أبو الريحان البيروني

أبو الريحان البيروني

أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، (362 ـ440هـ/ 973 ـ 1048م) رياضي ومؤرخ من أهل خوارزم، ولد في ضاحية من ضواحيها، ولذلك كناه بعض المؤلفين العرب، كياقوت الحموي، بالخوارزمي، ويذكر ياقوت أن كلمة «بيروني» معناها: البرّاني لأنه كان قليل الإقامة في خوارزم، وتوفي فـي غزنة من أعمال أفغانستان.

كان البيروني من أصل غير عربي، تكلم الفارسية منذ طفولته، إلا أنه كان عربي الفكر والثقافة واللسان، وآثر أن يضع مصنفاته باللغة العربية، حتى إنه قال في كتابه «الصيدنة»: «والهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية 000، إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسماء الليلية».

أقام البيروني مدة طويلة في مدينة جرجان، الواقعة جنوب شرقي بحر قزوين، وفيها كتب أول مؤلفاته (388هـ /998م)، وهو بحث في التقاويم والتاريخ والرياضيات والفلك والظواهر الجوية، ثم عاد إلى بلاده عام 399هـ / 1008م. كانت للبيروني حظوة ومنزلة رفيعة لدى الأمراء والملوك لعلمه وأدبه. ويذكر ياقوت الحموي أن قابوس بن وشمكير أمير جرجان وبلاد الجبل (ت 403هـ) أراد أن يستخلصه لصحبته، على أن تكون له الإمرة المطاعة في جميع ما يحويه ملكه، فأبى عليه، ولكنه ما لبث أن لبى رغبته ونزل في قصره.

وفي خوارزم اتصل البيروني بخوارزم شاه وحظي عنده، وكان هذا الأمير يعهد إليه بمهمات سياسية دقيقة، لما اتصف به من طلاقة لسان عجيبة، وقدرة على الإقناع غير عادية. ولما قتل خوارزم شاه واستولى محمود الغزنوي على خوارزم نحو سنة 407هـ /1017م أمر بالقبض على البيروني وهمّ بقتله، ولكن بعض عارفيه أشاروا على السلطان محمود باستبقائه، لخبرته النادرة بعلم النجوم، فأخذه معه إلى بلاد الهند، ليستعين بعلمه في التنجيم، وليصحبه في حملاته العسكرية شمال غربي الهند.

وهناك قام البيروني بتدريس العلوم اليونانية، وتعلم اللغة السنسكريتية، وعدداً من لغات الهند، كما درس الديانات والفلسفات الهندية بلغات أهلها. وكان هذا أمراً نادراً بين العلماء العرب. ودرس أيضاً تقاويم بلاد فارس والسريان والإغريق واليهود والنصارى والصابئة والزرادشتيين، إضافة إلى أيامهم المشهورة. ويقول البيروني في مقدمة كتابه «في تحقيق ما للهند»: «كنت نقلت إلى العربي كتابين، أحدهما في المبادئ وصفة الموجودات، واسمه (سانك)، والآخر في تخليص النفس من رباط البدن، ويعرف باسم (باتنجل)، وفيه أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم دون فروع شرائعهم».

وبعد وفاة السلطان محمود الغزنوي عام 421هـ /1030م اتصل البيروني بولده السلطان مسعود، وألف له كتاب «القانون المسعودي»، فأعجب السلطان إعجاباً شديداً، وأجازه عليه بحمل فيل من نقده الفضية، ولكنه رده بعذر الاستغناء عنه. ولما قتل السلطان مسعود عام 432هـ/1040م. اتصل البيروني بولده السلطان أبي الفتح مودود (ت441هـ)، وصنف له كتاب «الدستور»، وظل البيروني مقيماً بغزنة حتى وفاته.

قام البيروني بعدة أعمال علمية جليلة منها تحقيق القياس الذي قام به بعض الفلكيين أيام المأمون لمحيط الأرض، فقد وجد، مستعملاً آلة خاصة، أن طول قوس من محيط الأرض، يقابل درجة واحدة، يساوي ميلاً، وهذه النتيجة قريبة جداً مما توصل إليه علماء المأمون.

ومن إنجازاته المشهودة في ميدان علم الفلك اختراعه للكثير من الآلات الفلكية، ووضعه للعديد من الجداول الإحصائية وجداول المقارنة لتعيين مواقع الأجرام السماوية، ومعرفة زاوية ميل محور الأرض، وأطوال البلدان وعروضها، وقياس طول السنة، وتحديد حركات القمر ومنازله، وأحواله وشكل فلكه، وقياس بعده عن الأرض، وغير ذلك من الموضوعات الفلكية.

ومن الأفكار التي جهر بها البيروني فكرة حركة الأرض وحركتها حول محورها، إذ يقول في كتابه «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة»: «إن الأرض متحركة حركة الرحى على محورها».

وفضلاً عن صولاته وجولاته في علم الفلك، له آثار خالدة في العلوم الطبيعية والرياضية، فكان من الذين أسهموا في وضع الأسس العلمية لميكانيك السوائل وتوازنها. ومن المنجزات العظيمة التي خلفها البيروني حسابه للوزن النوعي لعدد من المعادن والأحجار، وكانت نتائجه قريبة جداً من التقديرات الحديثة. وقد استخرج البيروني الأوزان النوعية لعدد من المعادن وكانت النتائج التي توصل إليها قريبة جداً من الأوزان النوعية الواردة في مؤلفات المحدثين.

ورد في كتاب «القانون المسعودي» عبارات تنم على إدراكه لوجود التجاذب بين الأجسام، وأن هناك نوعين من الجاذبية: «جاذبية السماء للأرض، وجاذبية الأرض لما عليها وما حولها. فالشيء إنما ينجذب إلى النطاق الذي يقع فيه، وإن كان هو ونطاقه منجذبين إلى السماء».

وفيما يتعلق بالأرقام، قال البيروني عن الترقيم في الهند: إن صور الحروف وأرقام الحساب تختلف باختلاف الأماكن، وإن العرب أخذوا ما عند الهنود، فقد كان لدى الهنود أشكال عدة للأرقام، فهذب العرب بعضها، وكونوا منها سلسلتين عرفت إحداهما بالأرقام الهندية (وهي التي تستعمل في الأقطار العربية وبعض الأقطار الإسلامية في أيامنا هذه)، وعرفت الثانية باسم الأرقام الغبارية (وقد انتشر استعمالها في بلاد المغرب والأندلس)، ومن هذا الطريق دخلت الأرقام الغبارية إلى أوربة، وعرفت باسم الأرقام العربية.

كان البيروني ملماً بعلم المثلثات، وتدل كتبه على أنه عرف قانون تناسب الجيوب. وتحوي بعض مؤلفات البيروني نظريات هندسية مع براهينها، سلك فيها طرقاً مبتكرة مغايرة للطرق التي سلكها رياضيو اليونان، ومنها إيراد برهان جديد لحساب مساحة المثلث بدلالة أضلاعه، وهو غير البرهان الذي استنبطه هيرون من رياضيي جامعة الاسكندرية (عام 150م)، وهذا البرهان وارد في إحدى رسائله تحت عنوان «رسالة استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني».

كذلك أتى البيروني بآراء جديدة في علم الجيولوجية أسهمت في تأسيس هذا العلم. فقد تنبأ بمعلومات لم تكن معروفة في زمانه مثل حدوث حركات أرضية بطيئة، واعتقاده أن وادي نهر السند كان في العصور الغابرة حوض بحر قديم ملأته الرواسب التي حملها النهر.

أما اهتمامات البيروني في ميدان علم الجغرافية فكانت تتجه إلى الجانب الرياضي والفلكي. وقد كتب عدداً من الرسائل المختلفة في الجغرافية الرياضية، كما خلّف عدداً من المصنفات تشير أسماؤها إلى اهتمامه بالجغرافية. وفي كتابه «الآثار الباقية عن القرون الخالية» يسلك نهجاً أصيلاً في موضوع رسم الخرائط بالإسقاط. وفي كتابه «تحديد نهاية الأماكن لتصحيح مسافات المساكن» يتكلم على تحديد العروض الجغرافية والاختلاف في أطوال المواضع. ويوضح في هذا الكتاب ميزة جغرافيي العرب على اليونان باتساع رقعة أفقهم الجغرافي نتيجةً لاتساع نطاق الحضارة الإسلامية «غرباً إلى الأندلس، وشرقاً إلى حدود الصين وأواسط الهند، وجنوباً إلى الحبش وبلاد الزنج، وشمالاً إلى مساكن الترك والصقالبة». كما يعالج في القسم الثالث من كتابه «التفهيم  لأوائل صناعة التنجيم» موضوع توزع البحار على الأرض، وكيفية ضبط الأطوال والعروض وخط الاستواء. وقد أفاد من بحوثه الجغرافية نفر كبير من الجغرافيين المتأخرين مثل ياقوت الحموي وأبي الفدا والمقريزي.

كذلك كان أبو الريحان من المبرّزين في ميدان الأدوية والمداواة، فقد أورد في كتابه «الصيدنة» معجماً للمواد الطبية والأدوية المفردة يفسر فيه ويوضح الكلمات العربية الأصيلة والمرادفات، وكذلك الكلمات غير العربية وطريق نطقها. وهو يبحث أيضاً في تاريخ العقاقير والأعشاب الهندية وغير الهندية ويرشدنا إلى مواطنها، ويكشف القناع عن مفعولها وخواصها وميزاتها. وهو يحوي نحواً من 1200 مادة مختلفة، في حين يورد الشيخ الرئيس ابن سينا في قانونه 500 مادة.

لقد اتسع أفق اهتمامات البيروني ليشمل الاقتصاد، إذ إنه تطرق في كتاب «الجماهر في معرفة الجواهر» إلى بعض النظريات الاقتصادية. فهو يبين مثلاً، ضرورة اتخاذ قيمة ثابتة لتسهيل تبادل المصالح. ويلفت النظر إلى الخطر الناشئ من الغلو في تشريف الذهب والفضة بكنزهما وعدم تداولهما، لأن الحركة هي من ضرورات الحياة، وإذا توقفت تلك الحركة نشأت أزمة اقتصادية هائلة. وقد أنكر البيروني كنز الأموال مستدلاً بالآية الكريمة: {والذين يكنزون الذّهب والفِضَة ولا يُنْفِقُونَها في سَبيل الله فَبَشّرهُم بعَذابٍ أليم} (التوبة 35).

هذا ويعد الكثير من العلماء البيروني أديباً، وقد كتب ياقوت الحموي مقالاً مشوقاً عن أدب البيروني في معجمه الكبير «معجم الأدباء». ومن رسائله الأدبية «شرح شعر أبي تمام» و«مختارات الأشعار والآثار» و«المسامرة في أخبار خوارزم» و«التعلل بإحالة الوهم في معاني نظم أولي الفضل»، كما تجدر الإشارة إلى أن البيروني كان يقرض الشعر أحياناً.

ومن النظر في أقواله ورسائله ومؤلفاته يتبين أن البيروني كان باحثاً علمياً مخلصاً للموضوعية، وعبقرياً مبدعاً ذا بصيرة نفاذة. ولم يكن من أعظم علماء الإسلام قاطبة فحسب، بل يعده أحد كبار المستشرقين، وهو العالم سخاو، أعظم عقلية عرفها التاريخ.

صنف البيروني ما لا يحصى من الكتب في العلوم والحكمة والأدب، وقد ذكر ياقوت أنه رأى فهرسة كتبه في هذه الموضوعات وهي في نحو ستين ورقة، ولكن كتبه التي وصلت هي اثنان وعشرون كتاباً أشهرها:

ـ «الآثار الباقية عن القرون الخالية» و«تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» و«مقالة استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها»، و«الصيدنة في الطب»، و«القانون المسعودي في الهيئة والنجوم»، و«استيعاب الوجوه الممكنة في صناعة الاصطرلاب»، و«غرة الزيجات»، و«التفهيم لأوائل صناعة التنجيم»، و«تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن» و«تاريخ الأمم الشرقية»، و«تاريخ الهند»


(المصدر: الموسوعة العربية).

التعليقات (0)