تراجم الشِّلِّي (ت: 1094هـ/ 1683م) في كتابه المشرع الروي (1)

تراجم الشِّلِّي (ت: 1094هـ/ 1683م) في كتابه "المشرع الروي"

(الجزء الأول)

دراسة تاريخية وقواعد بيانات تحليلية للمتوفين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين/ السابع عشر والثامن عشر الميلاديين ـــ أنموذجًا

           د. محمد يسلم عبدالنور

  أستاذ التاريخ الإسلامي وحضارته المشارك

      كلية الآداب ــــ جامعة حضرموت

المستخلص:

تعد كتب التراجم والطبقات الحضرمية بمختلف أنواعها العمود الفقري والمصدر الأساس لتاريخ حضرموت، وهي بالكثرة من أي مصدر آخر، ومن الأسرة الحضرمية التي حظيت بنصيب الأسد من هذه الكتابة التاريخية أسرة آل أبي علوي التي لها الأثر الحضاري في تاريخ حضرموت.

ولذا فقد كثرت في تراجم هذه الأسرة المصنفات، ومن أشهرها وأقدمها وأفضلها ــ حسب علمي ــ كتاب "المشرع الروي" للشلي (ت: 1094هـ/1683م).

من أجل هذا؛ كان هذا البحث والدراسة التاريخية تعريفًا بالكتاب وبمؤلفه، ومن ثم تحليل تراجمه للمتوفين في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين/ السابع عشر والثامن عشر الميلاديين ـــ لأهميتها ومعاصرة المؤلف لبعضها.

الكلمات المفتاحية: كتاب "المشرع الروي"، محمد بن أبي بكر الشلي، تراجم القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين ــ السابع عشر والثامن عشر الميلاديين.

: Abstract

The various types of Hadhrami biographies and social classes' books are considered the main pillar and source of the history of Hadramout which are much more than any other source. One of these Hadhrami families which has been shed light on among these historical writings is Al-Ba'alwi family which has a Civilizational impact in the history of Hadramout.

So, there have been many biographies of this family members. According to me, Ashelli's 'Al-Mashra' Al-Rawi' (1094 AH / 1683 AD) is the best, famous and oldest biography..

Therefore, the current historical study presents this book and its author. Then it analyzes the biographies of those who died in the eleventh and twelfth Centuries AH due to the importance of these two centuries where the author had witnessed part of them..

Keywords: 'Al-Mashra' Al-Rawi,' Mohammad Abu- Baker Ashelli, Biographies of the Eleventh and Twelfth Centuries..

المقدمة:

تعد كتب التراجم والطبقات بمختلف أنواعها: الفردية، أو الجماعية، أو الأسرية، أو التخصصية، سواء كانت لمدة محددة بعينها، أو من بداية التدوين التاريخي الحضرمي حتى عصر مؤلفها، العمود الفقري والمصدر الأساس لتاريخ حضرموت، وهي بالكثرة من أي مصدر آخر([1])، وقد حظيت أسرة آل أبي علوي بنصيب الأسد من ذلك -كما يقال-، وفي هذه البحث سوف نحلل أحد هذه الكتب، وهو كتاب (المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي) لمحمد بن أبي بكر الشلي (ت 1094هـ/ 1683م)، وربما أن القارئ قد قرأه أو اطلع عليه أو سمع عنه باختلاف مشاربه، لشهرة الكتاب والمؤلف وطباعته وانتشاره وتداوله بين الناس، في الداخل والخارج.

وقبل الولوج في ذلك؛ لعله لزامًا علينا أن نعرِّف بالمؤلِّف، ولو إيجازًا قبل الحديث عن المؤَلَّف.

التعريف بالمؤلِّف([2]):

لقد أراحنا المؤلف من مؤنة البحث عن ترجمته، وذلك بتدوينها وإفرادها ترجمة مستقلة من تراجم كتابه (المشرع الروي)، ولعله في هذا قد حاكى غيره ممن نهج ذلك في مؤلفاتهم([3]).

فهو: جمال الدين محمد بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن عبدالله الشِلِّي، ولد بتريم في حضرموت، في منتصف شهر شعبان سنة 1030هـ/ 1621م، ونشأ في أسرته، وأول ما بدأ بحفظه كتاب الله العلي العظيم، حيث أرسله والده -كعادة الأولاد آنذاك- إلى إحدى معلامات البلد الشهيرة، وهي معلامة باغريب للتلقي والتهجي وقراءة القرآن وحفظه، فأتم حفظه وهو ابن عشر سنين على يد معلم المعلامة الشيخ عبدالله بن عمر باغريب، ثم اتجه بعد حفظه للقرآن إلى طلب العلم الشرعي -ولا شك أن دراسته بالمعلامة كان بداية تلقينه أبجديات العلوم الشرعية التي ترافق حفظ القرآن الكريم- حيث رافق ذلك قراءة عدد من المتون الحديثية والفقهية والنحوية وغيرها وحفظها، سواء على يد شيوخه أو بالاجتهاد الذاتي بما نسميه بالتعليم بالوجادة؛ حيث حفظ في العقيدة: العقيدة الغزالية للغزالي (ت: 505هـ/ 1111م)، وفي القراءات: الجزرية للجزري (ت: 833هـ/ 1429م)، وفي الحديث: الأربعون النووية للنووي (ت 676هـ/ 1277م)، وفي الفقه: الإرشاد لابن المقري (ت: 836هـ/1432م)، وفي النحو: ملحة الإعراب للحريري (ت516هـ/1123م)، والآجرومية لابن آجروم (ت: 723هـ/1322م)، وقطر الندى لابن هشام (ت: 761هـ/1360م).

وتتحفنا مصادر ترجمته بعدد كبير من شيوخه، سواء كانوا في تريم وحضرموت مسقط رأسه، أم في البلدان والمراكز العلمية التي ارتحل إليها كظفار، والهند، والحجاز (الحرمين الشريفين)، وسواء كان هؤلاء الشيوخ شيوخ تبرك أم شيوخ أخذ وتَلَقٍّ.

وخلف لنا الشلي تراثًا علميًا تمثل في مجموعة من الكتب الفقهية والعربية، ومنها كتب التاريخ والسير والتراجم والطبقات، وكتب الفلك، وعلوم الآلة، وأصبحت هذه الكتب فيما بعد مصدرًا من المصادر التي يعتمد عليها الفقهاء والمؤرخون والعلماء، منها ما طبع، ومنها ما لم يزل مفقودًا وضائعًا، وثالثًا لم يزل مخطوطًا، وهي على النحو الآتي:

- المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي، (موضوع الدراسة).

- السناء الباهر بتكميل النور السافر([4]).

- نفائس الدرر في أخبار القرن الحادي عشر، أو عقد الجواهر والدرر في أخبار القرن الحادي عشر([5]).

- المنهل المورود في أخبار ملوك مكة القتاديين أهل النجدة والجود (تاريخ مكة) ([6]).

- ترجمة الشيخ أبي بكر بن سالم([7]).

- مشيخة والده (مفقود).

- ثبت، معجم مشايخه (مفقود).

- المنحة المكية شرح التحفة القدسية في الفرائض (مفقود).

- شرح مختصر الإيضاح للشيخ ابن حجر (ت: 974هـ/ 1566م)، والإيضاح هو إيضاح المناسك للإمام النووي (ت: 676هـ/ 1277م) (مفقود).

- رسالة في نجاة أبويِّ النبي صلى الله عليه وسلم (مفقود).

- شرح على أوائل جمع الجوامع للسيوطي، لم يتمَّه (مفقود).

- رسالة مطولة في معرفة ظل الزوال لعرض مكة (مفقود).

- رسالة في المقنطر(مفقود).

- رسالة في معرفة اتفاق المطالع واختلافها (مفقود).

- رسالة مطولة في علم الميقات بلا آلة (مفقود).

- رسالة في الاسطرلاب (مفقود).

- رسالة في ربع المجيب وشرحها([8]).

- شرح رسالة الإمام السنوسي، وهو مسودة (مفقود).

- شرح رسالة السيوطي المسماة: صون المنطق والكلام عن فنون المنطق والكلام (مفقود).

- شرح التسهيل (مفقود).

عاش الشلي مدة من الزمن تقدر بثلاثة وستين عامًا، قضى معظمها بمكة المكرمة، التي فضل الإقامة بها ومجاورة البيت الحرام، وتوفي بها في آخر يوم من ذي الحجة 1093هـ/ 1682م، أي سنة 1094هـ/1683م([9])، وصلى عليه ضحى يومها بالمسجد الحرام إمامًا بالناس الشيخ أحمد البشبيشي([10])، ودفن بالمعلاة([11]) بحوطة آل باعلوي. ولا يعرف شيء عن أبناء الشلي؛ إلا قول المحبي: وله عقب بمكة الآن([12])، مما يؤكد أن له أولادًا عاشوا بمكة المكرمة من بعده. ويكنى بابنه علوي؛ وهو أول أولاده([13]).

التعريف بالمؤَلَّف:

سمى المؤلف كتابه كما في مقدمته بـ(المشرع الروي في مناقب بني علوي) ([14])، في حين أن العنوان على غلاف الكتاب (المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي)، وبنو علوي هم مَنْ يعرفون في المجتمع الحضرمي بالسادة آل أبي علوي؛ المنتمين إلى علوي بن عبيدالله بن المهاجر أحمد بن عيسى (ت: 412هـ/ 1021م) ويقع في جزأين، حوى مقدمة في فضل القرابة والآل، وبابين: الأول في نسبهم وتنقلهم في الأقاليم واستقرارهم بتريم، والثاني في تراجمهم ووصف أحوالهم، وخاتمة في خرقتهم الصوفية، وقد طبع أولًا بمصر بالمطبعة الشرفية سنة 1319هـ/ 1901م، وطبع ثانية في جزأين كذلك بدون تاريخ وناشر، ووضع مقدمتها محمد أحمد الشاطري سنة 1401هـ/ 1980م، وبها فهارس للأعلام والأماكن والقبائل خلاف الأُولى، وفي الثانية حذف الكرامات التي حواها، وقد أشار في الهامش إلى أماكن الحذف، وحجته في ذلك أن هذه الكرامات ربما لا يرضى أصحابها بنشرها عنهم ولا بنسبتها إليهم، إلا أن وجود تلك الكرامات لا تنقص من قيمة الكتاب ولا من قدر مصنفه، بقدر ما تعطينا صورة عن الوضع العلمي والعقدي آنذاك([15]).

والكتاب أحد كتب الشلي التاريخية الأربعة المشهورة، وقد رتب تراجمه ترتيبًا ألفبائيًا من غير تقديم مؤخر عن مقدم، ولا تأخير عظيم عن أعظم([16])، فكان عليه أن يبدأ بمن اسمه إبراهيم غير أنه بدأ بمن اسمه محمد تيمُّنًا باسمه صلى الله عليه وسلم، وأسماهم بالمحمديِّين وهم كذلك، ثم ختم بمن اسمه محمد بترجمة نفسه كما يفعل بعضهم، وقد ذكرنا ذلك سلفًا، وهي الترجمة رقم (54)، وكان لها أن تأتي أول التراجم بحسب مقتضى ذلك الترتيب.

وهذه الطريقة ليست من ابتكار الشلي؛ فقد سبقه إلى ذلك الكثير، ولعل من بدأها الحميدي([17]) في كتابه (جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس).

ورغم أن الشلي حصر من ترجم له بقوله: (من كثر في طريق القوم زاده، وكبر في العلوم مزاده)([18])، إلا إن هذا المقياس قد خالفه بعدم ذكر بعض من اتسم بذلك رغم شهرتهم، ولا ندري هل أجهلًا منه أو نسيانًا أو تعمدًا على ما سنوضحه لاحقًا.

حوى الكتاب عددًا من التراجم بلغت (284) ترجمة على النحو الآتي:

هذه التراجم توزعت من نهاية القرن الخامس([19]) إلى القرن الثاني عشر الهجريين ــ الحادي عشر إلى القرن الثامن عشر الميلاديين ـــ، وما يعنينا في ذلك تراجم القرنين الحادي عشر، والثاني عشر الهجريين ــ السابع عشر والثامن عشر الميلاديين.

وقبل أن نحلل تراجم مدة البحث، نشير إلى أن الكتاب قد حاز أهمية، فحين فرغ المؤلف من تبييض أول نسخة منه تناقلها بعض النساخ، وكان لها صدىً عظيم في الأوساط العلوية والحضرمية وفي المهجر، وأقبل على نسخه وقراءته طلاب العلم، حتى لقد أشار عبدالله بن علوي بن محمد الحداد (ت: 1132هـ/ 1719م)، على مريده أحمد بن زين الحبشي (ت: 1144هـ/1731م) بأن ينقل عن هذا الكتاب، ويجمع فوائد منه، فامتثل لأمره، فكان حصيلة ذلك كتابه (المسلك السوي في جمع فوائد مهمة من المشرع الروي)([20]).

 كما ذيَّل على (المشرع الروي) السيد عبدالرحمن بن مصطفى العيدروس (ت 1192هـ/ 1778م)، ولا توجد منه نسخة سوى نسخة خطية في سورت بالهند([21]).

(الجزء الثاني)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)


([1]) منها: الجوهر الشفاف للخطيب، الغرر لخرد، أنس السالكين لباهارون، الدر الفاخر لباجمّال، تاريخ بافقيه، شرح العينية، البنان المشير لباكثير، صلة الأهل لبافضل، المنهج القويم لباعباد، الدر المدهش لباعلوي، عرائس الوجود للخطيب، مواهب الرب الرؤف لباجمال، غاية القصد لبن سميط، القرطاس للعطاس، نشر محاسن الاوصاف للسقاف، الأمالي للسقاف.

([2]) الشلي: المشرع الروي 2/ 17 -المحبي: خلاصة الأثر 3/ 336 -الزركلي: الأعلام 6/ 59.

([3]) من مثل: ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/1448م)، السخاوي (ت 902هـ/1496م)، السيوطي (ت 911هـ/1505م)، ابن المقري (ت 836هـ/1432م)، ابن الديبع (ت 944هـ/1537م)، الفاسي (ت 832هـ/1428م)، ابن حجر الهيتمي (ت 974هـ/1565م)، العيدروس (ت 1034هـ/1623م).

([4]) طبع بتحقيق: إبراهيم محمد المقحفي، الطبعة الأولى، 1425هـ/ 2004م، مكتبة الإرشاد، صنعاء.

([5]) طبع بتحقيق: إبراهيم أحمد المقحفي، الطبعة الأولى، 1424هـ/ 2003م، مكتبة الإرشاد، صنعاء.

([6]) مخطوط، وقيد الدراسة والتحقيق.

([7]) مخطوط، منه نسخة ناقصة بمركز النور للدراسات والأبحاث، تريم، حضرموت.

([8]) مخطوط، منها نسخة بمركز النور للدراسات والابحاث، تريم، حضرموت.

([9]) استحسنت أن أضع تاريخ وفاة الشلي سنة 1094هـ، رغم أن جميع المصادر تشير إلى سنة 1093هـ لأمور منها: أنه توفي آخر يوم في السنة، ويحتمل أن يكون اليوم الأول من السنة اللاحقة، وعدم اعتقاد البعض أن الوفاة أول السنة أو في أوساطها، كما أن معظم المؤرخين يضعون السنة القادمة بعد شهر رمضان أو ذي الحجة، كما أنني وقفت على مخطوطة من كتابه (تاريخ مكة) نسخها تلميذه، وأرخ فيها وفاته بسنة 1094هـ، كما أنني لا ألزم غيري بما ذهبت إليه.

([10]) أحمد بن عبداللطيف البشبيشي الشافعي: الإمام العالم المحقق الحجة، متضلع في علوم عدة، تصدر للإقراء والتدريس بالجامع الأزهر، حج سنة 1092هـ، وأقام بمكة يدرس، ثم عاد إلى بلده بمصر، وتوفي بها سنة 1096هـ/1685م (المحبي، خلاصة الأثر 1/ 238، 239ـــ الزركلي، الأعلام 1/ 155).

([11]) المعلاة: هي مقبرة أهل مكة، وتسمى (الثنية العليا)، وهو القسم العلوي من مكة، ويطلق اليوم على حي بين الحجون وسوقها، والمسجد الحرام (شراب، المعالم الأثيرة 78، 277).

([12]) خلاصة الأثر 3/ 338.

([13]) الشلي: المشرع الروي 2/17.

([14]) المشرع الروي 1/3.

([15]) ومع هذا لم تحظ هذه الطبعة بالشهرة والانتشار كما حظيت به الطبعة الأولى.

([16]) المشرع الروي 1/169.

([17]) أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي: ولد في قرطبة، مؤرخ محدث، أندلسي، كان شديد الحفظ بارعًا في الاستنتاج، ظاهري المذهب، له العديد من المؤلفات في التفسير والفقه والحديث، واللغة العربية، رحل إلى مصر ودمشق ومكة وأقام ببغداد فتوفي فيها سنة 488هـ/ 1095م (الزركلي، الأعلام 6/327).

([18]) المشرع الروي 1/3.

([19]) بترجمته لمحمد بن علوي بن عبيدالله بن أحمد المهاجر، وترجمته لابنه علوي (ت 513هـ/1119م)، وبسنة وفاة ابنه علوي استدللنا على وفاة الأب (محمد) بأنها في نهاية القرن الخامس، رغم أن المؤلف لم يحدد سنة الوفاة (الشلي: المشرع الروي 1/ 191، ترجمة رقم (31).

([20]) المسلك السوي: 48.

([21]) مجلة الرابطة العلوية، المجلد الاول، 1347ه/1927م، 111.

التعليقات (0)