دور المهاجرين اليمنيين في مهاجرهم وتأثيره على العلاقات الدولية لليمن (1)

مـنتـدى المـؤرخ الحصيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقة الرابعة والعشرون والأخيرة

دور المهاجرين اليمنيين في مهاجرهم وتأثيره على العلاقات الدولية لليمن

24 رمضان 1443هـ / 25 أبريل 2022م

رئيس الجلسة

د. عبد الودود مقْشّر

القســم الأول

التــقديم للحلقة

تقديم رئيس الجلسة

د. عبد الودود مقْشّر

مقدمة الجلسة:

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

السلام عليكم ورحمة الله ... نبدأ معكم نقاش الحلقة الرابعة والعشرون والأخيرة من النقاش الرمضاني في منتدى المؤرخ الحصيف ولها ارتباط بحلقة الأمس، فالحلقتان تناقشان موضوعًا واحدًا هو موضوع هجرة اليمنيين عبر التاريخ، فحلقة الأمس ناقشنا فيها أسباب الهجرات اليمنية خارج الوطن اليمني وعلاقتها بالصراع الذي دار في اليمن داخليًا وعلى اليمن خارجيًا. بينما حلقة اليوم ستناقش: -

[الآثار والأدوار التي لعبها المهاجرين اليمنيين في مهاجرهم والإسهامات التي قدموها لتطوير أوطانهم الجديدة].

نأمل إثراء موضوع النقاش، ليكون ختامه مسك إن شاء الله مع خالص الشكر والتقدير لكم جميعًا.

القسم الثاني

(الأسئلة والمداخلات)

أولاً: الأسئلة والإجابة عنها.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

موجات الهجرات السامية المبكرة التي انطلقت من ربوع الجزيرة العربية بمن فيها اليمن صوب بلاد الرافدين وبلاد الشام تمكّنت من إقامة دول هي من صنعت الحضارة القديمة هناك.

وكانت آخر تلك الهجرات التي انطلقت من اليمن هي التي أقامت دولة المناذرة في العراق ودولة الغساسنة في الشام، وكذلك من سلالة المهاجرين اليمنيين كان أولئك الذين أقاموا الدولة الأكسومية في الحبشة، وأيضًا دولة كِندة في وسط الجزيرة العربية أقامتها قبيلة كِندة اليمنية.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

وبعضهم دعموا أو أقاموا دول وإمارات وحكم بعضهم في الهند في العصر الحديث.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

وكذلك في العصر الإسلامي كان لهم صولات وجولات نرجو أن يعرفنا بها المختصين.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

الهجرات الحضرمية هناك كتاب من تأليف العالمة الألمانية البروفيسورة "أولريكه فرايتاغ" التي تعّد من كبار الدكاترة المستشرقين الألمان - سبق الحديث عنها في المنتدى - ويتحدث الكتاب عن الشتات الحضرمي في التاريخ الحديث.

  • المؤلفة بروفيسورة محاضرة في جامعة برلين الحرة والتي تعّد أفضل الجامعات الأوروبية في الوقت الحاضر، وهي رئيسة مركز دراسة الشرق الحديث في برلين [ZMO]، وكانت محاضرة في جامعة [SOAS] في لندن وكان الحظ الكبير - لي - أن أعمل معها باحثًا في ذلك المركز وتحت إشرافها في منحة مالية من مؤسسة [FES] الألمانية ومن ذلك المركز تمَّ جمع الكثير من مادة بحوث الترقية إلى درجة الأستاذية.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

ودور الحضارمة مشهود حتى اليوم، خصوصًا في جنوب شرق آسيا وشرق إفريقيا.

أ. جميل الأشول:

إن تاريخ الهجرات اليمنية إلى شرق إفريقيا قديمة جدًا، وقد تتبعت ذلك في أطروحتي، لكن ما يهمنا بالتاريخ الإسلامي هي المجموعات التجارية التي هاجرت في القرنين الثالث والرابع الهجريين إلى الساحل الشرقي لإفريقيا.

فقد كان الحضارم أول العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية إلى شرق إفريقيا، بغرض التجارة لا الغزو وعلى الرغم من أنهم وفدوا في أعداٍد قليلة إلِّا أنهم استمروا في تجارتهم، واختلطوا بأهل الساحل، وتزوجوا منهم، وأقاموا محطات تجارية، ولم يزل أثر العروبة سِمّة هذا الساحل المميزة، إذ كان يدعم بشكٍل دائم بالوافدين من اليمنيين.

وكانت المدن الساحلية على شرق إفريقيا تمتاز، بما يجلب من اليمن بحرًا، بل يقول بعض المؤرخون أن الحضارم أحبهم سكان الساحل الأصليين، وتزوجوا منهم، وأقاموا مراكز للتجارة يفيد منها أهل الساحل، وينتفعون هم بما ينتجون.

أ. عبد الوارث العلقمي:

خواتيم مباركة وتقبل الله منا ومنكم، حاولت أن أستذكر أحد المؤلفات الذي أورد فيه جمعٌ من الشخصيات اليمنية المهاجرة ولم تسعفني الذاكرة، وكأن اسمه الجامع في لم شمّل المهاجرين أو هكذا لـ "بامطرف" من سيذكرني به، وبه جمعٌ كبير من الشخصيات اليمنية التي هاجرت واستوطنت في بلداٍن متفرقة من العالم. فيه شخصيات من العصر الإسلامي ومن قبل ومن بعد.

د. رياض الصفواني:

قرأتٌ معلومة ذات يوم في كتاب تاريخ الإسلام في آسيا وإفريقيا أن مدن (مقديشو وبوصاصو وهرجيسا) أسسها المهاجرون الحضارم الأوائل الذين نشروا الإسلام في شرق إفريقيا، وساهموا في بناء وتعمير تلك الأوطان، وكنت قد أشرْت أمس إلى شيٍء من هذا، وأذكرهم منهم الشيخ الصوفي الحضرمي "إبراهيم أبو زرباي" في الصومال، الذي يُقال إن قبره كان مزاراً إلى وقت قريب، والمتصوفة الحضارم بشروا بالإسلام ونشروه في مختلف أصقاع القارة الإفريقية وبالأخص شرقها وجنوبها.

أ. جميل الأشول:

بخصوص مقديشو(مقادشو) فقد بناها الإخوة السبعة القادمين من الإحساء، لكن الحضارمة بشكٍل خاص، واليمنيين بشكل عام، كان لهم أثر واضح، وإسهامات في جميع المجالات، بدايًة من الهضبة النوبية، مرورًا بالساحل البربري، والزنجي، حتى أقصى بلاد سُفالة.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

  • مداخلة "نقاط على الحروف".

أمثلة للهجرة اليمنية "نستطيع الجزم والتأكيد عليها" أن كل موجات الهجرة اليمنية للداخل أو للخارج كانت وما تزال لأسباب اقتصادية وأمنية وفقدان العدالة وفقدان الدولة وفقدان الأمن والأمان وفقدان وسائل العيش بكرامة؛ لإن اليمن بلد طارد وليس فيه ما يكفي للعيش بأمان غذائي أو أمني أو سياسي أو اقتصادي أو عدالة أو دول مستقرة. فقد حصل أديب العام الماضي على جائزة نوبل، وهو من أصول يمنية حضرمية يقيم في تنزانيا ولندن، وقد هاجر والده من حضرموت.

"توكل كرمان" أول يمنية ويمني حاصل على جائزة "نوبل" هاجرت من اليمن خوفًا على حياتها من القتل والحقد عند البعض جعلهم يحاول أن ينكر عليها ذلك الشرف الكبير الذي حققته لليمن لأول مرة.

بعض المهاجرين اليمنيين أصبحوا سنتورات يمثلون ولايات في أمريكا وبريطانيا، كما لا ننسى المهاجرين اليمنيين الذين عمروا السعودية ودول الخليج ولم تعترف بأعمالهم أيٍ من تلك الدويلات، أيضًا أولاد عمومتنا اليهود الذين عمروا دولة إسرائيل ونشروا الفن والثقافة اليمنية "والقات" وأصبح عدد منهم وزراء وكبار موظفين في إسرائيل، وأجدادنا الذين هاجروا إلى الحبشة في التاريخ المعاصر وبالذات في القرن العشرين وشاركوا في تطورها اقتصاديًا واجتماعيًا.

كما أن هناك عدد غير قليل من اليمنيين هاجروا إلى أثيوبيا وحاربوا للأسف مع الطليان عند احتلالهم للحبشة وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية، والمهاجرين اليمنيين الذين عادوا مطرودين من شرق آسيا بعد حرب فيتنام.

وأيضًا المعاملة العنصرية المقيتة التي تمارس في اليمن ضَّد أبناء اليمنيين "المولدين" من أمهات إفريقيات التي يعاملهم فيها عنصريًا بعض اليمنيين في شمال اليمن وكذلك حكومات شمال اليمن منذ أيام الإرياني إلى الوقت الراهن، ومن سينكر هذا القول يتفضل ينكر، ولكن سوف نرد عليه.

ا. د. عبد الحكيم الهجري:

كانت الهجرة اليمنية من أقدم الهجرات في التاريخ الإنساني قبل الإسلام وبعده، ولذلك نجد كثيرًا من الجماعات والطوائف والتجمعات القبلية في العراق (المناذرة) وفي الشام (الغساسنة) وفي شمال إفريقيا وفي غيرها، و كذلك ينتسبون إلى اليمن التي تعرَّض أهلها لموجات من الهجرة في كل اتجاهات المعمورة ومنها هجرات ما بعد خراب السد (سد مأرب) العديدة، وتشير كثير من المصادر إلى إن البذرة الأولى لكثير من دول ودويلات الجزيرة العربية مصدرها هجرة اليمنيين إليها - لسنا بسبب الحديث بإسهاب عن الهجرة ، لكن جوهر الموضوع هو الإشارة في هذا الحيز المتاح إلى أهمية الهجرة في التبادل المعرفي والحضاري بين البشر وأقصد الهجرة الاختيارية خاصة قبل أن تنشأ الجدران والحدود، ومن المفارقات العجيبة أن الآثار الإيجابية المتبادلة للهجرات القديمة أشمل منها اليوم والسبب إن جاز التبسيط يرجع إلى مساحة الحرية في اختيار خيار الهجرة زماناً ومكاناً هروباً من واقع ما كانت متاحة أكثر.

د. أحمد المصري:

لعل موضوع الهجرة اليافعية إلى الهند من المواضيع المهمة التي لم تأخذ حقها من الدراسة على الرغم من الدورة الحضاري والسياسي والعسكري الذي لعبه في الهند.

د. سامي الوزير:

الدور الحضاري والسياسي والعسكري الذي لعبته في الهند.

د. أحمد المصري:

بعض العناوين حول الهجرة اليمنية/ المهاجرين اليمنيين: -

  1. Indian Ocean Migrants and State Formation in Hadhramaut. Reforming the Homeland (= Social, Economic and Political Studies of the Middle East and Asia. Bd. 87). Brill, Leiden u. a. 2003, ISBN 90-04-12850-6.
  2. From Golden Youth in Arabia to Business Leaders in Singapore: Instructions of a Hadhrami Patriarch. In: Eric Tagliacozzo (Hrsg.): Southeast Asia and the Middle East. Islam, Movement, and the Longue Durée. Stanford University Press, Stanford CA u. a. 2009.
  3. The early history of migration and settlement of Yemenis in Cardiff, 1939–1970: religion and ethnicity as social capital.
  4. Yemeni Families in the Early History of Addis Ababa, Ethiopia ca.1900-1950.
  5. A Revisionist Approach in Diasporic Historiography.

ا. د. عبد الحكيم الهجري:

رأيت من الأهمية بمكان أن أنزل بحثًا جدير بالاهتمام حول الهجرة اليمنية كتبه المرحوم الأستاذ/ الدكتور صالح باصرة (رحمة الله تغشاه) تحت عنوان: "الهجرة اليمنية إلى شرق إفريقيا حتى منتصف القرن العشرين".

تقسم قارة إفريقيا جغرافياً إلى خمس مناطق هي: شمال إفريقيا ودول الشمال "عربية" والجزء الأكبر من سكانها مسلمون، جنوب إفريقيا وهو عكس الشمال من ناحية جنس ودين سكانه، وسط إفريقيا وهو الجزء الواقع بين الشمال والجنوب، ويشمل الوسط جزءاً من أثيوبيا وخاصة ما يعرف بهضبة الحبشة، وجزءاً من السودان وتشاد، والنيجر، ومعظم أو كل الدول التالية: تنزانيا وجمهورية إفريقيا الوسطى، الكاميرون، أوغندة، الكنغو، والجابون، وكذا الأطراف الجنوبية لموزمبيق، وزامبيا، وأنجولا، وللإسلام حضور لا بأس به في دول وسط إفريقيا.

وقد انتقل إليها عبر التواصل السكاني مع مناطق شمال وشرق إفريقيا، ويضم إقليم غرب إفريقيا أكثر من إحدى عشرة دولة إفريقية، ومعظمها تطل على المحيط الأطلسي وخليج غينيا. أما إقليم شرق إفريقيا ـ وهو موضوع هذه الدراسة ـ فيشمل ما يعرف بدول القرن الإفريقي وهي أثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا، كما يضم ـ أيضاً - كينيا ومدغشقر "ملاجاشي" وجزر القمر وجزءاً كبيراً من السودان وأوغندة وتنزانيا وموزمبيق وملاوي وزامبيا، والجزء المهم في إقليم شرق إفريقيا "من ناحية علاقته بالهجرة اليمنية عامة والهجرة الحضرمية على وجه الخصوص" هو الجزء المطل على ساحل البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويبدأ هذا الجزء من ميناء عصب مروراً بالموانئ الرئيسية التالية: جيبوتي، بربرا، إبل ، إيجا، مقديشو، كسمايو، ممباسا، جزيرة زنجبار، ودار السلام، وينتهي بالموانئ المطلة على ما يعرف بمضيق موزمبيق والواقع بين موزمبيق ومدغشقر. إن الامتداد العربي في القارة الإفريقية هو أوسع في جغرافيته الطبيعية والبشرية عما هو عليه في آسيا، فالبلدان العربية تشمّل "في الوقت الراهن" ما مساحته تسعة ملايين كيلو متر مربع تقوم عليه ـ حالياً ـ تسع دول ،ست منها شمال إفريقيا، وهي :مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وثلاث في شرق إفريقيا وهي: السودان والصومال وجيبوتي [1](1)،ويرى البعض أن الهيكل المنضدي المصدوع الذي يشمل سواحل اليمن والحجاز يظهر من جديد بشكل متشابه في سواحل إفريقيا فيما وراء البحر الأحمر، مما حدا بالجغرافيين اعتبار شبه الجزيرة العربية جزءاً من القارة الإفريقية، ويذهب البعض الآخر إلى أن البحر الأحمر كان في عهود جيولوجية غابرة عبارة عن بحيرة مغلقة تتموضع بين القارتين الآسيوية والإفريقية [2](2)، إن قرب اليمن من قارة إفريقيا جعلها بمنزلة همزة الوصل بين آسيا وإفريقيا، إذ انتقلت الجماعات الإفريقية إلى جنوب شبه الجزيرة العربية ومنها إلى آسيا. كما عبرت الجماعات الآسيوية والعربية إلى القرن الإفريقي ومنها انتشرت في أنحاء القارة الإفريقية [3](3)، وشبه المستشرق "غوستاف ليون" الجزيرة العربية بكأس الماء، فكلما زاد امتلاء الكأس سال على أطرافه إلى ما لانهاية [4](4).

لقد أدت الهجرات العربية القديمة من شبه الجزيرة العربية إلى إفريقيا (وعلى وجه الخصوص إلى شرقها وشمالها) إلى تأسيس نواة الجنس العربي في القارة السوداء، ثمَّ جاء الإسلام ليوسع وبعمق هذه النواة حتى أصبحت واسعة جغرافياً وكبيرة من ناحية الجنس والدين، وساهمت الهجرات اللاحقة لظهور الإسلام حتى منتصف القرن الماضي "أي القرن العشرين" والقادمة من إفريقيا العربية الإسلامية ذاتها ومن الجزيرة العربية وعلى وجه الخصوص من اليمن وعمان، في زيادة الوجود العربي والإسلامي في القارة السوداء، ليصل إلى الكثير من مناطق وسط وغرب وجنوب القارة.

وسوف نعالج في هذا البحث المتواضع حلقة من حلقات تكون ونمو الوجود العربي والإسلامي في القارة السوداء، وذلك من خلال دراسة موضوع الهجرة اليمنية عامة والهجرة الحضرمية على وجه الخصوص إلى شرق إفريقيا في الحق التاريخية المختلفة، وسوف نحاول - وفي إطار دراسة موضوع الهجرة إلى شرق إفريقيا - التطرق إلى التأثير الجنسي والديني والاقتصادي للهجرة اليمنية على مناطق شرق إفريقيا، وكذا انعكاس الاغتراب اليمني في شرق إفريقيا على الوطن الأصلي للمهاجرين، وسوف يشوب هذا البحث - سواء في محتوى معلوماته أو استنتاجاته - بعض القصور والشحة المعلوماتية بسبب طول الفترة وقلة المصادر والمراجع المتوفرة حول موضوع التواصل السكاني بين اليمن وإفريقيا، وعلى وجه الخصوص المصادر والمراجع المتعلقة بهذا التواصل السكاني في العشرة القرون الأخيرة - أي فترة ما بعد القرن التاسع الميلادي - وبالمقابل توجد كثرة في المصادر والمراجع التي تناولت علاقة الجزيرة العربية عامة واليمن على وجه الخصوص بقارة إفريقيا في التاريخ القديم وفي القرون الثلاثة الأولى للدولة الإسلامية، وربما يكون من أسباب كثرة المصادر والمراجع التي درست العلاقة العربية الإفريقية في العشرة القرون الأولى من التاريخ الميلادي ذكر بعض أحداث هذه العلاقة في القرآن الكريم، وكذا اهتمام المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين بأقاليم الخلافة الإسلامية التي امتدت إلى إفريقيا وخاصة إلى شمالها وشرقها، ونأمل أن يعذرنا القارئ على ما قد يلمسه من قصور في بحثنا هذا والذي ذكرنا بعض أسبابه سلفاً، ونود في هذه المقدمة أن نؤكد - أيضًا - أن هذا البحث ليس بالدراسة الشاملة والمعمقة لموضوع الهجرة اليمنية إلى شرق إفريقيا، ونأمل أن تغطي دراسات أخرى في الحاضر أو المستقبل كل حلقات تاريخ علاقة اليمن بشرق إفريقيا، ونعتقد أن هذا الموضوع يمكن إشباعه بالبحث والدراسة - ولفائدة حاضر ومستقبل العلاقة اليمنية الإفريقية - من خلال رسائل الماجستير والدكتوراه لطلاب الدراسات العليا في أقسام التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والاقتصاد، في كليات الجامعات اليمنية، وكذا من خلال تأسيس مركز علمي يهتم بماضي وحاضر ومستقبل علاقة اليمن بدول شرق إفريقيا وعلى وجه الخصوص دول القرن الإفريقي. إن وجود مثل هذا المركز مهم جدًا بسبب العمق التاريخي لعلاقة اليمن مع شرق إفريقيا وكذا الجوار الجغرافي وما يرتبط به من مصالح مشتركة للطرفين، وكذا ما ينتج عنه من تأثير وتأثر بالأحداث السلبية أو الإيجابية التي تحدث في أي من طرفي العلاقة، إن أحداث الحرب الصومالية وامتداد آثارها السلبية إلى اليمن يؤكد صحة ما سلف قوله ويعزز حاجة اليمن إلى مركز علمي استراتيجي يختص بشؤون العلاقة اليمنية الإفريقية، وعلى وجه الخصوص العلاقة مع شرق إفريقيا، بما في ذلك دول القرن الإفريقي، ونعتقد أن وجود هذا  المركز سوف يوفر المعرفة التاريخية والمعلومة المعاصرة لتكون في متناول الباحث أو صانع القرار، وسوف يساعد على تعميق وتوسيع علاقة المهاجرين القدامى والجدد بوطنهم اليمن وحل مشاكلهم في بلدان الاغتراب، وسوف نقدم في هذا البحث معلومات عامة واستنتاجات أولية حول موضوع الهجرة اليمنية إلى شرق إفريقيا منذ التاريخ القديم وحتى نشوء الدول الوطنية الحديثة في اليمن وشرق إفريقيا في النصف الثاني من القرن العشرين، بالاستفادة مما هو متوفر لدينا من مصادر ومراجع وسيتم تقديم مادة البحث عبر النقاط الرئيسية الآتية:-

أولاً - الهجرة اليمنية إلى شرق إفريقيا والهجرة المعاكسة في التاريخ القديم، مع التركيز على ما عرف بعلاقة اليمن القديم ببلاد الحبشة.

ثانيًا - الهجرة اليمنية إلى شرق إفريقيا بعد ظهور الإسلام، وقيام الخلافة الإسلامية ودولها اللاحقة حتى منتصف القرن العشرين - نهاية الهجرة والاستنتاجات الختامية الأولية.

أولاً: الهجرة اليمنية إلى إقليم شرق إفريقيا والهجرة المعاكسة في التاريخ القديم، مع التركيز على علاقة اليمن ببلاد الحبشة.

بدأت علاقة اليمن بالساحل الإفريقي منذ عهد مملكة أوسان، ويؤكد هذا الظن إشارة عابرة جاءت في كتاب البربيلوس، أو ما يعرف بكتاب الطواف حول البحر الإرتيري (تصف الساحل الإفريقي شمال زنجبار بالساحل الأوساني)، ويرى بافقيه أن هذه الإشارة التي جاءت بعد ما يزيد عن خمسمائة عام من انتصار سبأ على أوسان، إنما تدل على عمق الأثر الذي خلفه الأوسانيون في تلك البقاع، وهو أمر لا يمكن أن يحدث إلا نتيجة لتاريخ طويل من الوجود المستمر والنشاط الفاعل والنفوذ الحقيقي [5](5)، وواصلت سبأ علاقاتها التجارية مع الساحل الإفريقي، وتدريجياً تحركت هجرات يمنية إلى الساحل الإفريقي ومنه تسلّقوا الهضبة الواقعة خلفه، ونشأت في هذه الهضبة المعروفة بهضبة الحبشة جاليات ظلت في بادئ الأمر على صلة بالوطن الأم، وقد جاء أولئك المهاجرون (كما تشهد الآثار) إلى الأرض الجديدة بمظاهر حضارتهم المتفوقة على حضارة السكان المحليين وخاصة في مجالات الفن والمعمار وصناعة الأسلحة وترتب على ذلك تفوق العنصر العربي الطارئ على غيره من السكان [6](6)، ويبدو أن تلك الهجرة التي بدأت في القرن التاسع قبل الميلاد ـ أو قبله - استغرقت وقتاً طويلاً، فليس هنالك ما يدل على حدوث غزوة أو هجرة واسعة تمت دفعة واحدة [7](7).

لقد عثر الدارسون في "إيجا" على معبد رائع وعلى أقدم نقش حبشي حتى الآن مكتوب بحروف المسند السبئية وعلى شكل خط المحراث، إلى جانب شواهد لبعض القبور التي تعتبر تقليداً واضحاً لشبيهاتها في جنوب الجزيرة العربية [8](8).

وتوجد معرفة بأهم الهجرات التي تمت في مراحل لاحقة والتي كانت تضم قبيلة حبشت والأجاعز، والأمر واضح بالنسبة للقبيلة الأولى (ح ب ش ت)، التي ترد كثيراً في النقوش اليمنية المتأخرة وصارت تطلق على المساحة الإفريقية من البحر الأحمر، ويختلف الباحثون حول قبيلة الأجاعز، وحول الاسم نفسه الذي أطلق في ما بعد على اللغة الحبشية وسميت باللغة الجغرافية ويرى بعض الدارسين اليوم أن الاسم كان يطلق على قبيلة كانت تسكن المنطقة المحيطة بعدن الحالية [9](9)، ويخالف بامطرف رأي الشيبة بالنسبة لموطن قبيلة الأجاعز، ويرى أن المنطقة التي هاجر منها الأجاعز إلى إثيوبيا هي المنطقة المعروفة بـ "جبل حبشية" في شمال حضرموت الشرقي، وأن اسم الحبشة الذي سميت به إثيوبيا جاءها من اسم حبشات أحد بطون الأجاعز التي هاجرت إلى اثيوبيا من منطقة جبل حبشية بحضرموت [10](10)، ويذكر "بامطرف" واستناداً إلى رواة الإخباريين، إن قبيلة  "آل سمع آل" اليمنية هاجرت إلى المنطقة التي تسمى صوماليًا وأن كلمة "الصومال" تحريف لكلمة "آل سمع آل"، ويقول بامطرف أن هاتين الروايتين قد تحتاجان لإثباتهما إلى دليل أكاديمي فقط، لأن الشواهد القائمة من إنثروبولوجيا وإثنولوجيا تؤيدانهما بصورة تجعلها مما يرتاح إلى قبولها ويؤخذ بهما في مجال التدليل والإثبات التاريخيين [11](11).

لقد تمكن المهاجرون الأوائل من تأسيس مستوطنات في شمال الحبشة، وبدأت هذه المستوطنات تدريجيًا في تنظيم نفسها على غرار ما كان سائداً في جنوب جزيرة العرب، ثَّم اختلط هؤلاء الساميون بالسكان "الكوشيين"، واحتلوا موقع الصدارة بحكم تفوقهم الحضاري، ومنذ بداية القرن الأول الميلادي تقريباً ـ

نلاحظ ظهور مملكة مستقلة قوية بقيادة زعيم لها اتخذ أكسوم مقراً لدولته، وأكسوم أصبحت تحتل مركز الصدارة بدلاً عن إيجا القديمة وأصبحت تسيطر على رقعة امتدت على شكل مستطيل طوله 300كم وعرضه 160كم، وتقع بين خطي العرض 513.15 شمالاً، وخطي الطول 30و40 شرقاً [12](12)، ومع انشغال اليمنيين بالصراع الداخلي الحميري/ السبئي/ الهمداني، تطلعت أكسوم إلى الشاطئ العربي، وسرعان ما أصبح الأحباش طرفاً في الصراع اليمني نفسه، وبدأ هذا - حسب رأي بعض المؤرخين - في بداية القرن الأول الميلادي، وتمكنت أكسوم من التوسع في إفريقيا على حساب أراضي دول أخرى حتى وصلت إلى نواحٍ قريبة من ملتقى النيلين، وربما حدث هذا في نهاية القرن الثالث الميلادي وبداية القرن الرابع الميلاد، وإلى هذه الفترة الزمنية يعود انتشار المسيحية في دولة أكسوم، وشهدت اليمن تدخلاً أكسومياً متقطعاً في شؤونها مغلفاً أحياناً بالرغبة في نشر المسيحية، ولكنه كان في ذات الوقت تمهيداً لزحف أكبر لأغراض دينية وتجارية وعلى صلة بمصالح الإمبراطورية الرومانية في بيزنطة التي كانت تنوي نزع السيادة العربية على الملاحة في البحر الأحمر وبحر العرب، وكانت المفاجأة هي حروب الحبشة ضَّد اليمن في القرن السادس الميلادي، التي انتهت بنصر مؤقت على اليمن بقيادة القائد الأكسومي أبرهة، الذي بعد فترة قصيرة، استقل بالحكم في اليمن محتفظاً بولاء اسمي للملك الأكسومي، وذلك حسب ما ورد في نقشه الكبير الذي ترك لنا عند سد مأرب. انتهى الحكم الحبشي لليمن بعد هزيمة أبرهة في مكة أثناء محاولته غزو مكة وهدم الكعبة المشرفة واستبدالها بكنيسة القليس في صنعاء، وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحادثة بقوله تعالى: "أَلَم تَرَ كيَفً فعَلَ رَبُك بِأَصحَابِ الفِيلِ * أَلَم يَجعَل كَيدَهُم فِي تَضِليِل * وأرَسَل عَليِهم طَيراً أَبَابِيل * تَرمِيِهم بِحجِاَرةٍ مِّن سِجِيل * فَجّعلُهم كَعَصٍف مَّأكُول" صدق الله العظيم "سورة الفيل".

وقاد اليزنيون بقيادة سيف بن ذي يزن معركة تحرير الأرض والإنسان من الأحباش وكان لهم ذلك ولكن بمساعدة فارسية، وكان ثمن المساعدة الفارسية غالياً جداً، فقد حل الفرس محل الأحباش، وقتل سيف بين ذي يزن على يد عبيده الأحباش وربما تم هذا بتدبير فارسي، وظلت اليمن تحت النفوذ الفارسي حتى بزوغ فجر الإسلام ودخول اليمن (أرضاً وإنساناً) في دين الإسلام ودولة الخلافة الإسلامية وذلك منذ عام 628م، وأسلم فرس اليمن وأسماهم الرسول صلى الله عليه وسلم "الأبناء" وأصبح الأبناء كمدلول ومجموعة بشرية، وكما هو حال بقايا الأحباش في اليمن أحد عُقد التاريخ اليمني حتى الوقت الراهن.

ثانياً: الهجرة اليمنية إلى شرق إفريقيا بعد ظهور الإسلام وقيام الخلافة الإسلامية ودولها اللاحقة وحتى منتصف القرن العشرين.

وصلت إلى بلاد نجاشي الحبشة أول هجرة إسلامية وذلك في العام الثامن قبل الهجرة أي عام 624م، وكان المهاجرون الأوائل من قريش ومعظمهم من الصحابة الأوائل ومنهم: أمير المؤمنين عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، ومصعب بن عمير والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، ودخل المهاجرون الأوائل إلى بلاد الحبشة من ميناء مصوّع. وقد عرفت مصوع في التاريخ الإسلامي باسم "باضع"، ويوجد في مصوّع بقايا مسجد يقول عنه الإرتيريون أنه أول مسجد في الإسلام، وبعد الهجرة الإسلامية الأولى خرجت هجرة ثانية ومنهم من استقر وتكونت منهم عائلات ولا يزال أحفادها يقولون بانتمائهم إلى هذا الأصل بفخر شديد، فقبيلة عامر مثلاً يقال أنها تنتسب إلى بني العباس وقبيلة الأساورتا تنتسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والمينفري ينتسبون إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والجبرته ينتسبون إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، أما قبائل العفر فيقولون بانتسابهم إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب [13](13).

لقد شهدت مناطق إرتيريا والصومال نفوذاً عربياً قوياً في عهد الخلفاء الراشدين ثم في عهد الخلافة الأموية، ودخلوا إلى إرتيريا وميناء مصوع عبر احتلال أرخبيل دهلك، جاء بعدهم العباسيون وأعلنوا سيادتهم على بعض مناطق الصومال وارتيريا وخاصة على مصوع، واحتمى في مصوع بعض الأمويين هرباً من مطاردة العباسيين لهم [14](14). ارتبطت الهجرة اليمنية الثانية إلى شرق إفريقيا، وخاصة إلى منطقة القرن الإفريقي بالفتوحات الإسلامية في زمن الخلافة الراشدة والعصر الذهبي للخلافتين الأموية والعباسية، ولقد ساهم اليمنيون مع غيرهم من عرب الجزيرة في بناء النفوذ العربي الإسلامي في أجزاء مما كان يعرف ببلاد الحبشة وعلى وجه الخصوص في إرتيريا والصومال، وشارك اليمنيون - أيضاً - في فتح بلدان شمال إفريقيا، وساهم فتح وأسلمة شمال إفريقيا في توسيع رقعة الوجود العربي الإسلامي في شرق ووسط القارة السوداء، فمن الجزيرة العربية ومن شمال إفريقيا بعد فتحها سال الدم العربي ومعه الإسلام إلى شرق ووسط إفريقيا، وشهد الوجود العربي والإسلامي مرحلة من الضعف والانكماش بعد حالة القوة والتمدد وذلك منذ نهاية عصر الخلافة العباسية وحتى بداية القرن الثامن للهجرة، وهذا الوضع كان انعكاساً لحالة الضعف ثم التفكك والتمزق الذي شهدته الخلافة الإسلامية في هذه الفترة الزمنية، وجدّد المهاجرون العرب - وخاصة من عمان وبلاد اليمن وغبر هجراتهم الثالثة - شباب العروبة والإسلام في شرق إفريقيا، وامتد زمن الهجرات الثالثة من القرن الثامن الهجري وحتى أواخر القرن الرابع عشر الهجري أي حتى منتصف القرن العشرين الميلادي، وساهم المهاجرون الجدد في إعادة نشر الإسلام وحمايته من خطر التبشير المسيحي، وكذا في مقاومة الاستعمار البرتغالي لسواحل شرق إفريقيا ثم الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنجليزي، ويقدم المؤرخ بامطرف في بحثه عن الهجرة اليمنية بعض الأمثلة على تأثير الهجرة اليمنية الحضرمية في القرنين الثامن والتاسع في شرق إفريقيا ومن ذلك الأمثلة التالية: ـ

يذكر "بامطرف" نقلاً عن المؤرخ (ابن الوردي المتوفى عام 750هـ) أنه قال: "إن الساحل الإفريقي الممتد من رأس كورد شمالاً إلى إقليم موزمبيق جنوباً، أهله كلهم مسلمون، وبينهم القاضي والإمام، وأن هذا الساحل ينقسم إلى إمارات صغيرة مستقلة يحكمها ملوك أو سلاطين من عرب حضرموت والشحر" [15](15).

القول إن الحضارم هم الذين أطلقوا اسم "مقر الشيوخ" على المدينة الصومالية التي حرف البرتغاليون اسمها فيما بعد إلى مقديشو [16](16)، والقول - أيضاً - أن الحضارم أطلقوا اسم الفغر "التغر" على الإقليم الإفريقي الذي يعرف الآن باسم "ناتال" وكلمة "ناتال" لفظة برتغالية تعني الميلاد، وقد دخلها "فاسكو دي جاما" يوم عيد الميلاد عام 1417م، وأطلق الحضارم أيضًا اسم البحيرة على ميناء إقليم موزمبيق، وقد حكم اليمنيون الحضارم هذه المناطق منذ القرنيين السابع والثامن الهجريين [17](17). وفي ما يلي عرض موجز لبعض المعلومات المتوفرة عن الهجرات اليمنية، وعلى وجه الخصوص هجرة الحضارم إلى بعض بلدان شرق إفريقيا خلال الفترة الممتدة من القرن الثامن للهجرة وحتى أواخر القرن الرابع عشر، أي حتى منتصف القرن العشرين الميلادي: -

أـ الهجرات إلى بلاد الصومال وإثيوبيا: كانت دهلك ومصوع وزيلع وغيرها متأثرة بالثقافة العربية الإسلامية وكان للعرب القادمين إليها من اليمن وعلى وجه الخصوص تهامة وحضرموت دور في نشر الإسلام حتى إلى بدو العفار "الدناكل"، وأدى ذلك إلى قيام عدد من الإمارات التي عرفت بالطراز الإسلامي ومن أشهرها: أوقات، عدل، فنجار، حديه، لويت، دوارو، هديه، بالي، موره، وهرر، وأسس إمارة أوقات أسرة من بني مخزوم، وتحالفت الإمارات الإسلامية بقيادة "أوقات" حتى شمل هذا التحالف جزءاً من جنوب شرق الحبشة وشمال الصومال، وصارت مساحة الإمارات الإسلامية المتحالفة أوسع من مساحة مملكة الحبشة، علاوة على سيطرتها على النشاط التجاري بين داخلية الحبشة والموانئ المطلة على البحر الأحمر[18](18). وأقامت هذه الكيانات الإسلامية الإفريقية ذات المنشأ العربي، في كل من إثيوبيا والصومال علاقات مع اليمن، وعلى وجه الخصوص مع الدولة الرسولية والدولة الطاهرية والدولة القاسمية، لقد تمت مراسلات ووفود بين سلاطين دويلات الشريط الساحلي الإفريقي وملوك وسلاطين الدولتين الرسولية والظاهرية، واتصل ملوك الحبشة باليمن وكان هدف هذا الاتصال ضمان عدم تدخل اليمن في الصراع الدائر بين الدولة الحبشية ومسلمي السلطنات، غير أن ملوك الدولة الرسولية ثم الدولة الطاهرية - لاحقاً - مدّت يد المساعدة لدول الشريط الساحلي الإسلامية، واقتصر المدد على الخيول وأدوات القتال، دون المشاركة الفعلية في مواجهة نجاشي الحبشة [19](19)، وتكالب حكام الحبشة والبرتغاليون ضَّد الدويلات الإسلامية، فاحتل البرتغاليون منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي الكثير من الموانئ الإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، كما عمل الأحباش على نشر المسيحية بين الوثنيين، فتقلص نفوذ الحلف الإسلامي.

وبعد انتهاء عهد النفوذ البرتغالي في سواحل شرق إفريقيا حل محله النفوذ الإيطالي والبريطاني والفرنسي، لقد تقاسمت الدول الاستعمارية الثلاث أرض الصومال وارتيريا وجيبوتي، وخصصت إثيوبيا للنفوذ الإيطالي ثم الإنجليزي، وحاولت مصر مد نفوذها إلى بعض مناطق القرن الإفريقي عبر السودان غير أن هذه المحاولة جوبهت بمقاومة من المستعمرين الأوروبيين.

وشهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى هجرات يمنية حديثة إلى مناطق القرن الإفريقي، وعلى وجه الخصوص من حضرموت وعدن وتعز وزبيد، وكون بعض المهاجرين الجدد نفوذاً تجارياً لهم في بعض مدن وموانئ إرتيريا وجيبوتي والصومال وخاصة في زيلع وبربرا وأسمره وكسمايو ومصوع، واشتغل البعض الآخر بأعمال عضلية في تلك الموانئ أو على ظهر السفن التجارية بين الساحل الآسيوي والساحل الإفريقي للبحر الأحمر، وظل الكثير من المهاجرين الجدد على صلة بوطنهم الأم، عكس الذين سبقوهم في الهجرة في القرون الثلاثة السابقة لبداية القرن العشرين، فقد اندمج السابقون في مجتمعهم الإفريقي وذابوا فيه كما هو حال الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة في التاريخ القديم. وشهدت اثيوبيا والصومال ثورات إسلامية منقطعة ضد الأحباش المسيحيين والمستعمرين الأجانب، وقادها حكام من أصل عربي أو إفريقي منها: ـ 

   ● ثورة الإمام أحمد الفران (1527- 1542) الذي أعلن الجهاد على الحبشة وحقق انتصارات باهرة ثم استشهد في إحدى المعارك ولم يبق للإسلام إلِّا مدينة هرر والمناطق الساحلية بين العقار والصومال. [20](20)

(الإنتقال إلى الجزء الثاني)


[1](1) انظر: أمين إسبر، إفريقيا والعرب، دار الحقائق بيروت، 1980م، ص 13.

[2](2) انظر: نفس المصدر، ص 13.

[3](3) انظر: عيدروس علوي بلفقيه، جغرافية الجمهورية اليمنية، دار جامعة عدن للطباعة والنشر عدن 1997م، ص20.

[4](4) نقلاً عن أمين إسبر، إفريقيا والعرب، ص 14.

[5](5) بلفقيه، محمد عبدالقادر، تاريخ اليمن القديم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1985م، ص 22.

[6](6) نفس المصدر، ص 166.

[7](7) نفس المصدر ص 167.

[8](8) الشيبه، عبد الله حسن، دراسات في تاريخ اليمن القديم، مكتبة الوعى، تعز، 1999م ص 157.

[9](9)  نفس المصدر، ص 170.

[10](10) بامطرف، محمد عبد القادر، الهجرة اليمنية، إصدار وزارة المغتربين، طباعة الآفاق للطباعة والنشر صنعاء، 2001م، ص9.

[11](11) نفس المصدر، ص 9.

[12](12) الشيبه، عبد الله حسن، مصدر سابق، ص 183.

[13](13) عبد الجواد، زكريا، إرتيريا، استطلاع مجلة العربي العدد 506، يناير 2001م، الكويت، ص 45.

[14](14) بامطرف، محمد عبد القادر، مصدر سابق، ص 72.

[15](15) بامطرف، محمد عبد القادر، مصدر سابق، ص 72.

[16](16) المصدر نفسه، ص 72.

[17](17) المصدر نفسه: ص 71.

[18](18) الحداد، علوي بن طاهر، الإسلام والمسلمون في العالم، ترتيب وتحقيق وتعليق محمد ضياء شهاب، الجزء الأول مدخل إلى تاريخ الإسلام في الشرق الأقصى، عالم المعرفة، جدة، 1985م، ص 168.

[19](19) الجمرة، علي صالح، الهجرات اليمنية عبر التاريخ إلى شرق إفريقيا بحث منشور في كتاب الثوابت : دراسات يمنية في الهجرة والاغتراب، دار الآفاق ، صنعاء ،1999م ،ص 175.

[20](20) الحداد، علوي بن طاهر، مصدر سابق، ص 167

التعليقات (0)