تراجم الشِّلِّي (ت: 1094هـ/ 1683م) في كتابه المشرع الروي (4)

تراجم الشِّلِّي (ت: 1094هـ/ 1683م) في كتابه "المشرع الروي"

(الجزء الرابع)

نستنتج من هذه الوقائع التاريخية أن الاختلاف والتباين في المسائل الدينية واقع بين العلماء لا محالة، دون تجريح، محافظين على الود فيما بينهم، فتجري بينهم المناظرات، ويناصرها العلماء من كل فريق، ويسن كل منهم اليراع في ذلك.

كما نستنتج تأثير العلماء على السلاطين وأصحاب القرار، وتبرز أسر في هذا التأثير، حتى عبر عنها الشلي بقوله: "إن السلطان طوع كلمته يتصرف بما شاء في مملكته، وكان يأتيه إلى بيته"([1])، فهل لمركزهم الاجتماعي والمالي سبب في ذلك؟!

عاشرًا: الجوانب الشخصية للمترجمين: يذكر الشلي فيما يذكره من معلومات عن مترجميه بعضًا من أمورهم الشخصية، ربما يكون للبعض منها تأثيره الاجتماعي من تقلد البعض أمور المنصبة، وإكرام الضيوف والفقراء والمحتاجين والمعوزين.

وتبرز في المجتمع بعض الظواهر السيئة فيعنف عليها، وينكرها العلماء، كشرب الدخان مثلًا([2])، كما تعتري البعض منهم الحدة الشديدة التي تجاوز الحد([3]).

وتأتي مسألة الزواج والإقبال عليه والإكثار منه والعزوف عنه من المعلومات التي تورد بكثرة في كتب التراجم والطبقات، والشلي مثل غيره في ذلك، يذكر لنا من هذه الصورة ممن لم يتزوج([4])، في حين أنه سكت عمن كان مثنّيًا أو مثلّثًا أو مربّعًا، أو من كان مزواجًا كحال كثير من العلماء، وكأنه معترض على ذلك. وهناك أمور أخرى يستشفها الدارس من تراجم هذه الأعلام.

حادي عشر: الملاحظات: من الطبيعي لهذا الكتاب كعمل ضخم عن حضرموت ألّفه صاحبه في مكة، أن تكون هناك بعض الملاحظات والهنات، وكونه عملًا بشريًا شأنه شأن كل الأعمال البشرية يعتريها النقص والخطأ، وهي لا تقلل من قيمته وأهميته العلمية، بل يعد من أوائل الكتب التي اهتمت بتاريخ حضرموت وأعلامها إذا ما قورن بغيره من المصادر المتقدمة عليه؛ إذ امتاز بحسن التبويب والترتيب والمنهجية العلمية الواضحة والسليمة، ومع هذا تظل هناك بعض الملاحظات، مثل:

- استخدام المؤلف في كتابه المحسنات البديعية من السجع والجناس، بكثرة غالبة، حتى ليخيَّل لقارئه أنه أمام مقامة أدبية، فضلًا عن إطلاق الألقاب بصورة مبالغ فيها([5])، وهي ظاهرة تفشَّتْ في نتاج ذلك العصر.

- لم يكن المؤلف مكثرًا من إيراد كرامات المترجم لهم، كما يفعل من سبقوه، فقد ذكر القليل منها، وأشار بالإجمال لغيرها دون ذكرها، ويمكن للباحث استنتاج بعض الدلالات التاريخية منها.

- نسيان ذكر وفيات بعض الأعلام المترجم لهم أو تجاهلها، كما أوضحت ذلك سلفًا.

- نسيان ذكر أعلام من الشهرة بمكان أو تجاهلها، ذكرتهم كتب تراجم القرن الحادي عشر، مثل: (شرح العينية)، و(خلاصة الأثر)، وهم على شرط المؤلف، ومن أهم هؤلاء عمر بن عبدالرحمن العطاس (ت 1075هـ/ 1664م)؛ إذ يقول فيه الحبشي: وأبي حسين عمر العطاس من صار من أهل اليقين بموضعِ([6])

 فقد كان عالمًا عاملًا داعيًا إلى الله بقوله وفعله وحاله، وقد أثنى عليه غالب صالحي قطره وعصره، فلم يذكره الشلي مع أنه ترجم لبعض تلاميذه، منهم عبدالله بن علوي الحداد.

وعندما أتم المؤلف كتابه نسخ منه نسخة فأرسلها من مكة إلى تريم، فقرئ في مسجد المحضار، فحضر كل علويٍّ وسمع منقبة أهله، فجاء الفقيه علي بن أحمد بامصباح من حريضة([7]) يريد أن يسمع مناقب شيخه وحبيبه العطاس، فمر عليه القارئ على كل قبيلة إلا العطاس، فرجع إلى حريضة فقصد المشهد وفيها علي بن حسن العطاس (ت 1172هـ/ 1758م) فقال له: يا سيدي علي: آل العطاس ليسوا من آل أبي علوي!؛ لأن الشلي صنف (المشرع) ولم يذكرهم، فتبسم السيد علي، وقال: نحن نؤلف للشيخ عمر العطاس مشرعًا يعدل مشرع الشلي كله، فألف (القرطاس في مناقب العطاس)، في ثلاث مجلدات في ترجمة شخص واحد([8]).

وممن لم يذكرهم كذلك: أحمد بن أبي بكر بن سالم بن شيخان (ت 1091هـ/1680م)، والحامد بن أبي بكر بن سالم (ت 1030هـ/1618م)، مع أنه ترجم لأخيه الحسين، وكذا عمر بن الحامد (ت 1116هـ/1700م)، وعمر بن الحسين (ت 1126هـ/1710م)، والفقيه عبدالله بن أحمد بلفقيه (ت 1112هـ/1697م)، -أبو العلامة عبدالرحمن (ت 1162هـ/1650م) الملقب (علامة الدنيا) - مع أنه كان بمكة.

- غياب تراجم العنصر النسائي في تراجمه، رغم وجودهن، شأنه في هذا شأن معظم كتب التراجم والطبقات الحضرمية.

وهناك ملحوظات أخرى على الكتاب اكتفينا بما ذكرناه، تاركين غيرها لتناولها في مناسبات قادمة، تسعف بها الأيام.

الخاتمة:

ــ إن كتب الطبقات والتراجم تتضمن معلومات مهمّة تبلورُ ما ورد في المصادر الأخرى.

 ـــ اشتملت كتب الطبقات والتراجم على مادة تتعلق بالجوانب الاجتماعية والعلمية والسياسية التي تهم الباحث موزعة على التراجم.

ــ يعد كتاب: "المشرع الروي" من أفضل ما صنف ــ بحسب علمي ــ في تراجم أسرة آل أبي علوي الحضرمية.

ـــ دعوة الباحثين والدارسين لدراسة كتب التراجم والطبقات الحضرمية لأهميتها في الكتابة التاريخية.

قائمة المصادر والمراجع:

ابن جندان، سالم بن أحمد باعلوي (ت 1389هـ/ 1969م).

  1. اللوامع في ذكر من وفد إلى مولى عينات، (مخطوط).

الحبشي، أحمد بن زين (ت 1144هـ/1731م).

  1. شرح العينية، دار التراث، دون تاريخ.
  2. المسلك السوي في جمع فوائد مهمة من المشرع الروي، الطبعة الأولى،1425هـ/2004م، دار مقام الإمام أحمد بن زين، حضرموت.

الزركلي، خير الدين بن محمود (ت 1396هـ/1976م).

  1. الأعلام، الطبعة الخامسة عشرة، 2002م، دار العلم للملايين، لبنان.

 السقاف، عبد الرحمن بن عبيد الله (ت1375هـ/1955م).

  1. إدام القوت معجم بلدان حضرموت، تحقيق محمد بن أبي بكر باذيب وآخرون، الطبعة الأولى، 1426هــ/2005م، دار المنهاج، جدة، السعودية.

شراب، محمد حسن

  1. المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى،1411هـ.

ابن شمائل، عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي (ت 739هـ/1338م).

  1. مراصد الأطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، الطبعة: الأولى، 1412هـ/1992م، دار الجيل، بيروت.

الشلي، محمد بن أبي بكر (ت 1094هـ/1683م).

  1. المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل أبي علوي، الطبعة الأولى، 1319هـ/ 1901م، المطبعة العامرة الشرفية، مصر.

القنوجي، أبو الطيب محمد صديق خان (ت 1307هـ/1889م).

  1. أبجد العلوم، الطبعة: الطبعة الأولى 1423 هـ/2002 م، دار ابن حزم، بيروت.
  2. مجلة الرابطة العلوية، المجلد الاول، ربيع الاول والثاني، (1347هـ/1927م).

المحبي، محمد أمين بن فضل الله (ت 1111هـ/1698م).

  1. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، دار صادر، بيروت، بدون تاريخ.

ابن هاشم، محمد العلوي (ت1380هـ/1960م).

  1. تاريخ الدولة الكثيرية، الطبعة الأولى، 1423هـ /2002م، تريم للدراسات والنشر، اليمن.
 
 

([2]) المصدر نفسه 2/ 93.

([3]) المصدر نفسه 2/ 202.

([4]) المصدر نفسه 2/ 120، 249.

([5]) المصدر نفسه 1/179، 2/131، 221.

([6]) شرح العينية 261.

([7]) حريضة: عاصمة وادي عمد وقاعدته، تبعد عن سيئون مسافة (100) كم غربا (السقاف، إدام القوت 283).

([8]) باجندان، اللوامع البينات 2/ 569.

التعليقات (0)