عبدالباسط بن خليل الحنفي صاحب آخر رحلة مشرقية إلى المغرب والأندلس

عبدالباسط بن خليل الحنفي

صاحب آخر رحلة مشرقية إلى المغرب والأندلس

 

الإمام عبدالباسط بن خليل أحد الرحالة العرب والمسلمين الذين جابوا العالم ودونوا يومياتهم وانطباعاتهم، ونقلوا صوراً لما شاهدوه وخبروه في أقاليمه، قريبة وبعيدة، وكانت رحلته آخر حلقة في سلسلة الرحلات المشرقية إلى المغرب الإسلامي والأندلس. ويقول الدكتور عبد الحكم الصعيدي- الأستاذ بجامعة الأزهر- وُلد عبدالباسط بن خليل بن شاهين الملطي الحنفي، والملقب زين الدين، في ملطية يوم 11 رجب 844هـ - 6 ديسمبر 1440م، ونشأ في بيت رئاسة، وكان أبوه خليل بن شاهين ابناً لأحد سلاطين المماليك، وتولى حكم بارس باي، والإسكندرية، والكرك، وحلب، ودمشق حتى وصل إلى منصب أمير الحج بداية من سنة 840هـ - 1437م، ثم تقلد منصب وزير. ووجهه ابوه منذ الصغر إلى طلب العلم وحفظ القرآن الكريم ودراسة اللغة العربية والأدب والتاريخ، وتعلم القراءات وحفظ منظومة النسفي والكنز ونصف المجمع، وحضر دروس قوام الدين وحميد الدين النعماني وغيرهما من علماء الحنفية، وقرأ على جماعة من علماء الروم كالعلاء الرومي قاضي قضاة العسكر بدمشق، والبرهان البغدادي في مدينة طرابلس الشام، ورحل إلى القاهرة ولازم النجم القرمي وتلقى عنه علوم العربية والمعاني والبيان. رحلاته شغف عبدالباسط بدراسة علم الطب، وسافر إلى بلاد المغرب فى طلبه والأخذ عن كبار علماء الطب بها، ومكث بضع سنوات يتنقل عبر حواضرها وزار الدول الأفريقية والإسبانية التي كانت تحت حكم الحفصيين وبني عبد الواد والنصريين، ونهل من أبرز علمائها في العلوم الدينية والأدبية. ومارس الإمام عبد الباسط التجارة، فتجشم وعانى أسفاراً هيأت له المعرفة بغوامض أحوال البلاد والأمصار، ثم انقطع بعد ذلك إلى تتبع البلدان والمدن والقرى، فطاف أكثر بلاد العالم الإسلامي.

وانطلق على ظهر سفينة للتجار الجنويين من الإسكندرية في سنة 866هـ/ 1462م، ونزل طرابلس ثم قصد تونس، التي وصلها في يوم الأربعاء 12 ذي القعدة 866 هـ - 1462م، بعد رحلة استمرت بحراً ثلاثاً وثلاثين يوماً، بعدها توجه إلى بجاية في ذي القعدة 868 هـ - 1464م، والتقى بالشيخ أبي القاسم محمد المشدالي وأخذ عنه الكثير، ودخل مدينة الجزائر واتصل بالشيخ الولي عبد الرحمن الثعالبي وسمع بعضاً من فوائده، واطلع على تفسيره وقرأ عليه بعض مصنفاته وأجازه، وخرج قاصداً تلمسان، ومر في طريقه إليها بمدينة مازونة وقلعة هوارة والبطحاء، ودخل عاصمة الزيانيين فى أواخر ذي القعدة 868 هـ - 1464م، وصادف وصوله إليها مناسبة عيد الأضحى فحضر الاحتفال في المصلى بظاهر المدينة مع السلطان المتوكل محمد بن أبي ثابت. ثم توجه إلى تلمسان في المحرم سنة 869 هـ - 1465م. كما جلس دروس العلامة محمد بن علي بن فشوش أشهر أطباء تلمسان، وأجازه، ولازم ابن الأشقر الأندلسي أمهر العلماء في العلوم القديمة والطب وعلم الوقف والميقات، وارتحل إلى وهران ووصلها في 24 ربيع ثاني سنة 867 هـ، والتقى بكبار علمائها. وخرج من وهران إلى الأندلس على متن باخرة جنوية كبيرة، وخلال شهرين ونصف زار ملقة وغرناطة عاصمة النصريين، وجال في بعض المدن، ثم عاد إلى وهران واستقر بها مدة، وسافر عائدا إلى مصر ووصل الإسكندرية سنة 871 هـ - 1467م، ولم يكن في رحلته هذه وحيداً إذ كانت برفقته زوجته وبنتيه ولم يتسن له تربيتهما، إذ ماتتا في سن صغيرة، وعانى مرارة فقدهما. فقيه حنفي جلس الإمام عبد الباسط للتدريس، والتف حوله طلاب العلم، وبلغت شهرته الآفاق كفقيه حنفي وكخبير في علم الطب، وأثنى عليه علماء عصره كشمس الدين السخاوي الذي سمع من نظمه وفوائده، وخلف مؤلفات فريدة أهمها “نيل الأمل في ذيل الدول”، و”المجمع المفنن بالمعجم المعنون”، و”غاية السول في سيرة الرسول”، و”نزهة الاساطين فيمن ولي مصر من السلاطين”، و”شروح في فقه الحنفية”. ويعتبر كتابه “الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم” من أشهر مؤلفاته، فهو عبارة عن تسلسل زمني عام للبلدان الإسلامية، وبالخصوص مصر وسوريا، وقد صنفه على منوال كتابات ابن حجر والمقريزي السابقة، والتي كانت تعالج نفس الموضوع. ولم يصلنا هذا الكتاب كاملاً، وإنما وجد ضمن قسمين طويلين مكونين من مخطوطين لمكتبة الفاتيكان، ويحتوي القسم الثاني على سيرة ذاتية له تقع فى 51 صفحة سجل فيها أسفاره إلى الغرب الإسلامي، والحوادث التى عاينها أو عايشها خلال تنقلاته، وعنى المستشرقون بهذه الرحلة بمراحلها وتواريخها وأحداثها، واعتبروها وثيقة تاريخية نادرة عن أفريقيا الشمالية وبلاد البربر فى النصف الثاني من القرن 15م. كما تتضمن معلومات قيمة عن العادات والتقاليد والأوضاع الاجتماعية والثقافية والعلمية والدينية والحضارية فى المجتمعات التي زارها. وذكر فيها بعض القضايا الفقهية التي صادفها في هذه الدول، ودون المناقشات العلمية التي دارت بين العلماء والفقهاء حولها، كما أورد العديد من القصص الطريفة التي وجدها أثناء أسفاره وتنقله وكانت مثار حديث الناس. وذكرت المصادر التاريخية أن الإمام عبد الباسط زهد في آخر حياته، وتوفي سنة 920هـ/1514م.


صحيفة الاتحاد.

 

التعليقات (0)