الأوبئة في تاريخ اليـمن (2)

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقة السادسة والعشرون:

   26 رمضان 1441ھـ / 19 مايو 2020م

الأوبئة في تاريخ اليـمن

رئيس الجلسة:

أ. جميل الأشول

أ. فيصل علي سعيد

وماذا تعني قاعدة.إلاهية.

 د. نشوان الوجيه

شكراً أخي القدير جميل على هذا العرض الشيق والممتع .وسؤالي: هو انه يذكر البعض ان عمرو بن العاص في طاعون عموس اتخذ إجراءات وقائية من الوباء فما صحت ذلك وما هي الإجراءات المتخذة.

أ. عادل الحميري

رائع أستاذ جميل أنا سبقت بمداخلتي يوم أمس والسؤال: هل لديك معلومة عن (حب النار الفارسي).

لنضيف إن وجدت خاصة ونحن في طور إعداد موسوعة تأريخ الفكر الطبي في اليمن التي حزنا فيها عل جائزة السعيد للعلوم في العام 2014.

نشكر كل الجهود التي بذلت لإنجاح هذه الحلقات النقاشية العلمية، متمنين استمرارها لتعم الفائدة، راجين من الله عزل وجل التوفيق والسداد لكل أعضاء المنتدى، وللمنتدى دوام النشاط واستمرار العطاء.

أ. عادل الحميري

ضمن الأوبئة التي ذكرت في المخطوطات اليمنية ( حب النار الفارسي) وهو ما يسمى حديث ب (الجمرة الخبيثة) وهو من الأمراض المعدية أعذنا الله جميعا من الأوبئة ! وموقفت عليه سؤال متعلق بذلك الوباء مفاده ما الحكم فيمن باع ثوبا ملبوسا أصيب لابسه بذلك الداء؟ يرجع السؤال وجوابه إلى النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، فالشاهد هنا التسمية بحب النار الفارسي؟ وكيف انتقلت إلى اليمن؟ وهل يمكن الربط بين القديم والحديث أن فارس ما يأتينا منها إلا البلاء؟

ومن الأوبئة أيضا ( الجدري) و(الطاعون ) الذي ذكر في الكثير من المخطوطات اليمنية وكتب الحوليات ومن علماء اليمن من تناول تلك الأمراض جحاف وشيخ الإسلام الشوكاني الذي وضع. فتوى في العدوى ( لا عدوى ولا طيرة) رائع أستاذ جميل أنا سبقت بمداخلتي يوم أمس والسؤال هل لديك معلومة عن (حب النار الفارسي)، لنضيف إن وجدت خاصة ونحن في طور إعداد موسوعة تأريخ الفكر الطبي في اليمن التي حزنا فيها عل جائزة السعيد للعلوم في العام 2014

أ. جميل الأشول

 فيما يخص سؤالك دكتور نشوان. نعم أستخدم بعض الإجراءات منها أنه أمر أن يرتفع الجيش المسلم على الجبال وان يتباعدوا.. فنجح بعد كان الطاعون ينتشر فيهم إنتشار النار في النار.

أ. جميل الأشول

سبق الإجابة عنها عند سؤال العزيز الدكتور أحمد المصري والأستاذة الرائعة عزيزة حاتم.

أهلا وسهلا بالغالي أستاذ عادل الحميري. .فيما يخص سؤالك لم أقف عليها.

أ. جميل الأشول

الموضوع أعتقد عام يشترك به الكل، وليس تخصصي، والكل مشترك في الإجابة.

 د. مصطفى غشيم

 اسعد الله أوقاتكم بكل خير اعتذر عن عدم مواكبتي للنقاش كوني منشغل منذ الصباح الباكر في الجامعة والخدمة المدني .. لذلك ستنحصر مشاركتي حول بعض الأوبئة والطواعين التي فتكت بالمجتمع الرسولي، بحسب ما ذكرته بعض المصادر التاريخية، وما نتائج ذلك على المجتمع اليمني في العصر الرسولي، وكيف تم التعامل مع تلك الجوائح من قبل الخيرين -سلاطين وعلماء وغيرهم- في تلك الفترة.

 لقد تعرضت اليمن خلال عصر بني رسول لكثير من الكوارث الطبيعية حدثت في سنوات مختلفة، فمن هذه الكوارث: الفيضانات والسيول الجارفة، والزلازل، والجراد، ومرض الطاعون، ناهيك عما تعرضت له البلاد من قحط وجدب، وما ترتب عليه من حدوث جوع شديد وغلاء في الأسعار، كل تلك خلفت وراءها آثاراً مزرية لكثير من الناس، وهذا ما حصل بالفعل، فأما السيول فقد تسببت في هدم البيوت وسقوطها على رؤوس ساكنيها، وإتلاف محاصيل الناس وتخريب زرعهم فضلاً عن انتشار الأمراض والأوبئة بين السكان والحيوانات، وأما الزلازل فقد ضربت بعض مناطق اليمن، وقد رصدتها بعض المصادر إلا أنها لم توضح حجم الأضرار التي أحدثتها، وأما عن الجراد فأكلت المحاصيل الزراعية وأتلفتها؛ الأمـر الذي جعـل المزارعـين عاجزين عن دفـع مستحقات الدولة، وآفـة الجراد تلك كانت سبباً في ارتفاع الأسعار، في حين تسبب الطاعون في موت العديد من عامة الناس.

 وعلاوة على ذلك فقد كان للكوارث الطبيعية المتعددة التي تضرر منها عامة الناس ــ وخاصة الرعية ــ صداها عند معظم سلاطين بني رسول، فأخذوا في تقدير خطورة الوضع المتدهور للناس، وهذا ما استدعى ضرورة التدخل.

لقد عانت اليمن في العصر الرسولي من العديد من الأوبئة والأمراض التي كانت كثيرا ما تنتشر بين الناس لقلة الرعاية الصحية والتوعية بينهم رغم العناية التي أولتها بأوضاعهم الصحية في محاولة لمحاربة تفشي هذه الأوبئة والحد من انتشارها فضلا عن علاجهم للأمراض الكثيرة التي كانت شائعة ومنتشرة بينهم والتي كانت في حاجة إلى مراقبة مستمرة لتفادي مضاعفاتها.

 في هذا الاتجاه قامت الدولة الرسولية ببناء وحدات صحية صغيرة في بعض المدن الكبرى وخاصة الموبوءة منها وأخذت عن متخصصين من الأطباء لتلك الوحدات الصحية وإذا لم تجدهم أرسلت في طلبهم من خارج البلد، وهذا ما فعله السلطان المظفر الرسولي عقب فتح ظفار الحبوظبي بحيث كتب إلى الظاهر بيبرس صاحب مصر يطلب منه ان يرسل مختص (طبيب) إليه لهذه المدينة لأنها موبوءة

ومثل هذا الدور أي الاهتمام بأحوال الناس الصحية نجد السلطان المؤيد داوود يستقبل رجل يقال له احمد الساعور القادم من دمشق وقد كان على معرفة بالطب وقد خصص له رواتب منذ قدومه حتى وفاته وهذا يقودنا إلى القول : ان هذا الطبيب ظل يعمل في اليمن على معالجة الناس .. بل ونجد سلاطين بني رسول كانوا تواقين إلى الطب وذهبوا إلى تعليم أولادهم هذه المهنة ليكونوا أطباء يستفاد من علمهم في خدمة مجتمعهم.

عن أهم الطواعين التي فتكت باليمن الطاعون الذي اجتاح البلاد في أواخر عهد السلطان الظاهر يحي بن إسماعيل عام 839 هجرية.

بالإضافة إلى ذلك نجد السلاطين قد وفروا لأنفسهم الأطباء ليهتموا بصحتهم وصحة أقربائهم وقد ضمت قصورهم عددا من الأطباء.

وقد أفادت مؤلفات بنو رسول الطبية المجتمع وانتفع بها الناس ..كما انفردت بعض مؤلفاتهم ليس فقط بعلاج الإنسان بل تعداه إلى علاج الحيوانات.

خلاصة القول ان تلك المؤلفات كادت ان تكون مرشد طبي لكيفية العلاج والوصفات الطبية يمكن جمعها من الأعشاب.

أ. عادل الحميري

 مستوى تدني الوضع الصحي في اليمن عبر التأريخ إن صح التعبير ومنها أشير إلى اليمن في عهد الإمام يحيى حيث نشرت إحدى الصحف المصرية القديمة إنتشار الأمراض والأوبئة في اليمن وإرسال بعثة طبية لموجهة ذلك وكان من الإمام كما روت الصحيفة أنه وجه الأمر لتلك البعثة بأن تتم معالجتهم للدجاج حتى يتأكد من صحة دعوتهم لمكافحة الأوبئة ومعالجة المرضى حفظا على سلامة البشر.

 أما عن الأدوية فقد وقفت على مجموعة من الوثائق والمرسلات التي كانت بين الإمام يحيى وزاكي حكمت ( السوري) الذي كان على علاقة بالإمام وكان هو مورد السلاح لليمن من الخارج حتى عرف نوع من السلاح باسمه (زاكي الكرام) ومن تلك الوثائق طلب من الإمام من الحكيم زاكي أن يعرض له أسعار أصناف من الأدوية لمعالجة المرضى كونه مصدر ثقته وبعد أن تم إرسال العرض المطلوب طلب إرسال الأصناف ليتم فحصها وكلف وزير خارجيته بالاطلاع عل الأصناف بعد استقبالها في الحديدة. وهنا نقف مع الحرص الشديد والزايد. وبين معاناة المرضى وانتظار العلاج .. انتظار وصول العلاج من غير الطبيب ..

استكمال.

د.احمد المصري

 بالمناسبة زاكي كرام هو في الأصل طبيب أسنان.

سأطرح سؤال هنا:

هل استخدم اليمنيون السلاح البيولوجي في صراعتاهم قديما، أو في العصور الإسلامية؟

أ. عادل الحميري

نعم. . يمكن القول بأن العصر الرسولي مثل العصر الذهبي لتأريخ اليمن من واقع اهتمام حكام تلك الدولة بالمؤلفات الطبية والبيطرية باستجلاب الأطباء والعلماء والإنفاق عليهم من الخزانة السلطانية ومن وضع بعض مؤلفات أولئك الأعلام برسم وعناية حكامهم ومن أولئك الأطباء الكمراني صاحب. منافع الأبدان الذي لخصه واختصره الصنيبري صاحب الرحمة. في الطب والحكمة. وبعدهم ابن الأزرق بكتابه تسهيل المنافع وغيرها من المختصرات الطبية (وعالجها بالتي كانت هي الداء) مدى صحة هذه العبارة وما ورد عن طبيب العرب الحارث بن كلدة. في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

أ. عزيزة حاتم

هل كان ثمة استطاعة على التعامل مع هكذا كائنات بيلوجية دقيقة؟

أ. د. علي الناشري

ماشاء الله أخي العزيز أ. جميل الأشول عرض متميز لحلقة اليوم تشكر عليه.

وفيما يخص انتشار الأمراض والأوبئة في تاريخ اليمن القديم لدينا عدة نقوش مسندية ورد فيها بعض الألفاظ منها مرض . سدم. خوم. عوس بمعنى مرض ووباء الطاعون كان قد عم الارض أيام الملك السبئي رب شمس نمران ملك سبأ وذي ريدان في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي فقد تحدثت بعض نقوش عهده عن حروب كثر فيها القتل وانتشرت من جرائها الأوبئة والأمراض ( بن خوم ذكين بكل ارضن. RES4138) وفي نقش آخر (Ja645) يتحدث مسجله عن تقربه للمقه معبود سبأ بتمثال حمدا له على نعمه عليه بأن حفظه وسلمه وأنقذه من مرض ووباء الطاعون ومن الموت الذي كان قد عم الأرض (بن خوم وعوس وموتت كون بأرضن).

للمزيد انظر(الناشري. ملوك سبأ وذي ريدان. 2007م. ص85-86)

 والمثال الآخر أيام الملك الحبشي أبره الذي شهد عهده انتشار لمرض الطاعون عقب حروبه لقمع الثورات اليمنية المناهضة للوجود الحبشي بقيادة يزيد بن كبشة الكندي بحضرموت وأقيال سبأ في مدينة مارب وما جوارها..حوالي منتصف القرن السادس الميلادي.

د. صادق الصفواني

 بحث الطب في اليمن القديم ربما جديد ونادر .. بارك الله في علمك د.عارف واختيارك الثاقب لابراز جوانب الحضارة اليمنية القديمة.

دكتور عارف. هل وجد نقوش تتكلم عن علاج لسعات الزواحف السامة وعظ الكلاب وأمراض الزراعة وعلاجها؟

وهل وجد نقوش فعلا عن تعامل اليمنيين القدماء مع الأوبئة والطواعيين؟

أ. د. عارف المخلافي

حياك الله وبياك د. صادق.

هذا البحث كان أول بحث يكتب في هذا المجال وبهذا العنوان.

 من الغريب جدا ان النقوش اليمنية القديمة تحدث عن المرض وسكتت عن العلاج، باستثناء نقش واحد يتحدث عن امراه تعاني من آلام بالثدي، وانها جلبت ماء من سبع آبار لعلاجه.

 ولكن مع الأسف هذا النقش لم يتناوله بحثي، وحدثني عنه بعد تقديم البحث إلى مؤتمر الحضارة اليمنية بجامعة عدن سنة 2007 أستاذنا ا.د إبراهيم الصلوي بارك الله في عمره.

 وعلمت ان هناك رسالة سجلت في قسم الآثار منذ نحو عامين، تتحدث عن هذا الموضوع، وستدخل جميع النقوش المعروفة.

 كذلك كان اخبرني د. فهمي الأغبري قبل أكثر من اثني عشر عاما ان لديه نقشا يعكف على دراسته مع البروف الصلوي، ربما انه يشير للعلاج، لكنهم لم يتأكدوا حتى ذلك الوقت، ولا ادري هل نشر ام لا.

كان العلاج في اليمن القديم من الأسرار.

 و وجدت نقشا ثموديا أشار إليه البروف الذييب لشخص عولج من مرض أصيب به عندما كان في ذمار، ولعله كان في رحلة تجارية .. وأشرت إليه في بحث آخر لي بعنوان: "الدلالات الحضارية لألفاظ التعارف في نقوش شمال الجزيرة العربية القديمة".

د.احمد المصري

ماذا عن موضوع القاعدة الإلهية،، اعني - مصدر المناوي- بأن جعل ذلك قاعدة الإلهية؟ على ماذا ارتكز في ذلك،حتى حُسِب التعريف الذي أشرت إليه، فإن الطاعون يعتبر وباء أيضا؟!

أ. جميل الأشول

 من رام يستقصي معاني طبية .. ويشاهد المعدوم كالموجود .. فعليه باستيفاء تاريخ طبية.تأليف/ عالم مكة المخلافي.

د . صفاء عروه

أسعد الله مساءكم، وخواتم مباركة ومرضية للجميع.

نشكر كل من شارك في جميع الحلقات التاريخية الرمضانية، التي اختتمت بموضوع الأوبئة في اليمن عبر التاريخ، للأستاذ القدير جميل الأشول.

 هذه مشاركة متأخرة عن موضوع الأوبئة في اليمن، فيها معلومات تاريخية، وقصة إنسانية، وعظة وعبرة، ودعوة للأمل -في ظل هذه الظروف التي نعيشها- والوثوق بالله عزو جل، وبأن الأعمار بيده، وكل إنسان يعيش العمر المكتوب له، حتى ولو رمى بنفسه للموت، وما على الإنسان إلا الإلتزام بالوقاية والتعليمات الصحية، والدعوة إلى الله عز وجل، بأن يحفظ الناس جميعا ويلطف بهم، وما كتب لهم من قدر سيعيشوه في عهد "كورونا" وما بعدها.

الهروب من الحب والإنتحار في اليمن:

 يعيش الإنسان حياة تبدو في ظاهرها للآخرين، بأنها مفروشة باللؤلؤ، ومزينة بالمرجان، ومرصعة بالألماس، ومسورة بالذهب؛ لكن ستار الأيام ينكشف فجأة في مسرح الحياة، وتظهر الصورة الحقيقية، الغائبة عن أعين الناس، بأن في حياة الإنسان جناح داخلي خاص، محاط بسور كبير من الحزن، وشباك من الألم، نسجه له القدر بإحكام، ولن يتم التخلص منه، إلا بقدر جديد يهد أسواره، ويمزق شباكه، ليرمم ما تشقق في حياته، ويكمل فيها ما تبقى له من عمر.

 وهذا ما حدث لطبيبة فرنسية جميلة وذكية، ولدت في باريس عام ١٩١٢م، وتزوجت بطبيب مشهور من أسرة كبيرة في فرنسا، وأنجبت له أربعة أطفال، وعاشت معه حياة هادئة ومستقرة، إلى أن أوقعها القدر في (شباك الحب) وتعلق قلبها برجل آخر متزوج ولديه أطفال، وجمع الحب بين قلبيهما.

 ولأن هذا الحب ولد في بيئة غير صالحة للنمو، وغير قابلة للاستمرار، أنهكها عذاب الضمير، فقررت الطبيبة المغادرة إلى الجزائر المحتلة من فرنسا، للتطوع مع الثورة الجزائرية؛ لتنسى الحب وتتوفى في سبيل قضية سياسية، لأنها - كما ترى نفسها- ماركسية ويجب أن لا تموت عبثا. فوقفت مع الشعب الجزائري ضد بلادها المحتلة، وانشغلت بالحرب، ولأن قدر الوفاة لم يحن أجله وطال أمده، شعرت بعد مدة طويلة من الكفاح، بأنها قد شفيت من الحب، وقررت العودة إلى باريس.

 لكن مشاعرها بمجرد عودتها لوطنها، فاقت من سباتها، ونبض قلبها من جديد، وعاود الطبيبة الألم مجددا، وعذاب الضمير. فبحثت عن مكان آخر محاط بالأخطار، ومليء بالأمراض، حتى تذهب إليه، ليس لممارسة العمل الطبي والإنساني وعلاج المرضى فقط، وإنما ليخطف القدر روحها من الحياة.

وقتها كشفت لها الصحف الفرنسية، عن وجود وباء خطير وأمراض معدية وأخطار كبيرة في اليمن، فقررت الموت في سبيل قضية إنسانية، واتصلت بوزارة الخارجية الفرنسية، وطلبت منهم السماح لها بالتطوع للعمل في اليمن، وقبلت الوزارة هذا الطلب، وحصلت على موافقة الإمام أحمد في يونيو ١٩٥٠م، وتوجهت إلى اليمن في يناير ١٩٥١م، بهدف معالجة اليمنيين، وإصابتها بالمرض، حتى ينقطع نفسها من الحياة للأبد.

 إنها الطبيبة الفرنسية (كلودي فايان) مؤلفة الكتاب التاريخي الشهير "كنت طبيبة في اليمن" الذي وصفت فيه رحلتها المثيرة، ومغامراتها الكثيرة، ومغادرتها لليمن، وقلبها يعتصر بالألم، بأسلوب رائع وشيق ومثير للجدل. ذكرت في مقدمة الكتاب، بأن أسباب خاصة جعلتها تتحمل المخاطر التي ستعيشها هناك، ولكنها لم تتطرق لتلك الأسباب، واحتفظت بهذا السر، حتى عودتها إلى فرنسا في منتصف الخمسينيات.

 وبعد عودتها إلى باريس، وانتشار كتابها باللغة الفرنسية، وعدة لغات أخرى، تعرفت على الطالب اليمني، الذي أصبح بعد ثورة سبتمبر وزير خارجيتها ورئيس وزراءها (محسن العيني) عندما كان يدرس في فرنسا عام ١٩٥٦م، وسمعها تتحدث في إذاعة باريس عن اليمن بحب وإعحاب كبير، بما شاهدته وعاشته هناك، فذهب للقائها، وحينها وجه إليها سؤال: ما سبب مجيئك إلى اليمن؟ فلم ترد عليه في وقتها، وتحفظت عن الإجابة، حتى عاد إلى مصر.

 وبعد ترجمة الأستاذ ( محسن العيني) لكتابها باللغة العربية عام ١٩٥٨م، وطباعته وانتشاره في الوطن العربي عام ١٩٦٠م، أرسل لها نسخة من الكتاب، إطلعت عليه، واندهشت لانتشاره بتلك السرعة؛ وقتها بعثت له رسالة في القاهرة، شرحت له فيها قصتها، وأفشت بسرها، وذكرت له السبب الحقيقي للسفر، وهو "الهروب من الحب والإنتحار في اليمن".

لم تكن تعلم الطبيبة بعد مغادرتها فرنسا إلى اليمن، أن هناك مذاق خاص لحياة جديدة ينتظرها، وعمر طويل يتشبث بها. فقد أحبت الناس، وأعجبت بالمجتمع اليمني وبساطته، وانبهرت بعاداته المختلفة، وتقاليده المتنوعة؛ ورغم المضايقات التي صادفتها من بعض المسؤولين، والأوضاع السيئة والمتدهورة، إلا أنها أغرمت بجمال اليمن، ومعالمها التاريخية، وتراثها الفريد، وحضارتها العريقة، وتغزلت بشعبها الأصيل، الذي تحدى الظروف الصعبة، والحروب الطويلة، وأثبت بصبره عبر التاريخ، أنه شعب أبي، لا يقبل الإنهزام، ويتشبث بالحياة رغم مآسيها، ويدهش عقول زائري اليمن ببسالته، ويبهر أبصارهم بشموخه، ويسلب قلوبهم بعقيدته.

فقد منح الشعب اليمني (كلودي فايان) بإلتزامهم الديني وتعلقهم الكبير بالله، وطبيعة بلادهم الخلابة والساحرة، جرعات من الصبر، ولقاحات من الصمود، وفيتامينات من التحمل، ومضاد حيوي من الكرامة، ومصل من عزة النفس، وانبولات من التمسك بالحياة، وجعلوها تشعر بالعار، لمجرد التفكير بالإنتحار، وإن كان ذلك في سبيل قضية تغير المسار.

 لقد أعاد اليمنيون إليها الأمل في الحياة، وجعلوها تتجرد في كثير من الأحيان عن إلحادها، وتفكر باحتمال وجود الله، وعاشت عمرا طويلا، بعد عودتها إلى فرنسا عام ١٩٥٢م، ما يقارب خمسين عاما، زارت فيها اليمن عدة مرات، بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ١٩٦٢م، وساهمت في إنشاء المتحف الوطني، وعالجت الكثير من اليمنيين، ومنحتها السلطات اليمنية الجنسية عام ١٩٩٠م، وكان آخر زيارة لها لليمن مع الرئيس الفرنسي عام ١٩٩٣م، وتوفيت بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والأعمال الإنسانية عام ٢٠٠٢م، عن عمر ناهز التسعين عاما.

جاءت (كلودي فايان) مؤلفة كتاب "كنت طبيبة في اليمن" لمداوات أجساد اليمنيين من المرض، وعادت من رحلتها الأولى عام ١٩٥٢م، بمداوات اليمنيين لقلبها "فكانت اليمن طبيبة لها".

▪منقول بتصرف من مقابلة تلفزيونية للأستاذ محسن العيني في قناة السعيدة، برنامج محطات في حياتي، الحلقة السابعة.

▪كنت طبيبة في اليمن، كلودي فايان، تعريب محسن العيني، دار الكلمة، ١٩٨٥م.

▪اليمن واليمنيون بقلب كلودي فايان، المركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية، ٢٠١٢م.

ا . جميل الأشول

بهذا الختامي المسكي بإنزال هذا الكتاب القيم لأستاذنا البروف عارف المخلافي، الذي يحمل في طياته تاريخ الطب في اليمن القديم، ننهي حلقة اليوم، ونشكر بالثناء الجميل لكل من شارك أو سأل أو استفسر، أنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس كما في الأثر.

انتهى نقاش الحلقة الأخيرة ،،،

لكم جميعًا جزيل الشكر،،،

الخاتمة:

أ. د. أحمد حنـشور

شهد منتدى المؤرخ الحصيف خلال شهر رمضان للعام 1441هجرية (إبريل – مايو  2020م)، حلقات نقاش علمية، لعدد من المواضيع التاريخية – شملت 14 موضوعا تاريخيا – شارك في مناقشتها كوكبة من أبرز المؤرخين والآثاريين اليمنيين، أسهم فيها المشاركون بمعارفهم التي أكتسبوها خلال مسيرة حياتهم الحافله بالعطاء، وتم تشكيل فريق من المتطوعين لتوثيق تلك الحلقات النقاشية، كان نتيجتها هذا الكتاب الذي بين أيديكم (بجزئيه الأول والثاني)، الذي يضم بين دفتيه خلاصة ما تم تداوله خلال النقاش من آراء وطروحات علمية يمكن البناء عليها في المستقبل، وهناك فكرة يمكن لمن لديه الرغبة في بذل المزيد من الجهد العلمي تبنيها لبلورة الجهود الرائعة التي بدلها المشاركون في النقاش، وذلك من خلال فرز معلومات كل موضوع وإغناءه بالمعلومات، ورفذ المكتبة التاريخية اليمنية بكتب علمية تخصصية لعصور التاريخ اليمني ومراحله المختلفة.

ختاما نشكر كل الجهود التي بذلت لإنجاح هذه الحلقات النقاشية العلمية، متمنين استمرارها لتعم الفائدة، راجين من الله عزل وجل التوفيق والسداد لكل أعضاء المنتدى، وللمنتدى دوام النشاط واستمرار العطاء.

الأوبئة في تاريخ اليـمن (1)

التعليقات (0)