تراجم الشِّلِّي (ت: 1094هـ/ 1683م) في كتابه المشرع الروي (2)

تراجم الشِّلِّي (ت: 1094هـ/ 1683م) في كتابه "المشرع الروي"

(الجزء الثاني)

واعتمد على الكتاب كمصدر من مصادر معلوماتهم كُلٌّ من: المحبِّي (ت 1111هـ/1698م) في كتابه (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر)([1])، والحبشي (ت 1144هـ/1731م) في كتابه (شرح العينية)([2])، والزركلي (ت 1396هـ/1976م) في كتابه الموسوعي (الأعلام)([3]).

أولًا: عدد التراجم: بعد عملية الإحصاء والتتبع لتراجم مدة الدراسة، وجدنا أن عدد التراجم بلغت (119) ترجمة، أي بنسبة 42%، منها (11) ترجمة في الجزء الأول، والبقية (108) في الجزء الثاني، أرّخ لوفاة بعضها، وترك وفاة بعضها الآخر، وعاصر آخرين كانوا أحياء حين تدوين كتابه، وذلك على النحو الآتي:

وتبين أن آخر ترجمة أرخ لوفاتها كانت سنة 1091هـ/1679م([4])، أي قبل وفاته بأقل من ثلاث سنوات، وهذا يعطي دلالة على سنة كتابة الكتاب في هذه المدة، في حين أن هناك ترجمة وفاتها سنة 1113هـ/1701م، وهي بعد وفاة المؤلف، إلا أن ناشر الكتاب قد تنبه لذلك، وأشار إلى أن المؤلف قد ترك فراغًا فوافته المنية فأكمل ذلك الناشر([5])، وليته فعل في بقية التراجم.

ثانيًا: الأسر: تنوعت تراجم الشلي على أسر آل أبي علوي وكاد يذكرها كلها، ومن أكثر الأسر ذكرًا أسرة العيدروس، ولعل فيهم من كثر من رجالها على شرط المؤلف، أو لعل هناك قرابة نجهلها قد لعبت دورًا في ذلك، ومن هذه الأسر: السقاف، وآل الشيخ أبي بكر بن سالم، وباحسن، وابن سميط، وابن شهاب، وخرد، والجفري، والحبشي، وبافقيه، والبيض، في حين أن هناك أسماء أسر قد انقرضت أو دخلت مسمياتها في مسمى أسر قائمة الآن من مثل: الشلي، وبافرج، وعوهج، والحديلي، وحمدون، وكريشه، وباشيبان.

 كما أننا نأخذ عليه تجاهله ذكر بعض الأسر الشهيرة، وشهرة رجالها من مثل أسرة العطاس.

ثالثًا: أهمية التراجم: تكتسب تراجم مدة الدراسة أهمية خاصة عن غيرها من تراجم الكتاب، فضلًا عن أهمية المعاصرة والمعاينة والمشاهدة، وذلك على النحو الآتي:

  1. منها تراجم لأفراد أسرته، فقد ترجم لجده أحمد بن أبي بكر الشلي (ت 1004هـ/ 1596م)([6])، وعمه محمد بن أحمد الشلي (ت 1040هـ/ 1630م)([7])، ووالده أبي بكر بن أحمد الشلي (ت 1053هـ/1643م)([8])، وأخيه أحمد بن أبي بكر الشلي (ت 1057هـ/ 1647م)([9])، فضلًا عن ترجمته الذاتية([10]).

 واتصاله الأسري بهذه الشخصيات وارتباطه بها ومعاشرته إياها، أنتج عنه تراجم أكثر مصداقية من أية تراجم أخرى.

  1. منها تراجم لشيوخه في مساره العلمي وارتحاله، سواء في تريم أو في الحجاز (الحرمين) أو غيرها، من أمثال: عبدالرحمن بن علوي بافقيه (ت 1047هـ/ 1637م)([11])، وأحمد بن حسين بلفقيه (ت: 1048هـ/ 1638م)([12])، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب (ت: 1061هـ/ 1651م)([13])، ومحمد بن علوي السقاف (ت: 1071هـ/ 1661م)([14]).

 وترجمة الطالب لشيخه تحوي معلومات صادقة في أغلب الأحيان، وتحوي جزئيات يجهلها الكثير لارتباط الطالب بالشيخ وطريقة تدريسه، وغير ذلك.

  1. زملاؤه ورفقاؤه في مرحلة الطلب العلمي، أو ممن التقى بهم، بقوله: "رفيقي في الطلب"([15])، أو "اجتمعت به"([16])، من مثل: محمد الباقر بن عمر باحسن (ت: 1079هـ/1669م)([17])، وأحمد بن عبدالرحمن بلفقيه([18])، وعمر بن عبدالله فقيه([19])، وجميل جدًّا أنْ يترجم الشخص لزميل دربه، وكأنه يترجم لنفسه.

رابعًا: مكان الميلاد وتاريخه: رغم أن تراجم الشلي في كتابه لأعلام من آل أبي علوي، الذين كانت مدينة تريم موطنهم ومستقرهم، فإن مكان ميلاد كل هؤلاء لم يكن بتريم، بل كان في تريم وضواحيها، وفي خارجها من مناطق حضرموت، ومناطق اليمن، وخارج اليمن كما تشير إليه الإحصائية اللاحقة، وهذا يدل دلالة على هجرات الحضارم عامة، وهؤلاء خاصة، وانتشارهم في مناطق العالم:

ولم يولِ الشلي اهتمامًا كبيرًا بتاريخ الميلاد كما أولاه في تاريخ الوفاة، وهو مع هذا لم يهمله البتة، فأحيانًا يذكر سنة الميلاد([20])، بل وفي حين آخر يذكر معها اليوم والشهر([21])، ولعل هذا راجع للمادة العلمية للمترجم له.

خامسًا: مكان الوفاة وتاريخها: بما أننا في هذه الورقة العلمية قد اخترنا تراجم الشلي في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين، وأحصيناهم بعدد (119) ترجمة من إجمالي تراجمه، فإن العدد الأكثر منهم توفوا في القرن الحادي عشر، والقليل منهم في القرن الثاني عشر، وهم من أرخ وفياتهم أو من المعاصرين له، كما أن ممن لم يؤرخ وفياته قد توفي في القرن الحادي عشر، كما في الإحصائية الآتية:

ولم يكن مكان الوفاة في تراجمه واحدًا دون شك، وليس بالضرورة أن يكون مكان الميلاد واحدًا، نتيجة الهجرة والانتشار في بلاد الإسلام، وبطريقة إحصائية وبالتعقب والتتبع يمكن أن نحدد حركة الهجرة والانتشار بمقارنتها بمكان الميلاد على النحو الآتي:

وفي ذكره لتاريخ الوفاة كان حريصًا على تحديد اليوم والشهر([22])، خاصة في التراجم التي حضر وفاتها في مكة، ومن حضرها من الأعيان والسلاطين([23])، كما يحدد مكان القبر أكان في تريم في (مقبرة زنبل)([24]) مقبرتهم التي يقبرون فيها موتاهم إلى اليوم، أو في مكة في (المعلاة)([25])، أو (الشبيكة)([26])، أو (البقيع) بالمدينة المنورة([27])، بل إنه يذكر ما أقيم على القبر من بناء كقبة([28]) أو نحوه، وحين لم يعرف تاريخ الوفاة لم يأنف ذكر ذلك، بقوله: "لم أقف على تاريخ وفاته"([29])، أو "لم يحضرني تاريخ وفاته"([30])، وقد حاولنا البحث عن تاريخ وفاة المجهولين فأمكننا من العثور على القليل منهم.

سادسًا: مصادر التراجم: اعتمد الشلي في كتابه على عدد من المصادر، كان قد ذكرها في مقدمة كتابه، لكن نجد أن هذه المصادر هي لتراجمه في القرن العاشر وما قبله، وهي معروفة في التاريخ الحضرمي، لكن في مصادره في مدة الدراسة لم يشر إلى شيء منها، ربما لعدم وجودها آنذاك؛ إذ إن مصادر القرن الحادي عشر كانت بعد كتابه، سواء كانت الحضرمية أو الإسلامية كـ(شرح العينية)([31])، أو (خلاصة الأثر)([32])، لذا فإن مصادر معلوماته هنا هي على النحو الآتي:

ـــ ما اكتسبه من معلومات لمترجميه لمعايشته لهم، واحتكاكه بهم، وهم من أسرته، وشيوخه، وزملائه، ورفقائه.

ــــ المشاهدة والعيان من غيرهم والإخبار بذلك.

ــ ما وصل إليه من أخبار ومعلومات عمن سأل عنهم من مترجميه الذين بعدوا عنه؛ إذ ألّف كتابه في مكة مكان استقراره، مما جعله في هذا تصل إليه بعض المعلومات الخاطئة، وربما التناقل والأخبار كانت سببًا في الزيادة والنقصان.

ــ التراجم الفردية والذاتية([33]) لبعض تراجمه أشار إليها في صلب الترجمة، وهي من الصحة والقوة بمكان.

سابعًا: الحياة العلمية: أعطت تراجم الشلي صورة عن الحياة العلمية في حضرموت في مدة الدراسة وما قبلها، فمن مظاهر هذه الحياة وملامحها تلك المقررات الدراسية، فكان أول مقرر على الطالب بعد إجادته قراءة القرآن الكريم حفظه، فنجد الكثير من هؤلاء قد حفظه، فضلًا عن قراءته وترتيله، وبالأخص منهم من ولد بتريم، فقد استخدم لهم صياغة واحدة مسجوعة بقوله: (ولد بتريم وحفظ القرآن العظيم)([34])، مما حدا بالكاتب أمير البيان شكيب أرسلان([35]) بعد قراءته للكتاب أن يقول كلمته الشهيرة: (إذا كان في العمر بقية أريد أن أؤلف كتابًا أسميه "الحجر الكريم في من ولد بتريم وحفظ القرآن العظيم").

(الجزء الأول)

(الجزء الثالث)

(الجزء الرابع)


([1]) خلاصة الأثر 1/78، 90، 94، 134، 165، 2/2، 23، 94، 109، 3/37ــ42، 114، 116 4/26، 33، 103، 203.

([2]) شرح العينية 139، 149.

([3]) الأعلام 2/62، 64، 3/70، 4/39.

([4]) الشلي: المشرع الروي 2/ 48، ترجمة رقم (80).

([5]) المصدر نفسه 2/76، ترجمة رقم (109).

([6]) المصدر نفسه 2/ 53.

([7]) المصدر نفسه 1/ 172.

([8]) المصدر نفسه 2/ 20.

([9]) المصدر نفسه 2/ 46.

([10]) المصدر نفسه 2/ 17.

([11]) المصدر نفسه 2/ 132.

([12]) المصدر نفسه 2/ 55.

([13]) المصدر نفسه 2/ 31.

([14]) المصدر نفسه1/ 192.

([15]) المصدر نفسه 2/ 61.

([16]) المصدر نفسه 2/ 203.

([17]) المصدر نفسه 2/ 13.

([18]) المصدر نفسه 2/ 61.

([19]) المصدر نفسه 2/ 247.

([20]) المصدر نفسه 1/ 172، 2/ 48.

([21]) المصدر نفسه 2/ 200.

([22]) المصدر نفسه 2/ 59، 103، 104، 175، 177، 200، 203، 221.

([23]) المصدر نفسه 1/ 192، 2/ 227.

([24]) المصدر نفسه 1/ 189، 2/ 29، 46.

([25]) المصدر نفسه 2/ 81، 130.

([26]) المصدر نفسه 2/ 60، والشبيكة: بين مكة والزاهر على طريق التنعيم (ابن شمايل، مراصد الاطلاع 2/782).

([27]) الشلي: المشرع الروي 2/ 100.

([28]) المصدر نفسه 2/ 83.

([29]) المصدر نفسه2/ 94.

([30]) المصدر نفسه 2/ 87.

([31]) شرح العينية للحبشي: هي شرح قصيدة شيخه عبدالله بن علوي بن محمد الحداد (ت1132هـ/ 1719م) ومطلعها: يَا سَائِلي عَنْ عَبْرتَي وَمَدامِعي... وَتَنَهُّدٍ تَرْتَجُّ مِنهُ أَضَالِعي، ذكر فيها عددا من علماء الأمة الإسلامية ورجال التصوف وشيوخ أسرته آل أبي علوي في (139) بيتًا.

([32]) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبي: ترجم لأبرز الشخصيات الإسلامية التي توفيت بين 1001 ـــ 1100هـ /1592 -1686م على امتداد العالم الإسلامي، واشتمل على (1289) ترجمة.

([33]) الشلي: المشرع الروي 2/ 104، 249.

([34]) المصدر نفسه 1/ 171، 188، 2/ 20، 76، 138.

([35]) شكيب بن حمود أرسلان: عالم بالأدب، والسياسة، مؤرخ، ينعت بأمير البيان، من أعضاء المجمع العلمي العربيّ، اضطلع بالقضايا العربية وتحمس لها، فما ترك ناحية منها إلا تناولها تفصيلًا وإجمالًا، قام بسياحات كثيرة في أوربا وأمريكا وبلاد العرب، توفي بلبنان سنة 1366هـ / 1946م (الزركلي، الأعلام 3/173).

التعليقات (0)