الملك الأشرف برسباي (نحو 780 ـ 841 هـ /1378ـ 1438م)

الملك الأشرف برسباي

(نحو 780 ـ 841 هـ /1378ـ 1438م)

الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر برسباي بن عبد الله الدقماقي الظاهري، السلطان الثاني والثلاثون من سلاطين المماليك (825- 841هـ/1421- 1438م) والثامن بين السلاطين الجراكسة (البرجية) وأولادهم. ولد في القفقاس (بلاد الشركس)، أخذ صغيرًا وبيع في القرم، وبقي فيها حتى اشتراه بعض التجار وقصد به إلى الشام، فلما وصل ملطية اشتراه نائبها الأمير دقماق المحمدي الظاهري فأقام عنده مدة، ثم أهداه الأمير دقماق في جملة مماليك آخرين إلى السلطان الملك الظاهر برقوق (784- 791 ثم792- 801هـ) فـفرقهم الملك الظاهر على أطباق المماليك، وتدرّج في الخدمة إلى أن رقي إلى أمير طبلخاناه (إمرة أربعين مملوكاً) بعد تولي الملك المؤيد شيخ السلطنة (815- 823هـ)، واستمر على ذلك بضع سنين ثم رقي إلى «أمير مئة وتقدمة ألف» في مصر وولّي كشف الجسور بمنطقة الغربية من أعمال القاهرة، ثم ولاه الملك المؤيد نيابة طرابلس سنة 821 هـ، ولم يلبث أن عزله بعد بضعة أشهر وسجنه في قلعة المرقب لتقصيره في تأديب بعض عصابات التركمان التي كانت تعيث فساداً في أرباض صافيتة، ثم أطلق سراحه سنة 823 هـ بتوسط الأمير ططر، وأنعم عليه بإمرة مئة وتقدمة ألف في دمشق.

مكث برسباي في دمشق حتى مات الملك المؤيد وخرج نائبها الأمير جقمق عن الطاعة وسجن برسباي في قلعتها، ولكن الأمير ططر أخرجه من السجن، وخلع عليه رتبة دوادار بعد توليه السلطنة سنة 824هـ وعينه «لالا» لولده الملك الصالح محمد، وعين جاني بك الصوفي أتابكاً للعسكر ومدبراً للمملكة. ولم يلبث الخلاف أن دب بين برسباي وجاني بك الصوفي فكانت الغلبة لبرسباي الذي تخلص من غريمه ثالث أيام عيد الأضحى سنة 824هـ وسجنه في الاسكندرية، واستقر برسباي مدبراً للمملكة، وصار لقبه نظام الملك مع الملك الصالح محمد وفوض إليه الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح داؤود العباسي (817- 845هـ) أمور الدولة نيابة عن السلطان الصغير السن. ولم تمض بضعة أشهر حتى كان برسباي قد تخلص من أخطر مزاحميه أو استمالهم إلى جانبه حتى صفا الجو له واستبد بالملك فخلع الملك الصالح وجلس على تخت السلطنة في الثامن من شهر ربيع الآخر سنة 825هـ، وتلقب بالملك الأشرف.

دامت سلطنة الملك الأشرف برسباي ست عشرة سنة وثمانية أشهر كانت البلاد إبانها عزيزة الجانب، ولكن لم تخل سنوات حكمه من بعض الفتن أو الاضطراب بسبب حوادث تمرد بعض الحكام والأمراء في مصر والشام والحجاز، وقد باءت جميعها بالإخفاق، وكان أكثر ما نغص على الملك الأشرف حياته فرار غريمه جاني بك الصوفي من سجن الاسكندرية سنة 826هـ واختفاؤه مدة طويلة جداً من دون أن يعرف مكانه حتى قتل قبل وفاة السلطان بمدة يسيرة على يد أولاد قرة يولك زعيم الآق قوينلو، وقد انعكس ذلك على تصرفات الملك الأشرف، فابن تغري بردي يشير إلى البلاء والعقوبات التي حلت بالناس بعد أن سمع السلطان بهرب جاني بك، وأن هذا البلاء استمر طوال سلطنته، كذلك شهدت البلاد في عهده تفشي الوباء أكثر من مرة كان أصعبها وأشدها تفشي الطاعون في أكثر البلاد سنة 833هـ/1430م ذلك الطاعون الذي مات فيه الألوف يومياً واستمر نحو أربعة أشهر.

أما على الصعيد الخارجي، فقد كانت علاقات الدولة المملوكية بجيرانها في هذه الحقبة تتأرجح بين الموالاة التامة والعداء الشديد، وقد عاصر برسباي في حكمه السلطان شاه رخ بن تيمورلنك والسلطان العثماني مراد بن عثمان في بورصة والأمير صارم الدين القرماني في قونية وعثمان بن طر علي المعروف باسم قره يولك زعيم الآق قوينلو، وناصر الدين من أبناء «ذو القادر» في مرعش، وكان هؤلاء يناصبون الدولة المملوكية العداء في غالب الأحيان، ويعيثون فساداً على تخوم الدولة مما اضطر الملك الأشرف  إلى إرسال تجاريد أكثر من مرة لردعهم، بل إنه قاد غزوة بنفسه لتأديب عثمان قره يولك سنة 836هـ، فاستولى على الرها، وحاصر آمد حاضرة قره يولك، أما قره يوسف زعيم القره قوينلو وأولاده فكانوا أقرب إلى الموالاة. أما أهم الوقائع التي جرت في زمن برسباي فهو فتح قبرص في غزوة بعث بها السلطان سنة 828 هـ بقيادة الأمير جرباش الكريمي بعد إعداد جيد في كل من مصر والشام، وشارك فيها نحو مئة مركب حربي بكامل عِددِها، وهي الغزوة الثانية التي تمت في عهد برسباي بعد أن اشتط القبارصة في تعديهم على الثغور الشامية والمصرية واعتراضهم السفن في البحر. وتمكنت القوات المملوكية من الاستيلاء على عدة مدن من الجزيرة وأسر ملكها جان الثاني (جينوس بن جاك 1415- 1458م) والعودة به إلى مصر مع مئات الأسرى، وقد افتُدي بمئتي ألف دينار على أن يقبل بالخضوع  للسلطان ويدفع جزية سنوية عشرين ألف دينار، واستمر الأمر على ذلك إلى ما بعد وفاة الأشرف. وخشي صاحب رودس أن يحل به ما حل بملك قبرص فبعث يقدم فروض الطاعة ويقبل أن يكون نائباً للسلطان في جزيرته.

كانت وفاة الملك الأشرف برسباي بعلة المرض الذي طال أمده وأعجز الأطباء حتى إنه أمر السبب بقتل طبيبيه الخاصين لهذا السبب. ومات بعد أن أوصى بولاية العهد لابنه الملك العزيز يوسف، ودفن بمقبرته إلى جانب المدرسة التي عمرها في صحراء الجيزة، وخلف أموالاً وتحفاً وخيولاً وسلاحاً، وعمر غالب القرى في قبلي مصر وبحريها بعد أن أصابها الخراب في أيام الناصر فرج والمؤيد شيخ لكثرة الفتن، كما أنشأ المدرسة المعظمية في مصر والسبيل وصهريج الماء في الجامع الأزهر ووكالة في الصليبة وأخرى في سوق الوراقين. وعاصره عدد من مشاهير الكتاب والفقهاء منهم بدر الدين محمود العيني (ت855 هـ ) وشهاب الدين أحمد بن حجر والصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ والمؤرخ الشيخ تقي الدين أحمد المقريزي (ت 845 هـ) وجمال الدين يوسف بن تغري بردي الأتابكي (ت874 هـ) وغيرهم.

كان الأشرف جليلاً مهاباً منقاداً للشرع مقرباً للفقهاء وافر العقل لم يشرب الخمر قط عارفاً بأحوال المملكة يتصدى للأحكام بنفسه، وكان محباً للصيد ماهراً في الرماية محباً لجمع المال كثير المصادرات، وهو أول سلاطين مصر الذين حصلوا العشور من التجار، وكان يتاجر بالغلال، وأمر بمنع التعامل بالنقود الإفرنتية المشخصة (التي تسك في بلاد الفرنج وعليها صورة)، وسك نقوداً ذهبية باسمه عرفت بالأشرفية والبرسباهية، وكانت من أجود الأنواع ودام تداولها زماناً طويلاً من بعده.


عن الموسوعة العربية.

التعليقات (0)