تراجم الشِّلِّي (ت: 1094هـ/ 1683م) في كتابه المشرع الروي (3)

تراجم الشِّلِّي (ت: 1094هـ/ 1683م) في كتابه "المشرع الروي"

(الجزء الثالث)

بعد ذلك تأتي مرحلة التحصيل العلمي والاستزادة من العلوم بأنواعها وأصنافها، وبمختلف تخصصاتها، إذ يذكر أسماء تلك الكتب، فمثلًا في العقيدة، وعلوم القرآن، تذكر كتب العقيدة الغزالية للغزالي (ت 505هـ/ 1111م)([1])، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي (ت676هـ/ 1277م)([2])، والجزرية للجزري (ت 833هـ/1429م)([3])، والشاطبية للشاطبي (ت950هـ/ 1193م)([4])، وفي الحديث تأتي الأربعون النووية([5])، وألفية الحافظ العراقي (ت 806هـ/ 1403م)([6]).

وفي الفقه يأخذ الطالب من كتب الفقه الشافعي؛ إذ تبرز كتب النووي (ت676هـ/ 1277م) كالمنهاج([7])، والإرشاد لابن المقري (ت836هـ/1432م)([8])، وجامع المختصرات للنشائي (ت757هـ/1356م)([9])، والإمداد لابن حجر الهيتمي (ت974هـ/1566م)([10])، وفتح الجواد للرملي (ت957هـ/1201م)([11])، والمنهج لزكريا الانصاري (ت926هـ/1520م)([12])، وورقات الأصول لإمام الحرمين الجويني (ت478هـ/1085م)([13]).

أما علم النحو فمن مقرراته: ملحة الإعراب للحريري (ت516هـ/1123م)([14])، وألفية ابن مالك (ت 672هـ/1273م)([15])، والآجرومية (ت723هـ/1322م)([16])، وقطر الندى لابن هشام (ت 761هـ/1360م)([17]).

وفي التصوف تبرز كتب الإمام الغزالي (ت505هـ/1111م) كالإحياء ([18])، وبداية الهداية([19])، ومنهاج العابدين([20])، وعوارف المعارف للسهروردي (ت 632هـ/1234م)([21])، وأذكار النووي (ت676هـ/ 1277م)([22]).

في حين أن هناك علومًا قد تزودوا منها ونهلوا من حياضها لم يمن علينا الشلي بذكر شيء من مقرراتها.

وفي أثناء التحصيل العلمي كان الطالب يرتحل إلى المراكز العلمية للأخذ عن شيوخها، فكانت هناك الرحلة العلمية كملمح آخر من ملامح هذه الحياة، وبرز لهذا شكلان من أشكال هذه الرحلة:

الرحلة الداخلية: بين المراكز العلمية الحضرمية، أو بينها وبين مراكز العلم اليمنية، فارتحل طلاب ضواحي تريم إلى تريم([23])، كما ارتحل بعضهم إلى مناطق الساحل([24])، ووادي دوعن([25])؛ إذ كان يسمى وادي الفقهاء، بل إلى عدن([26])، والوهط([27])، وزيلع ([28])، والمخا([29]).

الرحلة الخارجية: إلى مراكز العالم الإسلامي، كالحرمين الشريفين([30])، ومصر([31])، كما وصلوا إلى مناطق أخرى ربما لطلب العلم أو التجارة ونشر الإسلام كالهند([32])، والسواحل([33])، وظفار([34]).

 ولعل الرحلة إلى الحرمين الشريفين التي من أهدافها أداء النسكين من أهم هذه الرحلات؛ إذ تبرز معها ومن غيرها ظاهرة الجوار، فيجاور الطالب بهما أعوامًا عديدة قد تصل إلى عشر سنوات، ثم يعود إلى مسقط رأسه([35])، أو أن بعضهم يحبذ الإقامة بهما حتى وفاته([36]).

ومع أن الميزة المشتركة لتلك التراجم هي اصطباغها بالصبغة الصوفية، تلك الصبغة التي اصطبغتها حضرموت في حياتها عامة، والعلمية على وجه الخصوص، وتفوقهم كذلك في العلوم الشرعية، وبالأخص علم الفقه، فإنه قد ظهرت هناك تخصصات أخرى إلى جانب هذه العلوم، فكان منهم من أجاد علم الأنساب والتاريخ([37])، وعلوم الرمل([38])، والهيئة([39])، والكيمياء([40])، وغيرها من العلوم ليدل ذلك التفوق دلالة قاطعة على أن هذه العلوم كانت لها الحلقات العلمية والمقررات التدريسية، وإن سكت عنها الشلي وغيره.

ولهذا فقد جلس هؤلاء الشيوخ للإقراء والتدريس([41]) في المؤسسات العلمية الموجودة آنذاك كالمساجد، والمدارس، والبيوت وغيرها، حتى قُصدوا من جهات بعيدة، وارتُحل إليهم، وأصبحوا أصحاب الرحلة([42])، كما أنهم لم يكتفوا بذلك في بلدانهم فعقدوا تلك الدروس في بلد الارتحال كالحرمين الشريفين، والهند([43])، حتى إنهم تولوا التدريس في الحرم المكي الشريف([44]).

اشتهر هؤلاء الشيوخ وبرزوا، ومن أدلة ذلك العدد الكبير من الطلاب، فضلًا عن نتاجهم العلمي في شتى العلوم، ورغم قلته في علماء حضرموت مقارنة بعلماء بلاد الإسلام، فإن المؤلف قد أشار إلى شيء من ذلك على وجه الإجمال([45])، أو على وجه التفصيل والذكر([46])، وكان أكثره في التصوف، ثم يأتي الفقه، والعلوم الأخرى.

ثامنًا: القضاء: وظيفة دينية سياسية اجتماعية يقام بها العدل، وينصف بها المظلوم، وتستقيم بها المجتمعات، لذا فإن الأحرى بإقامتها هو السلطان بتكليفه العلماء، ولذا فقد انبرى جماعة منهم بتوليه في مناطقهم، رغم أن بعضهم كان يعرض عليه فلا يقبله([47])، وكانوا يعتزلون القضاء لمشاكل أشار المؤلف إلى بعضها -وسنذكر جزءًا منها فيما بعد- ولأن مدينة تريم قد أخذت الحيز الأكبر من الكتاب، فكان لها أن تأخذ الحيز الأكبر في عدد القضاة المذكورين([48])، فلم ينسَ المؤلف أن يتحفنا بذكر قضاة في مناطق أخرى كعَيْنات([49])، وتَريْس([50])، وسيئون، كما أن هناك أُسرًا بعينها قد توارثت القضاء كأسرة آل طه بن عمر السقاف بسيئون([51]).

تاسعًا: الأحداث والوقائع التاريخية: رغم كثرة الأحداث والوقائع التاريخية في مناحي الحياة في حضرموت في مدة الدراسة، فإن الشلي بخل علينا بذكر عدد منها، وربما أن النظرة الصوفية للتاريخ والابتعاد عن تدوين تلك الأحداث وما ارتبط منها بالسياسة هي ميزة مؤرخي حضرموت، ومع هذا فهناك ثلاث وقائع أشار إليها لارتباطها الوثيق بالمترجم له، وشاهد عيان عليها:

الأولى: مسألة رؤية الهلال في دخول رمضان وشوال سنة 1047هـ/1637م: وهي أن ثلاثة شهدوا برؤية الهلال يوم التاسع والعشرين قبل طلوع شمسه، ثم قامت بينة برؤية الهلال بعد غروب الشمس ليلة الثلاثين، فقبل الرؤية الثانية القاضي أحمد بن حسين بلفقيه (ت 1048هـ/1638م)، وحكم بثبوت دخول شوال، وأفتى القاضي أحمد بن عمر البيتي (ت 1050هـ/1640م)، برد شهادتهم وقبول شهادة الأولين، وألف كل واحد منهما رسالة في بيان ما ظهر له، فسمى البيتي رسالته (تحرير المقال لما وقع لحاكم تريم إذ ذاك في دخول شوال)([52]).

 اختلفت فتاوى علماء حضرموت في هذه الواقعة، فأرسلوا يستفتون علماء الحرمين، فاختلفت فتاواهم أيضًا، وكان الشلي يؤيد رأي بلفقيه.

الثانية: مسألة النذر: وهي أن عبدالله بن شيخ العيدروس (ت944هـ/1537م)، نذر لابنه علي (ت 1041هـ/1631م) ببعض العقار دون أخويه شيخ (ت1041هـ/1631م)، ومحمد (ت 1034هـ/1624م)، مما أدى إلى وقوع خصومه بين الإخوة، وكان ذلك في عهد القاضي أحمد بن حسين بلفقيه، فقد سعى شيخ في إبطال النذر عند القاضي، مما حدا بأخيه علي أن يشي بالقاضي عند السلطان([53])، فيعزل السلطان القاضي بلفقيه، ويولي القضاء تلميذه حسين بن عمر بافقيه، الذي حكم بصحة النذر، ومع أن المسألة خلافية بين الفقهاء، لم يسكت عنها الشلي، فأخذ يورد لنا من أيّد ومن عارض تلك المسألة من فقهاء حضرموت والعالم الإسلامي([54]).

الثالثة: تطلع إمام الزيدية المؤيد بالله محمد بن القاسم (ت 1054هـ/1644م) إلى مد نفوذه وسيطرته إلى حضرموت، فكتب وزيره وأخوه الحسن لسلطان حضرموت([55]) وأعيانها يدعوهم إلى طاعته، فأجابه السلطان برسالة طويلة من إنشاء علي بن عبدالله بن شيخ العيدروس (ت 1041هـ/1631م)([56])، واذا كانت الفرصة غير مواتية للإمام المؤيد لتحقيق حلمه، فأن أخاه الامام المتوكل إسماعيل بن القاسم([57]) قد تهيأت له الاسباب لتحقيق هدفه وحلم أخيه.

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الرابع)


([1]) المشرع الروي 1/ 184، 2/ 61.

([2]) المصدر نفسه 2/ 138.

([3]) المصدر نفسه 1/ 172، 184.

([4]) المصدر نفسه 2/ 100.

([5]) المصدر نفسه 2/ 97.

([6]) المصدر نفسه 2/ 48.

([7]) المصدر نفسه 1/ 172.

([8]) المصدر نفسه 1/ 172، 2/ 44.

([9]) المصدر نفسه 1/ 172.

([10]) المصدر نفسه 1/ 172.

([11]) المصدر نفسه 1/ 172.

([12]) المصدر نفسه 2/ 48.

([13]) المصدر نفسه 2/ 46.

([14]) المصدر نفسه 1/ 172، 2/ 102.

([15]) المصدر نفسه 2/ 48، 100.

([16]) المصدر نفسه 2/ 17، 31.

([17]) المصدر نفسه 2/ 102، 127.

([18]) المصدر نفسه 2/ 88، 131.

([19]) المصدر نفسه 2/ 138.

([20]) المصدر نفسه 2/ 56.

([21]) المصدر نفسه 2/ 131.

([22]) المصدر نفسه 1/ 174.

([23]) المصدر نفسه 2/ 49، 125.

([24]) المصدر نفسه 2/ 29، 49، 123.

([25]) المصدر نفسه 2/ 44، 181.

([26]) المصدر نفسه 1/ 174، 2/ 49.

([27]) المصدر نفسه 1/ 192، 2/ 29.

([28]) المصدر نفسه 1/ 176.

([29]) المصدر نفسه 2/ 102، 128.

([30]) المصدر نفسه 1/ 171، 2/ 53.

([31]) المصدر نفسه 2/ 77.

([32]) المصدر نفسه 1/ 185، 2/ 31.

([33]) المصدر نفسه 2/ 45، 123.

([34]) المصدر نفسه 2/ 17.

([35]) المصدر نفسه 2/ 13، 31.

([36]) المصدر نفسه 2/ 16، 60.

([37]) المصدر نفسه 2/ 48، 168.

([38]) علم الرمل: علم يعرف به الاستدلال على أحوال المسألة حين السؤال بأشكال الرمل؛ وهي اثنا عشر شكلًا على عدد البروج، وأكثر مسائل هذا الفن أمور تخمينية مبنية على التجارب (القنوجي، أبجد العلوم 407).

([39]) علم الهيئة: هو من أصول الرياضي وهو علم يبحث فيه عن أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية من حيث الكمية والكيفية والوضع والحركة اللازمة لها وما يلزم منها (القنوجي، أبجد العلوم 556).

([40]) الشلي: المشرع الروي 2/ 170، وعلم الكيمياء: هو علم يعرف به طرق سلب الخواص من الجواهر المعدنية وجلب خاصية جديدة إليها وإفادتها خواصًّا لم تكن لها (القنوجي، أبجد العلوم 489).

([41]) الشلي: المشرع الروي 1/ 179، 2/ 31.

([42]) المصدر نفسه 2/ 44.

([43]) المصدر نفسه 1/ 185، 2/ 86.

([44]) المصدر نفسه 2/ 48، 81، 85.

([45]) المصدر نفسه 1/ 179، 2/ 48.

([46]) المصدر نفسه 2/ 20، 147.

([47]) المصدر نفسه 2/ 132.

([48]) المصدر نفسه 2/ 56، 77.

([49]) المصدر نفسه 2/ 88، وعينات: قرية من ضواحي تريم، تبعد عنها مسافة (8) كم شرقًا (السقاف، إدام القوت 974).

([50]) الشلي: المشرع الروي 2/ 123 وتريس: قرية تبعد عن سيئون (7) كم غربًا (السقاف، إدام القوت 650).

([51]) الشلي: المشرع الروي 2/ 125.

([52]) المصدر نفسه 2/ 56، 77.

([53]) لعله السلطان: بدر أبو طويرق (ت977ه/1570م) (ابن هاشم، تاريخ الدولة الكثيرية 56).

([54]) ممن أفتى بعدم الصحة شيخ الإسلام أبو زكريا الأنصاري، وعبدالرحمن بن زياد، والكمال الرداد، وأبو قضام، ومن أفتى بالصحة المزجد، وعبدالله بافضل، وعبدالله بامخرمة، وابن حجر الهيتمي.

([55]) وهو السلطان: بدر بن عبدالله بن عمر الكثيري (ت 1075ه/ 1664م) (ابن هاشم، تاريخ الدولة الكثيرية 101).

([56]) الشلي: المشرع الروي 2/ 224، وأخطأ في جعل الوزير الحسن إماما بديلا عن أخيه المؤيد محمد.

([57]) المتوكل إسماعيل بن القاسم الهادي: الإمام الزيدي صاحب اليمن، استولى على حضرموت وسائر اليمن، وصنف كتبًا، وتوفي سنة 1087هـ/1676م (المحبي، خلاصة الأثر1/411 ــ الزركلي، الأعلام1/322).

التعليقات (0)