة ذات بصيرة وحكمة، بل قضية تبنتها معظم  الأميرات على مدى أكثر من مائتي وثلاثين عام هي عمر الدولة الرسولية.

تفوقت الأميرات الرسوليات على الملوك الرسوليين من ناحية عدد المدارس التي قُمْنَّ ببنائها، فقد بلغت عدد المدارس التي انشأتها الأميرات أربعة وثلاثون مدرسة [8]، مقابل عشرين مدرسة أنشأها الملوك [9]، وقد أنفقن من حُرِ مالهن بسخاء على بناء المساجد والمدارس العلمية وأربطة العلم والأسبلة والخانقات [10]، وملحقاتهن من مكتبات ودور للطلبة وعلى العلماء والفقهاء والمشائخ وطلبة العلم، وعلى اقتناء الكتب ونسخها. ليس فقط في تعز عاصمة الرسوليين الصيفية وزبيد عاصمتهم الشتوية، بل في إب وجبلة وبعض القرى التي كانت تمثل مراكز علمية في ذلك العصر.

كما أسلفنا بَنت الأميرات الرسوليات حوالي أربعة وثلاثين مدرسة، ومن الصعب تناول وذكر كل هذه المدارس، لذلك سنكتفي بذكر بعض أهم المدارس.

(أ) المدرسة الفاتنية بزبيد: نسبة إلى جهة [11] فاتن ماء السماء - بنت المؤيد الرسولي (ت 768 هـ)، ويلحقها سبيل ماء يعرف بالسبيل الفاتني، وقد رتبت فيها إماماً مؤذنًا ونزاحًا للماء ومصلى وأيتاماً يتعلمون القرآن وأوقفت على الجميع ما يقوم بكفايتهم [12]، وما زالت أوقاف المدرسة الفاتنية قائمة حتى اليوم، كما بنَت مسجد فاتن - المعروف بمسجد جيلان؛ لأن بعض الصوفية التابعين للطريقة الجيلانية اتخذوه مسجدًا لهم، وتجاوز خيرها إلى الفقراء والمساكين فأوقفت عليهم وقفاً جيداً يعرف "بالبر المؤيدي"[13].

(ب) المدرسة الياقوتية: أسستها "اختيار الدين ياقوت" زوجة الملك الظاهر يحيى بن الملك الأشرف الرسولي (850 هـ). كما أسست المدرسة الياقوتية في "حيس"، ورتبت فيها إماماً ومقرئاً للقراءات السبع وأوقفت عليهم [14] كما بنَت المدرسة الياقوتية في "ذي السفال" وأوقفت عليها [15]، وبنَت أيضاً المدرسة الياقوتية "بعدن" وأوقفت عليها أوقافاً تكفي الإمام والمدرسين والأيتام [16].

(ج) المدرسة السابقية بزبيد: وتسمى بـ "العفيفية" أو مدرسة "مريم" وتعرف الآن بـ "العافية"، أسستها الحرة مريم بنت شمس العفيف (ت 713 هـ) زوجة الملك المظفر يوسف بن عمر الرسولي (ت 694 هـ) [17]، كما بنت "المدرسة الجديدة" في مغربة تعز، ومدرسة "ذي عقيب" في ذي عقيب، وبنت جوارها داراً للضيوف [18].

(د) المدرسة العومَانية في جبلة: بنتها الحرة لؤلؤة زوجة الأمير المؤسس للدولة الرسولية "علي بن رسول" [19]، وتعتبر من أوائل مدارس الأميرات في العصر الرسولي وقال المؤرخ والقاضي إسماعيل الأكوع عن الحرة لؤلؤة: "لو لم يكن لها من المآثر غير هذه المدرسة لكانت كافية وافية توجب الذكر الجميل والثناء الجزيل، وقد دفنت في هذه المدرسة"[20].

(هـ) مدرسة مُدية بزبيد: بنَتهَا جهة دينار الشهابي "عائشة بنت محمد بن علي بن رسول" زوجة الملك المظفر يوسف بن عمر، وأوقفت على المدرسة ما حَسِنَ من أراضيها [21].

(و) المدرسة الأسدية بتعز: ابتنتها دار الأسد ابنة الأمير "أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول" زوجة الملك المظفر، وقد وقفت على مدرستها وقفاً جيداً [22].

(ز) المدرسة الفرحانية بزبيد: عمرتها جهة الطواشي جمال الدين فرحان (ت 836 هـ) هي زوج السلطان الملك الأشرف إسماعيل، وأم ولده الملك الظاهر يحيى بن إسماعيل الرسولي [23].

(ح) المدرسة الشمسية بتعز: بَنتهَا الدار الشمسي ابنة عمر بن علي بن رسول (ت695)، شقيقة الملك المظفر، وقد رتبت فيها إماماً، ومؤذناً، وقيماً، ومعلماً، وأيتاماً يتعلمون القرآن، ومدرساً للفقه الشافعي، وطلبة، ووقفت عليهم وقفاً جيداً [24]، كما بنت المدرسة الشمسية في زبيد [25].

(ط) مدارس الصلاحيات: أنشأتها آمنة بنت الشيخ إسماعيل الحلبي والدة الملك المجاهد الرسولي (ت762 هـ)، واحدة في قرية المجلية شرقي تعز، والأخرى في قرية السلامة، وثالثة عظيمة الوقف، جيدة العمرة بزبيد، والخانقاه بزبيد، والصلاحية بقرية المسلب من وادي زبيد، وأخرى في قرية التُّربية من وادي زبيد أيضاً [2،6] ولها أيضًا مدرسة أم السلطان في زبيد، وكانت من المدارس الكبرى المتعددة الغرف (القاعات الدراسية) وتعدد المدرسين فيها وفي تخصصات كثيرة متعددة [27].

(ك) الجهة المعتبية تعز: بتعز نسبة إلى الطواشي جمال الدين معتب بن عبد الله الأشرفي (ت796)، وهي والدة الملك الناصر والأفضل الرسولي والأشرف إسماعيل. وقد جعلت فيها مؤذنًا وقيمًا ومدرسًا وطلبًة وأتاحتها للأيتام كي يتعلموا القرآن [28].

(ل) المدرسة الأشرفية في زبيد: أنشأت نبيلة ابنة السلطان الملك المظفر (ت 718 هـ)، ووقفت عليها أوقافاً تقوم بكفاية القائمين بها. كما ابتنت مدرسة في ظفار الحيوضي، ومدرسة في تعز، ومسجداً في جبل صبر، ووقفت على الجميع أوقافاً تكفيها [29]، وقد درّس فيها أبو الحسن علي بن ابي بكر الناشري (ت 844)، صاحب كتاب روضة الناظر في أخبار الملك الناصر والثمر اليانع وتحفة النافع.

(م) المدرسة الواثقية بزبيد: ماء السماء ابنة السلطان المظفر (ت 724)، بنت جوار منزل أخيها الملك الواثق فنسبت إليه. ورتبت لها إماماً ومؤذناً وقيماً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن، ومدرساً، وطلبة علم، ووقفت عليها من أملاكها ما يكفيهم [30].

(ن) الدار النجمي: ابنة علي بن رسول، أنشأت مسجد الدار النجمي (أو المدرسة النجمية) في جبلة، اشترتها وكانت داراً لابن المعلم وسمتها باسم زوجها ووقفت عليها وقفاً عظيماً [31]، ومن أشهر من درّس فيها عباس بن منصور السكسكي [32]، صاحب كتاب "البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان". كما أنشأت المدرسة الشرفية (نسبة إلى أخيها شرف الدين موسى بن علي بن رسول) في مدينة إب [33]، كما أنشأت في إب أيضاً المدرسة الزاتية (نسبة إلى بانيها) [34]. وأيضاً أنشأت في جبلة المدرسة الشهابية، نسبة إلى أخيها شهاب الدين محمد بن علي بن رسول، وكانت هذه المدرسة سكناً للحكام [35].

لم يقتصْر الاهتمام بالتعليم على أميرات العصر الرسولي ولكنه أيضاً شمل النساء اللاتي كن جواري في القصور آنذاك واللاتي اهْتَممن أيضاً ببناء المساجد كمسجد الحاجة قنديل (المشهور بمسجد سلوم) ومسجد الحاجة غصون (المشهور بالغاسلية) ومسجد الحاجة سمح (المشهور بمسجد الحيّ) والثلاث كن جواري في قصر الملك المجاهد الرسولي [36]. كما أوصت امرأة كانت ماشطة لزوجة الملك المنصور علي بن علي بن رسول، وكانت متزوجة من مملوك يسمى "شقير" قبل موتها بأن تكون داره مدرسة بعد وفاتها وأوقفت أرضاً عليها، فاشتهرت بالمدرسة الشقيرية [37].

أشرفت الأميرات الرسوليات على المدارس إشرافاً كاملاً، وكن يتابعن بأنفسهن التدريس واختيار المعلمين وكان أزاوجهن من الملوك والأمراء، والذين كانوا في معظم الوقت أيضًا من العلماء ذوي المؤلفات في مجالات عدة، كالنحو والأدب، والفقه، والتاريخ والمعاجم، يعينونهن على ذلك. فقد استدعى الملك المظفر الرسولي بطلب من زوجته العلامة محمد الشرعبي (ت 702 هـ) ليكون مدرسًا في المدرسة السابقية التي بَنتهَا زوجته في زبيد فوافق شريطة أن يكون ابنه خلفاً له في القضاء فوافق المظفر ليضمن تطبيق رؤية زوجته في شأن التعليم في المدرسة [38].

تفتح القراءة في تاريخ نساء الدولة الرسولية مجالات واسعة للتعرف على المدارس اللاتي بنينها، والتي ذكرنا بعضها في هذا المقال على سبيل المثال وليس الحصر، إلا أن هذا لا يغطي ما كن يَقُّمْنَّ به من إضافات على مساجد أو مدارس أخرى كانت موجودة، أو على ترميمها وهي كثيرة ولا مجال لذكرها هنا.

وفي النهاية نأمل أن يساهم هذا المقال في الدعوة إلى تسليط الضوء بشكل أكبر على إيمان الرسوليات بقضية التعليم وأهميتها في حياة الأمم وإسهاماتهن في مسيرة التعليم في اليمن والعالم الإسلامي أجمع الذي كانت كبرى مدارسه وبعض أهم علمائه على اتصال بمدارس زبيد وعلمائها وبما كانت تنتجه مدارسها من ذخائر العلوم والفنون.

(الإنتقال إلى الجزء الرابع)


[1] – إسماعيل بن علي الأكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1986، صـ 6.

[2] – عبد الله الحبشي، حكام اليمن المؤلفون المجتهدون، دار القرآن الكريم، بيروت، 1979، صـ 117، 118، 119.

[3] – المرجع السابق، صـ 154.

[4] – المرجع السابق، صـ 158.

[5] – يوسف عبد العزيز الحميدي، الملك الأفضل الرسولي وجهوده السياسية والعلمية، رسالة دكتوراه، قسم الدراسات العليا التاريخية والحضارية، كلية الشريعة، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، 2008، صـ 165.

[6] إسماعيل بن علي الأكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، صـ 7.

[7] المرجع السابق، صـ 7.

[8] محمد علي العروسي، العلماء الملوك في اليمن في عصر الدولة الرسولية، مجلة جامعة الملك سعود، السياحة والآثار، الرياض، 2010، صـ47.

[9] محمد علي العروسي، عظيمات اليمن.. نساء خلدهن التأريخ بنشر الإسلام والعلوم والثقافة، مقالة منشورة في الرابط التالي: http://www.alealamy.net/showdetails.php?id=55553

[10] – الخانقاه، هو المكان الذي ينقطع فيه المتصوف للعبادة، اقتضت وظيفتها أن يكون لها تخطيط خاص، فهي تجمع بين تخطيط المسجد والمدرسة. ويكيبيديا.

[11] – جهة لفظ يطلق على النساء المعتبرات من أميرات وزوجات ملوك وأمراء العصر الرسولي.  انظر كتاب "نور المعارف في نظم وقوانين وأعراف اليمن في العهد المظفري الوارف" تحقيق محمد عبد الرحيم جازم، المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية، صنعاء، 2003. ج 1، صـ 525.

[12] – عبد الرحمن بن عبد الله الحضرمي، زبيد مساجدها ومدارسها العلمية في التاريخ، المركز الفرنسي للدراسات والبحوث، صنعاء، المعهد الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 2000 م، صـ 159.

[13] – عبد الرحمن بن علي الديبع، الفضل المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد، تحقيق يوسف شلحد، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 1981، صـ100.

[14] – عبد الرحمن بن عبد الله الحضرمي، زبيد مساجدها ومدارسها العلمية في التاريخ، مرجع سابق، صـ 161.

[15] – عبد الله الحبشي، معجم النساء اليمنيات، دار الحكمة اليمانية، صنعاء، 1988، صـ 53.

[16] – إسماعيل بن علي الأكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، مرجع سابق، ص310.

[17] – عبد الرحمن بن عبد الله الحضرمي، زبيد مساجدها ومدارسها العلمية في التاريخ، مرجع سابق، صـ 166.

[18] – إسماعيل بن علي الاكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، مرجع سابق ص160.

[19] – المرجع السابق، صـ 65.

[20] – إسماعيل بن علي الاكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، مرجع سابق صـ 65.

[21] – المرجع السابق، صـ 168.

[22] – المرجع السابق، صـ 137.

[23] – عبد الرحمن بن عبد الله الحضرمي، زبيد مساجدها ومدارسها العلمية في التاريخ، مرجع سابق، صـ 174.

[24] – إسماعيل بن علي الاكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، مرجع سابق، ص152ـ

[25] – علي بن حسن الخزرجي، العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، مطبعة الهلال، القاهرة، 1911، ج 1، صـ 293.

[26] – عبد الرحمن بن علي الديبع، الفضل المزيد على بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد، مرجع سابق، صـ 99.

[27] – فضل محمد صالح، الحياة العلمية في اليمن في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي (عصر الدولة الرسولية)، رسالة ماجستير، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة عدن، 2006، صـ 64

[28] – عبد الله الحبشي، معجم النساء اليمنيات، مرجع سابق، ص54.

[29] – إسماعيل بن علي الاكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، مرجع سابق، ص196 -197.

[30] – المرجع السابق، صـ 201.

[31] – عبد الله الحبشي، معجم النساء اليمنيات، مرجع سابق، ص73.

[32] – إسماعيل بن علي الاكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، مرجع سابق، ص70.

[33] – فضل محمد صالح، الحياة العلمية في اليمن في القرن الثامن الهجري، مرجع سابق، صـ 57.

[34] – المرجع السابق صـ 58.

[35] – إسماعيل بن علي الاكوع، المدارس الإسلامية، مرجع سابق، ص72.

[36] – عبد الله الحضرمي، زبيد مساجدها ومدارسها العلمية في التاريخ، مرجع سابق، صـ 82-83.

[37] – المرجع السابق، صـ 68.

[38] – علي بن حسن الخزرجي، العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، مرجع سابق، صـ 348.

[39]- https://almadaniyamag.com/ar/2019/09/30/women-in-the-rasulid-state/

 

التعليقات (0)