الدراما التاريخيـة بين الفن والسيـاسة (1)

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقة العشرون:

   20 رمضان 1441ھـ / 13 مايو 2020م

الدراما التاريخيـة بين الفن والسيـاسة

رئيس الجلسة:

د. أحمد المصـري

مقــدمة الحلقــة:

▪الدراما التاريخيـة▪

تزخر الأدبيات الأكاديمية بتعريفات متنوعة لمعنى الدراما التاريخية و علاقة الأدب بالتاريخ و أدوار السيناريست في صياغة النص التاريخي، ويمكن استخلاص تعريف عام للدراما التاريخية إجمالاً "بأنها إعادة تجسيد الحدث التاريخي بطريقة ملموسة، إذا تُعيد رسم مرحلة تاريخية محددة بأسلوب حيّ، بدلا من تقديم سردا جافاً عنه، وترينا الطبائع بدلا من الخواص، والوجود بدلا من الوصف".

ارتبطت الدراما بالتاريخ ارتباطاً وثيقاً، وتشكلت نوع من العلاقة التكاملية بينهما. فالتاريخ في أصله رواية طويلة، وهو أحد مقاصد الدراما، بل مخزونها الذي لا ينضب، إذ يقدم للروائي، المتخصص في الأعمال التاريخية، مخزونًاً هائلًاً من التجارب الإنسانية التي تفوق أي قدرة خيالية فردية.

إذ يجد الروائي في المادية التاريخية مصدرًا لصناعة المادة الدرامية، في حين تعمل الدراما الفنية على تقديم التاريخ من خلال صورة فنية إبداعية، وذلك من خلال العناصر الفنية المتنوعة التي تبث حركة في الحدث التاريخي الذي يقدمه التاريخ المكتوب جامداً بارداً.

ولئن تكاملت تلك العلاقة النفعية، فإن الأمر لا يخلو من إشكالية الانتقاء و التوظيف، التي تبدأ من مهمة السيناريست، الذي يتولى إعادة معالجة المادة التاريخية لتوائم خصائص العمل الدرامي، وما يصاحب ذلك من تغيير في النصوص التاريخية، بل يصل الأمر أحيانا إلى درجة التزييف، لتواكب مقتضيات الإنتاج الفني الإبداعي و التشويقي، أو لتواكب توجهات السياسة العامة التي تتبنى ذلك العمل الدرامي، التي بدورها تعمل على توظيفه جماهيريًا من خلال ربط الماضي بالحاضر وربما تشكيل رؤية للمستقبل.

▪الدراما كقوة ناعمة▪

 توظيف وسائل التواصل الجماهيري في الأغراض السياسية ليس بالأمر الجديد، وعرفته كل المراحل التاريخية وفقًا لظروف كل عصر، فمن الخطابة و الشعر، إلى حلقات الجلوس في صحون المساجد، و الجلسات العامة في المقاهي والمنتديات والصوالين، إلى الصحافة والإذاعة والتلفزيون والسينما. ولعل توظيف الدراما التاريخية المُقدمة على القنوات الفضائية كوسيلة اتصال جماهيري في خدمة القضايا السياسية أو صناعة قناعات و رأي عام، تدخل في إطار ذلك التوظيف القديم المتجدد و لا يختلف عنه كثيراً.

فالدراما التاريخية كمُنتج إعلامي جماهيري تلعب اليوم دورا مهما في تشكيل الرأي العام وصناعة الرؤى المستقبلية، وربما فرضها قسرا، في بعض الأحيان، فقد أصبحت قوة ناعمة بيد الساسة المتلاعبون بعقول الجماهير سعيا لخلق و تشكيل قناعات و مواقف من الحاضر والمستقبل.

ولعل الأنظمة السياسية قد أدركت أن الدراما التاريخية أصبحت جزء من أدوات الصراع، حيث يتم استدعاء التاريخ لخوض معارك الحاضر بهدف رسم توجهات المستقبل بناءًا على روايات تاريخية. ومن هذا المنطلق تسعى الأنظمة السياسية إلى الاستيلاء على المؤسسات الإعلامية، أو على الأقل تموين إنتاجها الإعلامي لتحقيق تلك الأهداف، ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل يتم التدخل في صياغة سيناريو الدراما التاريخية وتزييف النصوص التاريخية أو اختيار نصوص تاريخية و سيناريوهات تتوافق مع التوجهات السياسة العامة للدولة وبما يخدم مصالحها.

والأمثلة على ذلك كثيرة، حيث شهدت شاشات التلفزيون العربي خلال الفترة الأخيرة أمثلة عديدة لعل أهمها مسلسلا (ممالك النار في مواجهة قيامة عثمان).

▪الدراما و المُشاهد العربي▪

 تكمن عدة أسباب وراء انجذاب المشاهد العربي للدراما التاريخية بشكل أساسي دون غيرها من الأعمال الفنية، لعل من أهمها:

  • تعطش المشاهد العربي لمعرفة المزيد عن تاريخه دون تحمل عناء القراءة والبحث.
  • تولّد حالة من الحنين والشوق لاستدعاء الرموز التاريخية إلى الحاضر، هذا الحنين ناتج عن حالة الانكسار و الضعف التي تمر به هذه الشعوب.
  • افتقار الشعوب العربية لرموز وطنية في الواقع المعاصر، والتي تُعبر عن أمالها وطموحاتها وتمثل إرادة تلك الشعوب، الأمر الذي يستدعيها إلى اجترار الذكريات من الماضي المكدس في بطون كتب التاريخ.
  • الشعور بفقدان الوحدة الجامعة و التوجه القومي الموحِد للهوية، فتجد في تلك الدراما تثبيت و تعويض لما فقدته، ونوعا من رفع الروح المعنوية.

▪الدراما وشـهر رمضـان▪

شهر رمضان بالنسبة للمسلمين هو شهر عبادة وعودة إلى الله، ومراجعة للنفس، وهو في نفس الوقت بالنسبة للسوق التجارية موسما لتسويق المواد الاستهلاكية، و ما يبور لديهم من مواسم سابقة. الحال لا يختلف كثيراً بالنسبة لشركات الإنتاج الفني، التي ترى في رمضان موسما مناسبًا لعرض منتجاتها الفنية. الأمر لا يقف عند هذا فحسب، بل تتم عملية تفريغ ممنهج لمحتوى الشهر الكريم من شهر عبادة وزهد، إلى شهر متعة و ملذات و سهرات لمتابعة لتلك الأعمال الدرامية.

▪قضايا و أسئلة للنقاش▪

كان ذلك عرضًا عامًا لموضوع الدراما التاريخية، و لا ادعي بأني قد أعطيت الموضوع حقه، فأنا لست متخصص في النقد الأدبي الدرامي، لكنها محاولة لإثارة النقاش حول الموضوع، لذلك فقد طرحت عدة تساؤلات تتطلب الإجابة عليها من قبل المؤرخ الحصيف والقارئ المدقق، هذه الأسئلة إلى جانب ما ستطرحونه ستكون بمشيئة الله تعالي محاور نقاشاتنا.

  • هل أعتدت الدراما على التاريخ ؟
  • هل نعيش الآن في سوق نخاسة التاريخ، نتيجة لصناعة الدراما الموظفة سياسيا و فكريا؟
  • هل تحولت الدراما التاريخية إلى مصدرا رئيسيا لاستقاء المعلومة التاريخية، خاصة لدى فئة الشباب أو الجماهير بصفة عامة في ظل غياب القراءة، وكيف يمكن معالجة ذلك؟
  • ألا يجب أن تخضع الدراما التاريخية للنقد التاريخي من قبل أهل الاختصاص؟
  • هل يتوجب أن تتولى جهات أكاديمية عملية مراجعة نصوص الأعمال الدرامية التاريخية قبل نشرها؟
  • هل نقد العمل الدرامي مهمة الناقد الفني أم المؤرخ الأكاديمي؟
  • هل فقدت الدراما التاريخية أهم جوانبها، المتمثلة في الإبداع الفني، حين تم إقحامها في الصراعات السياسية؟
  • متى يحق لكاتب السيناريست اعتماد الرواية الأدبية التاريخية إلى جانب المصادر التاريخية عند أعداد سيناريو الدراما؟ (على سبيل المثال أفلام و ا إسلاماه، سيف بن ذي يزن و فلم عنترة).
  • إلى أي مدى يحق لكاتب السيناريو أن يتصرف بالتاريخ ويتدخل في أحداثه ويغير في صياغة مادة الحدث التاريخي لتتلائم مع عمله الفني ليلقى قبولا في عند التسويق؟
  • هل يتوجب أن يكون كاتب السيناريو مؤرخًا؟
  • إلى أي مدى تمكنت الدراما التاريخية من خلق قناعات لدى الجماهير المستهدف؟
  • هل تعجز الدراما التاريخية عن تقديم صورة قريبة للواقع التاريخي من حيث المكان و الإنسان، مع الالتزام بالحقائق التاريخية وإن كانت نسبية؟
  • هل يتطلب الإبداع الفني للدراما تجاوز التاريخ الجامد والقاسي في نفس الوقت؟
  • لماذا بقي فلم عمر المختار و وفلم الرسالة من أعظم الأعمال الفنية التي تحتفظ بها الذاكرة العربية؟
  • هل هناك تعمد لتفريغ رمضان من محتواه كشهر عبادة وزهد و تحويله إلى شهر ملذات وذلك عن طريق عرض تعمد إذاعة الأعمال الفنية الضخمة و خاصة التاريخية المشوقة ، وتعمد إظهار الإغراء في تلك المسلسلات؟

تم الاستعانة في إعداد الحلقة بقراءة العديد من المقالات و متابعة بعض المقابلات التلفزيونية وكذلك البرامج التي تناولت الموضوع.

خالص تحياتي للجميع ،،، النقاش مفتوح للجميع .

د . أحـمد المصـري

أ.بكيل الكليبي:

رائع بحق استأذنا العزيز ولدي سؤال:

ما المغزى من التوظيف السياسي للدراما التاريخية نموذج قيامة أرطغرل هل هي تسويق للنظام مع العلم ان المسلسل لا تشكل الواقع التاريخية إلا خوالي 30في المائة؟

أ. د. أحمد السري

- أولا: أهنئ المنتدى على نشاطه الرمضاني، مع توقفي عن المشاركات بسبب انشغالات كتابية أخرى.

- ثانيا: هذا الموضوع يستحق النقاش فعلا، وقد نوقش سابقا أيضا لكن لا بأس من الاستمرار فيه بحكم تنوع وكثرة واستمرارية الدراما التاريخية. وقد كان لي ذات يوم نقدا مكتوبا حول مسلسل هارون الرشيد.

ثم إني تتبعت في الأيام الأخيرة ما نشر في الانترنت حول الموضوع فوجدت أن الدراما التاريخية صارت ميدانا معرفيا مستقلا وهناك كتابات معتبرة انشغلت بها ويكفي ان نذكر ان المغفور له بإذن الله تعالى د. محمد عمارة تصدى للموضوع في كتيب له، ثم وجدت مجلة بعنوان الدراما التاريخية ووجدت عناوين مختلفة حول النقد الدرامي وكلها كتابات عالية ومن أقلام محترمة.

فرأيت أن الإشكال القائم بين كتابة التاريخ والدراما التاريخية يتجه إلى حل بدا لي مقبولا غصبا، وهو أن الدراما التاريخية ليست كتابة للتاريخ بل عملاً فنياً إبداعيا يتكأ على التاريخ، وأنه بسبب ذلك لا يمكن أن يكون مصدرا للمعرفة التاريخية ومن أرادها فعليه بكتب التاريخ.

هذا هو الحل السحري المفروض، مع الاحتفاظ بحقوق النقد البديهي لكل حقل، وفي الكتابات المشار إليها متابعات ومناقشات ورصد لتطور الدراما التاريخية وأهدافها المتنوعة ومنها بالطبع تحولها إلى جبهة مواجهة بين الخصوم والتسابق على تشكيل عقل المشاهد.

وصفوة القول أنهما ( التاريخ والدراما التاريخية) ميدانان مستقلان بينهما صلات تثاقف بعض الكتابات سمته ( تناص) لكن يبقى لكل حقل شروطه المنهجية والجمالية الفنية.

-دور المؤرخ:

المؤرخ مقهور في هذه الحالة ومعتدى عليه فعلا، لأنه يرى أن الاستعمال الدرامي للتاريخ مشوه ومزور وله أهداف سياسية ومعاصرة لأن الدراما تقدم في النهاية رؤية الممول أو كاتب السيناريست (المحايد نسبيا إن وجد).

وهناك من تقدم بشكاوى للنائب العام في مصر ضد مسلسلات تشوه الوقائع التاريخية خدمة للصورة والإثارة والتشويق المعتمد في الدراما المصورة.

وظني أن المؤرخ لن يتمكن من مقاومة سياسات رسمية أو سياسات الإنتاج التجارية، وعليه من الآن فصاعدا الالتفات إلى الدراما التاريخية وسن قلمه لينقد ويبين ويحلل، وهكذا يجد في ميدان النقد نافذة للبروز والكشف والبيان، ومع تكاثر أشكال النقد يمكن فقط توجيه رسائل تحذيرية لكُتاب المسلسلات وبأنهم تحت رصد عين المؤرخ الحصيف .

د. أحمد المصري

من الصعب تحديد نسبة الحقيقة التاريخية في أي مسلسل لان الحقيقة أصلا نسبية في التاريخ. تركيا لاعب إقليمي قوي و هي تركن على تراث و تركة الدولة العثمانية، ونحن في ميدان تنافس إقليمي حيث أصبحت كل الوسائل متاحة فيه.

أ. د. أحمد السري

وهناك مجلة عجزت بسبب النت عن تحميلها وفيها موضوعات جادة لعلها الأشمل في بيان الموضوع. واسمها التاريخ والدراما التاريخية من موقع مؤمنون بلا حدود. فموضوعاتها حقا رصينة وقد أحاطت بجوانب الموضوع كما أرى.

د. احمد المصري

شكراً جزيلا بروف احمد السري. ما طرحته يثري الموضوع.

كما أشرت سابقاً بأن الدراما تلعب دورا مهما في تشكيل الوعي التاريخي على الأقل لدى غير المتخصصين، و هذه واحدة من الإشكاليات الرئيسية و التي يعرفها المنتج و السيناريست، لذلك يستمرون في عمليات الإنتاج الدرامي التاريخي الممنهج.

اتفق معك تماماً بأن النقد التاريخي للدراما كسلاح يواجه المزاجية و الانتقاء و التوظيف التاريخي هي الحل الوحيد للحد من هذه الظاهرة.

أ. د. احمد السري

سيكون الحل هو في عقد ندوات أثناء عرض المسلسل وفي نهايته من المختصين لبيان أوجه النقد في الخط التاريخي فقط أما باقي الإطار الاجتماعي وقصص الحب أو ما يخضع للمؤثرات الدرامية فهو من خصائص العمل الفني المباح.

د. احمد المصري

القصص التي يتم إضافتها إلى المسلسلات التاريخية هي لتغطية عدد ساعات الحلقات و كذلك لغرض التشويق و التسويق.

أ. د. عبدالله أبو الغيث

حياك الله دكتور أحمد على هذا العرض القيم بأسئلته التي تضع اليد على كثير من الحوارات التي تخص الدراما التاريخية.

وبخصوص هذا الموضوع سوف أشارك بهذه الملاحظات:

- ليست كل الأعمال الدرامية التاريخية مسيسة ولها أهداف غير مرئية، فبعضها قد يعبر عن الواقع بشكل مقارب، ويمكن أن نضرب مثلا هنا بفيلم عمر المختار، ومهما كان العمل التاريخي صادقا فهو لن يخلو من (بهارات) تتناول تفاصيل من بنات أفكار كاتب السيناريو هدفها وضع لمسات تشويقية على العمل الدرامي.

- بعض الدراما التاريخية كانت تحرص على تشويه بعض الرموز التاريخية التي تمجدها الأمة مثل صلاح الدين، وذلك بغرض إفقاد الجيل الناشئ لنماذج يمكن أن يقتدي بها في حياته، وقد تجسد ذلك على سبيل المثال بمسلسل نسر الشرق، الذي صور صلاح الدين مجرد عاشق يتنقل بين الغرف المغلقة للنساء.

- بعض المسلسلات التاريخية التي تعود للعصر الإسلامي كانت موجهة اجتماعيا، بحيث تحرص على إظهار الاختلاط بين الرجال والنساء وإظهار المرأة كاشفة الرأس كله أو بعضه، لتصور بأن ما تشهده بعض المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة في هذا الجانب هو أمر طبيعي.

- مسلسلات الفانتازيا التاريخية هي مسلسلات تظل مشوقة طالما وهي تورد أحداثها بشكل عام دون أن تربطها بزمن أو مكان محددين مثل مسلسلي الكواسر والفوارس، لكن عندما تمارس الفانتازيا على أحداث تاريخية فذلك يشكل تشويها للتاريخ، ولنا بمسلسل سيف بن ذي يزن الذي تم إنتاجه في اليمن بمشاركة سورية مثال صارخ، حيث أضاعت الفانتازيا ما نعرفه من أحداث تاريخية عن هذا الملك، وذهبت تتحدث له عن حياة في عالم الجن والأساطير، وتم اللعب بالجغرافيا اليمنية عند تناول أحداث ذلك المسلسل.

- الملاحظ هذا العام بأن المسلسلات التاريخية التي تعبر عن العصر الإسلامي تكاد تختفي من الفضائيات العربية في شهر رمضان، وحلت بدلا عنها مسلسلات تروج للتطبيع مع الكيان الصهيوني في ترويج سياسي مسف على حساب قضية الأمة الأولى (القضية الفلسطينية)، مثل مسلسل "أم هارون" ومسلسل "مخرج 7" اللذان تبثهما قنوات mbc.

- دخلت الدراما التاريخية في الفترة الأخيرة في إطار الصراعات السياسية بين المحاور التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال مسلسل قيامة أرطغرل الذي أنتجه المحور التركي، ومسلسل ممالك النار الذي يرد عليه وتم إنتاجه من قبل المحور الإماراتي المصري السعودي الذي يقف في مواجهة المحور التركي القطري.

ختاماً: أعتقد بأنه ليس من مهام المؤرخين كتابة سيناريوهات المسلسلات والأفلام التاريخية، لكنها يجب أن تخضع لمراجعة دقيقة منهم، بعيدا عن أي صراع سياسي نراه هنا أو هناك.

أ. د. أحمد السري

 الهدف والأثر.

وأنا أشاهد مسلسل (ممالك النار) واقرأ بعد ذلك مقابلة مع كاتب السيناريو الشاب، واقرأ ردود الأفعال هنا وهناك واستمع إلى حوارات في BBC، ذهبت اقرأ في كتب فترة لا أعرفها فتبين لي مقدار الفرق بين السرد التاريخي المكتوب والسرد الدرامي المصور فهما قلمان لا يلتقيان قط ليس فقط في طبيعة السرد بل في احترام الوقائع.

وما التفت إليه حينها هو شخصية سليم الأول (فاتح/ غازي) مصر ومسقط دولة المماليك .. لقد حرص الإخراج الدرامي على منحه ملامح قسوة وعبارات قاسية تشبه شخصية فتحي الإجرامية في مسلسل البرنس..

وهذا التصوير عادة لا يحضر في أي كتابة تاريخية فهي لا ترسم ملامح الوجه ولا تقترب من العيون ومن نبرة الصوت، واختيار المخرج لملامح الوجه والصوت والنبرة هي ترسيخ لرسالته التي يريدها عبر صورة.

مأساة المؤرخ والتاريخ في عصر الصورة والعولمة هو أنه لن يكون له حضور واسع في عالم الصورة ما لم يدخل خادما لسياسات استثمار التاريخ مع هذا الطرف أو ذاك. لعل العزاء الوحيد هو أنه حين يكتب ناقدا وموضوعيا سيجد مستقبلا من يستعمل جهده في منازلة جديدة بين فرقاء يبكي لها مؤرخو الفترة وفد انطوت صفحة من سبقه من مؤرخين مقهورين.

د. احمد المصري

شكراً بروف عبدالله على المداخلة.

بالفعل ستظل بعض الأعمال الفنية خالدة في الذاكرة ك فلم الرسالة و عمر المختار لأنها حملة رسالة في ذاتها و حاولت مقاربة التاريخ.

مسألة تشويه الرموز التاريخية فهذا يدخل في إطار صراع الأيديولوجيات في كل مرحلة تاريخية.

مسلسلات الفنتازيا بما تحمله من تشويق، إلا أن آثارها السلبية كبيرة جدا على المجتمع، فبعد عرض مسلسل الجوارح و الكواسر، انتشرت ظاهرة الشباب الذين يقلدون أبطالها من حيث الشكل (تربية الشعر و تكحيل العيون) و كذلك الملابس (معاوز و ازارات إلى فوق الركبة) صاحبتها نوع من البلطجة في الأسواق .ما يظهر الآن من مسلسلات تحمل أهدافا سياسة ممثلة بالتطبيع و غيرها فهو تعبير عن مدى تغول السياسة في الدراما أو امتلاكها لها.

وتعقيبا على طرحك بروف. أحمد السري.. هل يمكن القول فعلا بأننا نعيش في عصر نخاسة التاريخ؟ عند النظر إلى حجم و عدد المسلسلات التاريخية و ما يتم الإنفاق عليها، و ما تحمله من مغالطات و تزييف؟

أ. د. احمد السري

عرض جيد وهادئ كالعادة وفي الكتابات التي أشرت إليها عرض لمسلسلات تثقيفية وتربوية مثل عمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد وصلاح الدين وصقر قريش وغيرها، لكن لا يعني ذلك توافقها مع آراء المؤرخين، لكنها هادفة ومرحب بها.

لكن التاريخ دخل بوضوح ميدان التنافس السياسي والترويج وتمول دول موضوعاته وتحرص الدول على إخراج عالي الجودة للجذب فالدراما إجمالا لها هدفان، رسالة و إثارة (من أجل الجمهور).

والملاحظ في زمننا الرخو غياب التحشيد العام ضد خصم ، بل تفتيت الجسد العربي وإثارة ضغائنه بموضوعات إشكالية منها التطبيع.

أ. د. عبدالله أبو الغيث

أحسنت بروف أحمد السري في وصف مسلسل ممالك النار وطبيعة العلاقة التي ربطته بالتاريخ، حيث كان ارتباطه بالأحداث التاريخية يتمثل فقط بأسماء الشخصيات التاريخية التي تناولها، بينما ذهبت مشاهد المسلسل لتغرد بعيدا عن الأحداث التاريخية الفعلية.

د. أحمد المصري

هناك عملية تفتيت وتقسيم ممنهج للعالم الإسلامي و الدراما التاريخية أصبحت إحدى أدوات ذلك التقسيم يتجلى ذلك في الاتجاهات السياسية التي تتبناها و الرسالة التي تسعى لإيصاله

أ. د. احمد السري

لا أظن اننا في نخاسة. فالنخاسة تعني بيع العبيد وشراءهم، وقد ذهبت أسواق النخاسة. نحن نواجه مع نوع من الدراما التاريخية المسيسة نواجه موجات احتلال للذاكرة وصياغة وعي سياسي مراد، وعلينا استعمال اصطلاحات أقرب لما يجري ليعرف من العامة. اصطلاح ( نخاسة) تخصصي، ولا أراه قادراً على حمل الفكرة نحن في زمن ( محاولات احتلال الذاكرة لصياغة وعي سياسي يراد).

أ. د. عبدالله أبو الغيث

 أوافقك تماما دكتور أحمد المصري عما ذكرته بخصوص المخاطر المترتبة عن مسلسلات الفانتازيا التاريخية.

أ. د. احمد السري

صحيح ١٠٠٪ .. تفتيت وتقسيم ممنهج.

أ. فيصل علي سعيد

شكراً د. أحمد. على هذه الافتتاحية القيمة في حلقة اليوم.

أولاً: نلاحظ ان الدراما التاريخية مغيبة إلى حدٍ ما في اليمن.

ثانياً: نلاحظ الكثير من المسلسلات لرموز تاريخية تجدها مطعمة دائما بحضور الجانب العاطفي .. بقوة وبالتالي:

هل الدراما التاريخية مقيدة بالنص التاريخي ام تطعم بما ذكر ..وآلية اختيار النص. . من كاتب السناريو.. هناك حضور ربما لذاتيته ، وما يتطلب سوق الإعلام وعائدات الأرباح؟

د. احمد المصري

محاولات احتلال الذاكرة لصياغة وعي سياسي يراد ". وصف أدق للتعبير عن توظيف التاريخ في الدراما من أجل الحشد التعبوي الجماهيري باتجاهات محددة".

 أ. د. عبدالله أبو الغيث

هل يمكن أن نسميه (عهر الدراما التاريخية)؟

د. احمد المصري

الإمكانيات المتاحة في السوق اليمنية سواء من حيث تكلفة الإنتاج أو الكوادر الفنية لا تلبي الطموح بإنتاج درامي محترم. . اما تطعيم الدراما التاريخية بالقصص العاطفية فهي بغرض التسويق و التسويق. كما تمت الإشارة إلى ذلك.

أ. د. احمد السري

تحت مسمى الفانتازيا لم أشاهد إلا قبائل تتقاتل وتتناحر، وهي الرسالة المطلوبة ( لستم دولا ولا أهل حضارة) بل قبائل تتقاتل وتمجد الدم والخراب ) وهي قناعة المستشرق الانجليزي الذي صار مستشارا في البيت الأبيض ويغيب عني اسمه الآن .. تشكيل العقل جبهة تم اختراقها صهيونياً وغربياً ونحن نرى آثارها.

حتى مسلسل الزير سالم البديع لغة وحوارا وإخراجا ( وهنا الخطورة) أخرج أسراً تتقاتل في شوارع دمشق أثناء عرضه كما اخبرني زميل سوري .. أي انه أيقظ مواجع وأثار ضغائن قديمة.

لذلك لابد من الحذر في التعامل مع التاريخ سردا أو دراما. لكننا للأسف ينطبق علينا ( يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العالم بعدوه).

أ. د. عبدالله أبو الغيث

نعم. أصبحت الدراما التاريخية المزيفة تلعب دورا في برنامج التقسيم الذي تشهده الأمة.

وهذا يجعلنا نسأل: من يقف خلف ذلك الإنتاج الدرامي إذا ينتج ظاهريا بأيدي عربية وإسلامية ومثله التمويل الذي تنتج به تلك الدراما..!!

أ. د. احمد السري

كل الأسماء لائقة للتشهير بهم. . لكن كي نبقى في إطار التوصيف لأهدافها المباشرة فهي دراما استبدال الذاكرة التاريخية الأصيلة بأخرى مزيفة ومطلوبة.

أ. د. عبدالله أبو الغيث

نظرة ثاقبة بخصوص مسلسلات الفانتازيا التاريخية، حيث أصبح شيخ القبيلة هو الزعيم النموذج، وأولاده هم الفوارس الذين لا يشق لهم غبار.

أ. د. احمد السري

اختراقات وقد حدثت.

العالم الأمريكي نعوم تشو مسكي ( وهو يهودي متحرر ومتنصل) يكتب منذ عقود حول أثر الإعلام وكيف شكل عقولنا وقناعاتنا وأن القليل فقط من ينجو وحين يحذر هؤلاء وهو منهم لا يجد منبرا إعلاميا لإشاعة تحذيراته. ولذلك فإن الإعلام للأسف بكل ألوانه هو المصدر الأعظم لتشكيل كل القناعات والأذواق ولا يسلم إلا القليل المدرك ويبقى مع ذلك عاجزا عن التأثير المطلوب.

أ. د. عبدالله أبو الغيث

استعرت مصطلح (عهر الدراما التاريخية) من مصطلح (العهر السياسي) الذي يطلق على زمن العبث في الصراعات السياسية ويخرج السياسة عن مصطلحها المنهجي الذي يعرفها بأنها (فن الممكن).

د. احمد المصري

مسألة إثارة الضغائن و الأحقاد و كذلك تشجيع ظاهرة الثأر و الاستعلاء كانت واضحة في مسلسل الزير سالم، بل ربما كان الأهداف الأساسي من إنتاج هذا المسلسل هو إعادة تخليق ظاهرة الثأر و الثأر المفرط والعودة إلى عادات الجاهلية، بمكياج البطولة و الصرامة و قوة البأس، في مجتمعات عربية ما تزال تعيش كثيرا منها مرحلة البداوة .. لا أظن بان إنتاج مثل هذه الأعمال الدرامية من أجل المتعة و التسويق، فهي تحمل رسائل اجتماعية خبيثة.

إذاً:

ما هو دور المؤسسات الأكاديمية المتخصصة في مسألة الرقابة على الدراما التاريخية؟

هل بالإمكان رفع قضايا على مؤسسات الإنتاج في حالة حدوث تزييف أو خداع أو تظليل تاريخي؟

 أ. د. احمد السري

نعم. مفردة العهر صادمة وموقظة وهي ضرورية أحيانا لصعق الذهن كي ينتبه، العهر السياسي واضح ومكشوف وممكن تمثله لكن استعمال المفردة لوصف الدراما لا يسعف المتلقي ( الجمهور) لذلك رأيت التدقيق واستعمال مفردة كاشفة للهدف. احتلال الذاكرة.

أما في مصر توجد هذه الرقابة وهي رقابة على النص أولا ثم على المسلسل بعد تمامه، وهذا معناه أن معظم ما نشاهده من مصر على الأقل تمت الموافقة عليه ويمثل تاليا توافقا مع سياسات الدولة. . وقد قرأت أن أستاذا للتاريخ الحديث في جامعة عين شمس قدم شكوى للنائب العام ضد مسلسل سرايا عابدين وهو عن أسرة احد خديوي مصر وحاولوا فيه تقليد مسلسل حريم السلطان فجعلوه صراعا بين الجواري ونساء القصر على حساب المادة التاريخية وقد قبلت الدعوى من الأستاذ ومن نتائجها توقف الجزء الثاني من المسلسل لمزيد من تدقيق النص التاريخي والوقائع وهذه نافذة أمل مؤقتة لأنها تحتاج من المؤرخ وقتا وجهدا لا يتوفران عادة.

أ. د. عبدالله أبو الغيث

وفي المسلسلات التاريخية الإسلامية التي كانت تنتجها الدراما المصرية في الماضي كانوا يذكرون بأن المراجعة التاريخية تولاها الأزهر الشريف.

د. احمد المصري

بالفعل تمثل نافذة أمل، حين يكون القضاء هو ملجأ المتضرر.. وهنا يتوجب على الأكاديمي و المؤسسة الأكاديمية القيام بدورها الرقابي إن جاز التعبير .. أتذكر بأنه كان يتم في المسلسلات التاريخية التي كانت تعرض سابقا الإشارة إلى أن المسلسل قد تمت مراجعته من الأزهر الشريف أو من جهات في وزارة الثقافة المصرية، وهذا الأمر لم نعد نجده في الوقت الحاضر.

أ. د. احمد السري

صحيح. مرت أوقات أعطي فيها الخبز لخبازه.

د. احمد المصري

بمناسبة الحديث عن المؤسسات الدينية و دورها الرقابي على الإنتاج الفني هل ثمة موقف تجاه الإنتاج الدرامي الإيراني الذي تخصص تقريبا إنتاج اكبر الأعمال الدرامية التي تحكي قصص الأنبياء، متجاوزة في ذلك خطوط حمراء في الثقافة الإسلامية ممثلة في تحريم تجسيد صور الأنبياء. . و هل ثمة رسالة تحملها تلك الدراما ؟

أ. د. احمد السري

صحيح الإنتاج الإيراني فخم لاسيما في مسلسل يوسف ومريم لكنه مفخخ مذهبيا أيضا.

أ. د. عارف المخلافي

ما شاء الله، عرض موفق د. أحمد المصري، وتساؤلات مثيرة، وكذلك إضافات الحاضر الغائب الدكتور أحمد السري التي كشفت عن كثير من الغموض كونه يجمع بين المؤرخ والأديب، وملاحظات دكتور أبو الغيث التي لفتت الانتباه لما يعرض حالياً، مع العلم أنه صدر قرار بإيقاف مسلسل "مخرج 7" واعتبر مسيئ ..، وكذلك المداخلات المهمة لكل المشاركين حتى الآن.

في الحقيقة موضوع الدراما التاريخية لا نستطيع ان ننظر إليه ككتاب نطالب صاحبه بالتوثيق والتوثق، والسبب أنها أعمال تجارية غايتها الحصول على العائدات الكبيرة من خلال تحقيق الإثارة، ولو كان على حساب القيم والأخلاق والوعي والتاريخ، وأنا أراها دائما كمصدر إثراء غير مشروع مثلها مثل تجارة الممنوعات.. ومع ذلك تبقى خطورتها أنها تسرق التاريخ وتخاطب الوعي بطريقتها وليس بحقيقة ما حدث، وهنا تنشأ ثقافة المسخ الفكري، والتربوي لدى الشباب والشابات وحتى الكبار من غير المتخصصين.

بالتأكيد الخطر قائم، والشيء المؤكد كذلك أننا لا ولن نستطيع مواجهة ذلك ولو كتبنا كتبا أو أبحاثا أو عقدنا ندوات أو مؤتمرات، لأن الأمر مرتبط بمافيا صناعة الفن وتحقيق العائدات المادية، ولعل ما يجعل مهمتنا أكثر تعقيداً، انه لا يوجد حتى الآن -على حد علمي- قانوناً صريحا يشرع التعامل القضائي مع مؤسسات الإنتاج الفني والسينمائي والتلفزيوني المسيئة للتاريخ إلا في جوانب الملكية الفكرية، والتعدي الشخصي، والقضايا المجتمعية الكبرى. وهنا لا بد أن نكثف المطالبة بتشريعات تعين على التصدي، قبل النقد. فالكتابات والكتب والأبحاث كثيرة، لكنها لم تغير شيئاً، بل يصل الأمر إلى حد تجاهل المؤرخ في مقابلات فضائية، واستضافة المجرم الذي شوه التاريخ في مسلسل، فتلك القنوات تسعى للإثارة كي تحقق أكبر رقم مشاهدة وما يترتب عليه في سوق الإعلام من مكاسب.

لكن دورنا لا ينبغي أن يصمت، بل يعلو ويعلو كأقل مساهمة في مواجهة مافيا تزييف الوعي، والتي تشعبت لتصل حد تشويه المعتقد، أو التاريخ، أو القناعات، أو التعافي الفكري، بل بلغت حد خلق القابلية للتطبيع، والانبطاح، وتمزيق الأوطان، وتوجيه الوعي إلى فراغات هلامية بدلاً عن إشباعه بالمعارف والتحفيز باتجاه صناعة الحضارة والمستقبل.

أ. د. احمد السري

حلو مصطلح المسخ الفكري .. يضم إلى صحبه لتوصيف رداءة الزمن الرخو.

د. احمد المصري

شكرا بروف عارف على تعليقك السابق الذي تناول جوانب أخرى إضافة إلى ما سبق تناوله.

اعتقد ان دور الأكاديمي في مواجهة كُتاب الدراما التاريخية الممسوخة موتجيها تحتاج إلى تصدي بوسائل عدة، منها القضاء و كتابة المقال و ربما حلقتنا هذه تدخل في ذات الإطار. . صحيح بأن هذه المحاولات لن تستطيع إيقاف مافيا الدراما أو حتى مواجهتها، لكنها و لو بالشيء البسيط تستطيع إيصال رسالة إلى أوسع شريحة ممكنة بخطورة و زيف تلك الدراما.. مواجهة وفق الإمكانيات المتاحة.

أ. د. عارف المخلافي

شكرا دكتور احمد. يعني على طريقة، العيار الذي ما يصيب يدوش.

د. احمد المصري

 تقريباً بهذا المعنى.

اتفق معك تماما بروف. عبدالله بتوصيفك لهذا الفترة و ما يجري فيها من ابتذال درامي وتوظيف وقح للدراما التاريخية بأنه "عهد عهر الدراما التاريخي".

أ.بكيل الكليبي

هل بالإمكان استخدام الدراما كمادة علمية يمكن الاستفادة منها في إعطاء المحاضرات للطلاب على سبيل المثال الأفلام الوثائقية على اعتبار أنها الجانب العملي في تدريس منهج التاريخ؟.

أ. د. عارف المخلافي

شكراً أستاذ بكيل.

انا استخدمتها هذا العام والعام المنصرم في مقررين، ولكن ليس كعلم، وإنما طلبت من الطلاب مشاهدة المقطع وتصحيح الأخطاء في ضوء ما درسنا، وكانت النتيجة مبهرة وبشكل لم أتوقعه، ولعل السبب ان هذه المادة المرئية جزء من حياتهم اليومية في وسائل التواصل الاجتماعي.

أ.بكيل الكليبي

لماذا نحن كمؤرخين لا نهتم بهذا الجانب على اعتبار ان الجانب العملي في مادتنا العلمية هو إعادة بعث المشاهد كي نجعل الطالب يعيش وينسجم في العصر الذي يدرسه

د. رياض الصفواني

حينما يتجه الحديث نحو الدراما الفنية يبرز أمامي مسلسل "الفجر" الذي أنتجه التلفزيون اليمني في ثمانينات القرن الماضي، الذي يصور جانباً من واقع اليمن قبل ثورة 26 سبتمبر المجيدة، هذا المسلسل الذي استأثر باهتمام شريحة واسعة في المجتمع، جعلنا نعيش الواقع والحدث بعقولنا وقلوبنا ويبرز ضمناً شيئاً من المقارنة بين ما كان وما صار، وما ينبغي له أن يكون، وهو يمزج بين الواقعية إلى حدٍ ما كما أراها والحبكة الدرامية التشويقية والمثيرة.

أ. د. عارف المخلافي

هل لديك إمكانيات إنتاج محاكاة تاريخية صحيحة ؟ إذا تستطيع لن يمنعك تحد، بل سوف تصبح مبتكراً لمهارات الأداء.

د. إسماعيل قحطان

موضوع رائع دكتور أحمد المصري .. وسعدت بوجود استأذنا القدير الدكتور احمد السري الذي غاب عن المنتدى في الحلقات السابقة لانشغاله كما أوضح في تعليقه ..

اعتقد ان التغيير الكبير الذي يحصل في الدراما يشوه الحقيقة التاريخية .. وللأسف ينطبع في مخيلات الناس ما هو مشوه .. وتبتعد عنهم الحقيقة، وعندما تتناقش مع بعضهم يستشهد بالمسلسل أو الفلم الذي شاهده .. الدراما في اعتقادي تجني على التاريخ وتصرعه .. والمؤرخ ليس بيده حيلة تجاه ذلك.

د. أحمد العرامي

منشور في صفحتي الفيس بوك بتاريخ 25 نوفمبر 2019م .. لمن يريد أن يعرف.. الحقيقة ليست في ممالك النار ولا قيامة أرطغرل أو عثمان.

*توطئة:

الحادثة التاريخية لا تتكرر و لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال ما يصلنا من بقايا مادية أو تسجيلات مكتوبة أو روايات شفوية، وهي على الرغم مما تتصف به من أصالة و معاصرة للأحداث، ومع إخضاعها للنقد و التمحيص، تظل في نظرنا عاجزة عن تصوير الحقيقة التاريخية بجميع جوانبها وأبعادها و دلالاتها، و هذا ما يجعل الحقيقة التاريخية الكاملة الشاملة متعذرة تعذر إعادة الحياة للأحداث التي وقعت في الماضي، وتصبح معه الإحاطة بجميع أبعاد المعرفة التاريخية و التعرف على مختلف أسبابها و ظروفها و مظاهرها وجزئياتها أمرا نسبيا.

-الأخطاء التاريخية في الأعمال الدرامية تزييف للوعي الجمعي:

المصادر التاريخيّة لا تنقل كل التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية، لكنها قد تعطينا تصوراً عاماً عنها. وحين يحوَّل التاريخ إلى نص درامي، يلجأ صنّاعه إلى خلق سيناريوهات وحوارات، لتتحول النصوص إلى مشاهد حيّة، وهذا مقبول وضروري. لكن الأزمة تحدث حين يعبث صنّاع العمل بالأحداث التاريخية نفسها، وهو ما حدث كثيراً في الأعمال السينمائية والتلفزيونية.

إن التفريق بين الإبداع الفني المتجسد في خيال المؤلف، وبين الوقائع التاريخية أمر واجب .. فالخلط بينهما قد يفسد تاريخاً كاملاً لدولة، خصوصاً أن هنالك مشاهدين يستقون معلوماتهم التاريخية من الدراما فقط الأمر الذي يعد تزييف للوعي الجمعي.

1-الطريق إلى إيلات:

كثيرون تأثروا بفيلم "الطريق إلى إيلات" للمخرجة إنعام محمد علي، والسيناريست فايز غالي، ومشاهد عزت العلايلي ونبيل الحلفاوي البطولية، إلا أن الواقع يؤكد أن الفيلم غير دقيق، إذ يتناول (3) غارات على ميناء إيلات، جرت بتواريخ مختلفة على أنها عملية واحدة. في حين أن البحرية المصرية أغارت على ميناء إيلات (3 ) مرات، وليس مرة واحدة كما في الفيلم.

العملية الأولى كانت في 16 نوفمبر 1969، ولم ينجح رجال الضفادع البشرية من دخول ميناء إيلات، فلغموا السفينتين الحربيتين الإسرائيليتين "هيدروما" و"دهاليا" وفجروهما. العملية الثانية كانت في 6 فبراير 1970، وفيها دمرت الضفادع البشرية ناقلة المدرعات "بيت شيفع" وناقلة الجنود "بات يم" أما الثالثة، في 15مايو 1970، ونجحت في تدمير الرصيف الحربي لميناء إيلات، بعد تثبيت لغمين شديدي الانفجار أسفله، أحدهما انفجر مبكراً عن موعده في الساعة 7:35 صباحاً، والآخر انفجر في الساعة 9:35، أي بعد ساعتين من الانفجار الأول.

2- الناصر صلاح الدين:

الفيلم الذي كتبه يوسف السباعي بالاشتراك مع نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمد عبد الجواد، وأخرجه يوسف شاهين، عام 1963، فيه أكثر من خطأ تاريخي.

صلاح الدين الأيوبي الذي لُقّب في الفيلم بـ"سلطان العرب"، لم يكن عربياً ولم يُطلق عليه هذا اللقب. ولد صلاح الدين في تكريت في العراق، ويرجع نسب الأيوبيين إلى أيوب بن شاذي بن مروان، من أهل مدينة دوين في أرمينيا، بحسب ما جاء في كتاب "الكامل في التاريخ" لابن الأثير. وهناك من أرجع نسب الأيوبيين إلى قبيلة غطفان العربية، التي هاجرت في عهد الدولة الأموية من شبه الجزيرة العربية إلى تخوم الشام ووسط آسيا، لكنهم لم ينفوا أن أيوب بن شاذي بن مروان كان من مدينة دوين في أرمينيا.

القائد عيسى العوام، لم يكن مسيحياً، إنما كان مسلماً، وتوفي غرقاً على شواطئ عكا، بحسب ما ورد في كتاب "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية"، للقاضي بهاء الدين بن شداد والي عكا، القائد بهاء الدين قراقوش، لم يكن خائناً. بل على العكس، كان أحد القادة المقرّبين من صلاح الدين، وعُرف بشجاعته وبسالته، واستمات في الدفاع عن عكا طوال عامين من الحصار الشديد، الذي ضربته قوات الصليبيين. ويذكر عنه القاضي بهاء الدين بن شداد في "النوادر السلطانية" أنه فاجأ القوات وخرج بجنوده من القلعة المحاصرة، ودارت موقعة شهيرة قتَل خلالها ( 70 ) فارساً وأسر الكثير، عكس ما بينه الفيلم في دور أدّاه توفيق الدقن. وجعله رمزاً للخيانة.

ريتشارد قلب الأسد، لم يقتل ( 70) أسيراً مسلماً بعد استيلائه على عكا، عن طريق الخطأ إثر وشاية بأن صلاح الدين قتل رسله الصليبيين. لكنه قتل ( 2700 ) أسير قبل أن يتحرك من عكا لمواجهة صلاح الدين في معركة أرسوف، خشية أن يعرقلوا تحركه، بحسب ما أورده القاضي بهاء الدين في "النوادر السلطانية".

 الدراما التاريخيـة بين الفن والسيـاسـة (2)

التعليقات (0)